عدد رقم 6 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
نساء فاضلات  

للمرأة مكانة خاصة في الكتاب المقدس، فهو الهدية التي أهداها الرب إلى آدم في الجنَّة «وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ ... فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا.  وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ» » (تك2: 18-22)، وكانت هي سبب فرح لآدم، ووجد أيضًا مُعينًا نظيره.

وعندما جاء الرب متجسدًا أتى من امرأة حتى يتحقق لقبه: ”نسل المرأة“.

وفي العهد الجديد كله لا نجد امرأة أهانت الرب ولم تكرمه، بل نقرأ «أُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ» (لو8: 3).  فلا عجب أن نقرأ عن:

(1) المرأة التي أشبعت الرب (يو4)

لا تتعجب قارئي العزيز إنها المرأة السامرية؛ لقد كان لقاءًا محددًا باليوم والساعة «وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ»، وكان الرب قد صرف التلاميذ إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا.  ودار حوار بينه وبين المرأة؛  هو تكلم 7 مرات وهي ست مرات.  وما أن انتهى الحديث إلا وكانت المرأة - ذات الماضي البغيض - قد رُبحت، وأشبعت قلب الرب يسوع، بل وذهبت سريعًا لأهل بلدتها حاملة معها بشارة قصيرة: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟  فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ».  وعندما عاد التلاميذ ومعهم الطعام سألوه: «يَا مُعَلِّمُ، كُلْ»، فقال لهم: «أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ»!  لقد وجد الرب يسوع الطعام الذي أشبع قلبه، وهو توبة هذه المرأة، وهو غرض سامي من أغراض تجسده «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ».  هذا الطعام الذي لم يدركه التلاميذ وقته فتساءلوا: «أَلَعَلَّ أَحَدًا أَتَاهُ بِشَيْءٍ لِيَأْكُلَ؟».

إن ما يشبع قلب الرب هو توبة الخاطئ، وقبوله لنعمة الخلاص.  فهل نعمل ونعمل لربح النفوس، والغرض هو إشباع قلب الرب.  ويا له من امتياز!  ويا لها من مسؤولية!

(2) المرأة التي أكرمت الرب (لو7)

في هذا الأصحاح تلقى الرب دعوة للغذاء من واحد من الفريسيين أن يأكل معه.  والرب يسوع ضيف كريم لا يفرض نفسه «فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ».  ولو بحثنا عن سبب هذه الدعوة سنجد أن الرب في بداية الأصحاح صنع معجزة رائعة وهي إقامة ابن أرملة نايين حتى أن الجموع أخذهم خوف ومجدوا الله قائلين: «قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ».  ووصلت الأخبار لهذا الفريسي، فقام بدعوة الرب يسوع للأكل في بيته، ليس للإضافة، ولكن لوضع الرب يسوع تحت الفحص ليتأكد أنه نبي عظيم أم لا.  ومع أنه لم يقم بواجب الضيافة المعهودة في التقليد اليهودي من غسل الأرجل وقبلة الترحيب، ولم يقدم الزيت لتدهين الرأس، إلا ونجد امرأة يصفها الكتاب «امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً»؛ لقد اجتذبتها شبكة النعمة، فأتت إلى بيت الفريسي غير عابئة به ولا بضيوفه، وهدفها إكرام الرب الذي غفر لها خطاياها (التي لا نعلم ما هي).  لقد شعرت بعظم الجميل، فبادرت بتقديم واجبات الإكرام «وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ».  كل هذا الإكرام قامت به هذه المرأة، في الوقت الذي قصَّر الفريسي فيه. 

لكن نرى الفريسي - وقد ظنَّ أنه ليس نبي - قال في قلبه: «لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ».  والرب يسوع كلي العلم بما يدور في ذهن وقلب الفريسي، ضرب له مثل المداين الذي له مديونان أحدهما مديون بخمسمئة دينار والآخر بخمسين، والاثنان مفلسان، ولا يمكنها السداد.  لكن هذا المداين الكريم سامح الاثنين.  وهنا سأل الرب الفريسي السؤال الفاحص: «أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟».  لم يستطع الفريسي أن يجيب إلا بالقول: «أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ».  وهنا كشف الرب يسوع حالته أنه يظن أن مديون لكن بالأصغر وليس بالأثقل!  وأن هذه المرأة هي المديونة بالأعظم، لكن أوضح له الرب أن المرأة أدركت أن حالتها كانت صعبة، والرب أكرمها بالغفران، فما كان منها إلا أن فكرت كيف تكرمه؛ بالدموع والطيب والقبلات وشعر رأسها، في الوقت الذي فيه لم يفعل الفريسي أي شيئًا لكونه شاعر أنه بار في عيني نفسه!

إن هذا الإكرام للسيد مطلوب مِن كل من شعر بعظم خطاياه وبئس مصيره لكن الرب أنقذه بمحبة شديدة وبغفران أبدي.  فلا أقل من نحذو حذو هذه المرأة، ونقدم له الإكرام.  أكرم الرب من مالك، أكرم الرب من وقتك، أكرم الرب من صحتك.  اخدم الذي خدمك.  الوقت الباقي من العمر قليل للغاية بالقياس بالأبدية، فلننتهز كل فرصة وكل وقت لإكرام الذي أكرمنا وأحبنا.

(3) المرأة التي أبكت الرب يسوع (يو11)

بيت صغير به ثلاثة أفراد أختين وأخ واحد في قرية اسمها بيت عنيا.  وفي هذا البيت كان يجد الرب يسوع راحته، ووجد هنا قلوبًا مُحِبّة.  لكن الأخ الوحيد مرض، وقامت الأختين بتوصيل الخبر لمَن يحبهم بطريقة مثالية، وهي إخباره فقط بمرض الأخ الذي يُحبه، دون أي طلبات أو اقتراحات.  كانتا متأكدتين أنه سيعمل ما يلزم لشفاء الأخ الوحيد لعازر.  لكن لحكمة أتى الرب يسوع إلى القرية في توقيت إلهي محدد بعد أن مات لعازر ووُضع في القبر، وصل في اليوم الرابع لموته.  هو لم يتأخر، بل أتى في التوقيت الإلهي الذي هو محدد من قبل، وكان يقصد ذلك، لأنه أعلن أن «هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ» (يو 4:11).  وقابلته في البداية، مرثا وتحدثت معه وانتهي الحديث بأن طمنها أن أخوها سيقوم، وأعلن لها إعلانًا لم تستطع أن تفهمه «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا،  26 وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ»، فسارعت وأخبرت أختها بأن المعلم حضر وكأنها تقول لنفسها: أنا سأرسل لك التي تفهم كلامك لأنها تجلس معك طويلاً.  فأسرعت مريم ملهوفة وبإيمان سجدت له وقالت له ما قالت مرثا لكن – أعتقد –بصوت خفيض وبدون عصيبة: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!»؛ قالتها وهي كعادتها ساجدة عند قدمي الرب يسوع .. لكن عندما رآها الرب تبكي، واليهود الذين جاءوا معها يبكون، نجد أعجب منظر يجذب القلوب: «بَكَى يَسُوعُ»!  يا لحنان قلبه!  ويا لمحبته الفياضة!  يُشاركها آلامها وأحزانها.  والكلمة تعني أنه انسابت دموعه غزيرة، دليلاً على بشريته، ودليلاً على محبته وحنانه للأختين.  وأيضًا ليُعلمنا الدرس: فرحًا مع الفرحين، وبكاء مع الباكين.  يا ربُّ ما أعجب محبتك؛ تشارك مريم في بكائها وتذرف الدموع الغالية معها. يا لقلبك الحنان الرقيق!

(4) المرأة التي أحبت الرب حتى النهاية (يو20)

مريم المجدلية .. تعرفت بالرب يسوع في لوقا 8 وأخرج منها سبعة شياطين مرروا حياتها، ومن هذه اللحظة التصقت به ولم تتركه، لازمته في خدمته، وشاركت النساء الأخريات في خدمة الرب يسوع، حتى عند الصليب كانت إحدى النساء الواقفات «وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ» (يو19: 25)، لكن بعد مات الرب ودفن في القبر وشاهدت أين وضع، أرادت أن تُعبّر للرب عن محبتها الشديدة له «وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ.  وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» (مر16: 1، 2)، قلبها كان يتمزق وهي ترى من تحبه معلقًا على الصليب .. لكن العجب كله ما فعلته غير هيابة من وحشة المكان والتوقيت الباكر ، لقد «جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلاَمُ بَاق. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ» (يو20: 1)!  ماذا حدث ؟  أين محبوب القلب؟  فما كان منها إنها أسرعت لإخبار سمعان بطرس والتلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه، وأخبرتهما وهي ملهوفة منزعجة: «أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!».  جاء معها التلميذان ورأيا وعاينا وعادا ثانية إلى مكانهما، لكن ماذا نقول أمام قلب محب للنهاية «أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي» (يو20: 11).  كل هذه المحبة كان الرب يسوع يعلمها، وكان لا بد أن يكافئها؛ فظهر لها الرب يسوع وتحدث معها وكفكف دموعها وحملها رسالة إلى التلاميذ: «اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ»!  وهكذا نالت امتياز أن تكون أول مَن رأى الرب المُقام، وتحدث معه.  ويا للشرف!  ويا للامتياز!  كانت أول من يحمل رسالة الصعود إلى السماء؛ الصعود الذي به يختم الرب على عملية الفداء، ويعلن أنها تمت تمامًا.

أمام هذه المحبة التي بدأت ولم تنته أو تفتر لم تتراجع، بل استمرت حتى النهاية.  طوباكي يا مريم!  ليتنا نتعلَّم منك كيف نحب بجد، وكيف نستمر مهما كانت المصاعب أو المخاوف، في الوقت الذي فيه تبرد محبة الكثيرين (مت 12:24).

يا ليتنا جميعًا نُشبع قلب الرب ... نُكرم الرب ... نُحب الرب محبة خالصة!

صفوت نظير

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com