عدد رقم 6 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (14)  

الأصحاح الثالث

(3)

الأَزْمِنَة وَالأَوْقَات

بدءًا من جامعة 3: 1وحتى 5: 9، يُعيد سليمان فحص وتدارس وامتحان هذه الحجة الأولى لكراهيته للحياة؛ ملل ورتابة الحياة، وخلوها من كل ما هو جديد، وعدم وجود ما يُلبي رغبة الإنسان لما هو جديد.

وفي هذا الصدد اكتشف الجامعة 4 عوامل يجب أن نأخذها في الاعتبار قبل أن نُقرر أن الحياة مملة ورتيبة، ولا معنى لها، ولا قيمة لها.  وقد تكلَّمن فيما سبق عن:

أولاً: رأى شيئًا فوق الإنسان: سيادة وسلطان الله Look Above Man)): فهناك الإله الذي يُراقب ويُسيطر ويتحكم ويُوجه ويحكم قبضته على الأزمنة والأوقات والمواسم، ويجعل كل اختبارات الحياة في وضع اتزان وتعادل (جا3: 1-9).

ثانيًا: رأى شيئًا داخل الإنسان يجعله في علاقة وارتباط موصول بالله؛ فالأبدية في قلبه Look Within Man)) (جا3: 10-14).

ونواصل تأملاتنا في هذا الصدد، فنقول: 

ثالثًا: رأى شيئًا أمام الإنسان وينتظره Look Ahead Of Man)): حقيقة ويقينية الموت الذي ينتظره (جا3: 15-22):    

ذكرنا فيما سبق أن سليمان يتكلَّم عن حتمية الموت في ثمانية مواضع في السفر ، وهكذا فمن الواضح أن هذه المشكلة كانت تؤرقه كثيرًا (جا1: 4؛ 2: 14-17؛ 3: 18-20؛ 5: 15، 16؛ 6: 6؛ 8: 8؛ 9: 2، 3؛ 12: 7، 8).

وفي هذه الآيات التي نحن بصددها، يتابع الجامعة استنتاجاته أنه وراء أعمال الناس تقف إرادة الله الثابتة غير المُتغيّرة، وهي التي تُنظم كل شيء، وليس في مقدور الإنسان أن يُغيّر شيئًا مما عيَّنه الله (ع14)، وهكذا «مَا كَانَ فَمِنَ الْقِدَمِ هُوَ، وَمَا يَكُونُ فَمِنَ الْقِدَمِ قَدْ كَانَ. وَاللهُ يَطْلُبُ مَا قَدْ مَضَى» (ع15).     

«مَا كَانَ فَمِنَ الْقِدَمِ هُوَ» ... أن ما هو كائن الآن، فهو موجود منذ الْقِدَمِ.  والفكرة هنا ليست كما في الأصحاح الأول عن بُطل الأمور ودائريتها الثابتة المُتشابهة «مَا كَانَ فَهُوَ مَا يَكُونُ، وَالَّذِي صُنِعَ فَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ» (جا1: 9)، ولكن الفكرة هنا عن تتابع الأمور وسيرها في مجراها المُحدَّد لها من الله، والذي لا يُمكن أن تحيد عنه.

وكذلك «مَا يَكُونُ فَمِنَ الْقِدَمِ قَدْ كَانَ»؛ وعلى أساس القاعدة نفسها سيكون المستقبل أيضًا، لأن القوة المُسيطرة والمُتحكمة والمُحركة للكل لا تتغير.  ونفس النتائج تصدر عن نفس الأسباب.

«وَاللهُ يَطْلُبُ مَا قَدْ مَضَى»؛ أو ”وَاللهُ يُعِيدُ مَا قَدْ مَضَى“ (ترجمة داربي).

وإذ يتأمل سليمان في حقيقة سلطان الله وسيادته وتحكمه وسيطرته في إدارة كل شيء، فإنه يأتي إلى إثارة مشكلتين كبيرتين تُدهشانه:

(1) لماذا هناك الظلم والجور والخيانة وعدم الأمانة في كل مكان (ع16، 17)؟!

(2) لماذا الموت في كل مكان (ع18-22)؟

أولاً: لماذا هناك الظلم والجور والخيانة وعدم الأمانة في كل مكان (ع16، 17)؟!

يستعرض الجامعة هنا مشكلة اعترضت تفكيره، وهي: إن كان الله هو المُتحكم في شؤون الناس، والمُسيطر على أحوالهم، فلماذا يقوم الظلم في موضع الحق، والجور مكان العدل، حتى في الأماكن التي لا نتوَّقع فيها هذه الأمور «وَأَيْضًا رَأَيْتُ تَحْتَ الشَّمْسِ: مَوْضِعَ الْحَقِّ هُنَاكَ الظُّلْمُ، وَمَوْضِعَ الْعَدْلِ هُنَاكَ الْجَوْرُ!» (ع16)؟   

ويرى البعض أن الإشارة هنا (ع16)، تتضمن ناحيتين: الناحية الدينية، والناحية الاجتماعية.  ففي الهياكل الدينية حيث يجب أن يُمارس الكهنة الحق، رأى الظلم (أو الشر والفجور).  وفي دور القضاء، حيث يجب أن يكون العدل، رأى الْجَوْر (أو الاثم). 

ولكن كيف يكون هذا؟  المفروض أن الله هو المُسيطر والمهيمن والمُتحكم في هذا العالم، فلماذا كل هذا الشر في عالمنا؟!  ولماذا ينجح الأشرار ويزدهرون، وهم في خطاياهم وزيغانهم، بينما الأتقياء يُعانون رغم طاعتهم ومخافتهم لله؟!  وبهذا الأسلوب، تحاجج إرميا مع الله قائلاً: «أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!» (إر12: 1).

ولكن الجامعة يُحاول أن يُقدِّم الجواب قائلاً: «فَقُلْتُ فِي قَلْبِي: اللهُ يَدِينُ الصِّدِّيقَ وَالشِّرِّيرَ، لأَنَّ لِكُلِّ أَمْرٍ وَلِكُلِّ عَمَل وَقْتًا هُنَاكَ» (ع17).  وكأن سليمان يستنتج أن الله يسمح بذلك لكي يُظهِر للإنسان جهالته، لعل هذا يقوده إلى الاتضاع، بينما الله سيدين هذه الأمور في وقته المُعيَّن؛ سيُكافئ الصِّدِّيقَ، وسيدين الشرير.  إن دينونة الله تتعقب كل خطية، كما أن مجازاته تتبع كل عمل صالح.

«هُنَاكَ» (ع17): يقصد بها أمام الديَّان العادل، بالمباينة مع «هُنَاكَ» (ع16)، المُتعلّقة بالإنسان.

وبالجملة، هذه الخلاصة، أو هذا الاستنتاج مؤداه أن الظلم الذي نراه الآن بالعين المُجرَّدة، لا بد من إصلاحه أو رفعه في الوقت المُعيَّن في مقاصد الله، ذلك أن الله هو الديّان.

ثانيًا: لماذا الموت في كل مكان (ع18-22)؟

«قُلْتُ فِي قَلْبِي: مِنْ جِهَةِ أُمُورِ بَنِي الْبَشَرِ، إِنَّ اللهَ يَمْتَحِنُهُمْ لِيُرِيَهُمْ أَنَّهُ كَمَا الْبَهِيمَةِ هكَذَا هُمْ.  لأَنَّ مَا يَحْدُثُ لِبَنِي الْبَشَرِ يَحْدُثُ لِلْبَهِيمَةِ، وَحَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمْ. مَوْتُ هذَا كَمَوْتِ ذَاكَ، وَنَسَمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْكُلِّ. فَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْبَهِيمَةِ، لأَنَّ كِلَيْهِمَا بَاطِلٌ.  يَذْهَبُ كِلاَهُمَا إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ. كَانَ كِلاَهُمَا مِنَ التُّرَابِ، وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُ كِلاَهُمَا.  مَنْ يَعْلَمُ رُوحَ بَنِي الْبَشَرِ هَلْ هِيَ تَصْعَدُ إِلَى فَوْق؟  وَرُوحَ الْبَهِيمَةِ هَلْ هِيَ تَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ، إِلَى الأَرْضِ؟  فَرَأَيْتُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، لأَنَّ ذلِكَ نَصِيبَهُ. لأَنَّهُ مَنْ يَأْتِي بِهِ لِيَرَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ؟» (جا3: 18-22).

 وهنا يأتي سليمان إلى إثارة المشكلة الثانية؛ لماذا الموت في كل مكان (ع18-22)؟  لماذا يزحف الموت بقسوة وتصلب – إلى الأمام، إذا كان الله هو المُتحكم والمسيطر والمتسلط في هذا العالم؟  لماذا يسمح الله بأحزان القلوب المكسورة بسبب الموت؟!

إن هذه الآيات، كما يٌخبرنا سليمان نفسه، تُعبّر عما ”قاله في قلبه“، في وقت مُعيَّن (ع18)؛  فهو ليس إعلانًا إلهيًا، بل هو شك بشري؛ هو تساؤل عقل الإنسان عندما يتأمل باحثًا في سر الوجود.  ولقد قصد الجامعة أن ينطق بهذه الأقوال لإثبات نظريته التي أوضحها في الأعداد السابقة عن بُطْل الإنسان وزواله.  فهو يُريد أن يقول: هذا التغير المستمر والمتصل، أَليس له من سبب؟  أليس لله فيه مقاصد؟  نعم، بكل تأكيد: فالله يُريد أن يُعلّم الناس أنهم زائلون، وأنه ليس شيء باقيًا؛ لا فرق بين الناس والبهائم، الكل - من زاوية الحكمة الإنسانية – على مستوى واحد من حيث الخروج المُزعج من هذا المشهد.

فالناس بحسب الظاهر يموتون كما يموت الحيوان، ولهم جميعًا نسمة واحدة، وروح واحدة، وإلى التراب يذهب الكل على السواء.  أما ما وراء ذلك فلا يُمكن للعقل البشري إدراكه على الإطلاق.  لذلك يقول الجامعة، الباحث بعقله فيما يتعلَّق بما وراء القبر: «مَنْ يَعْلَمُ رُوحَ بَنِي الْبَشَرِ هَلْ هِيَ تَصْعَدُ إِلَى فَوْق؟  وَرُوحَ الْبَهِيمَةِ هَلْ هِيَ تَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ، إِلَى الأَرْضِ؟» (ع21)

صحيح أن أجسام الناس وأجسام الهائم من التراب، وإليه تعود، غير أنه يوجد فارق كبير بين روح الإنسان وروح البهيمة، ولكن مَن ذا الذي رأى ما على الجانب الآخر لبوابة الموت المُخيفة؟  لا أحد.  لذلك يعود الجامعة ليقول مرة أخرى إن حكمته لا ترى الخير إلا في التمتع بالحاضر، ذلك لأن المستقبل غامض تلفّه سحابة كثيفة، ولا يقدر أحد أن يصل إليه «فَرَأَيْتُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، لأَنَّ ذلِكَ نَصِيبَهُ. لأَنَّهُ مَنْ يَأْتِي بِهِ لِيَرَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ؟» (ع22).

«مَنْ يَعْلَمُ رُوحَ بَنِي الْبَشَرِ هَلْ هِيَ تَصْعَدُ إِلَى فَوْق؟  وَرُوحَ الْبَهِيمَةِ هَلْ هِيَ تَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ، إِلَى الأَرْضِ؟» (ع21)؛ هذا السؤال لا يُمكن أن يكون لغة الروح القدس، بل هو تساؤل سليمان الذي يُبيّن بوضوح جهل الإنسان التام بما هو وراء القبر، وكيف أن القبر الذي إليه يذهب الجميع – يبقى أمام البحث بالحكمة البشرية – لغزًا مُحيّرًا لا يُمكن اختراق غوامضه.  هذه هي حقيقة الموت والظلمة التي تكتنفه بدون إعلان إلهي.

ويعترض البعض على ذلك بأن اتهام سليمان بالجهل بما بعد القبر أو الموت، فيه تجاهل لحقيقة نواله الحكمة من الله.  ولكن هذه بالذات هي النقطة المقصودة؛ فالغرض من سفر الجامعة هو أن يُرينا أن حكمة أعظم الحكماء تعجز عن معرفة حقيقة غير المنظور ما لم يُعلنهُ الله في كلمته.  كما أن الغرض من سفر أيوب أن يُرينا أن بر أعظم الأبرار يعجز عن تبريره أمام الله ما لم يُبررهُ الله ببرٍ إلهي.  وكان على كل منهما أن يعترف في سفره بما يخصه.  فالرجل الكامل والمستقيم كان عليه أن يعترف بنقصه وحقارته أمام الله.  وأحكم الحكماء كان عليه أن يعترف بقصر حكته البشرية وعجزها عن إدراك سرائر الله.                                                                                                                                                                                                                                                                                        

وللحديث بقية ... إن شاء الرب وعشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com