«هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ
السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ
الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ»
(رؤ1:2)
(6) كنيسة فيلادلفيا (رؤيا
3: 7-13)
معناها النبوي ”المحبة الأخوية“
ومدتها النهضات الروحية (من 1850 إلى مجيء الرب)
«وَاكْتُبْ
إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي فِيلاَدَلْفِيَا: هذَا يَقُولُهُ
الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ
يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا
قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ
يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ
تُنْكِرِ اسْمِي. هنَذَا أَجْعَلُ
الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ
وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ
وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ. لأَنَّكَ حَفِظْتَ كَلِمَةَ صَبْرِي، أَنَا
أَيْضًا سَأَحْفَظُكَ مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ
عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ. هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا
عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ.
مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ
يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ
إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ
إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. مَنْ لَهُ
أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ» (رؤ3: 7-13).
رأينا في الكنيستين
السابقتين ”ثياتيرا“ و”ساردس“ نظامين مختلفين سيستمران في سيرهما إلى مجيء الرب
حسب الوعد لهما.
وأما في الكنيستين
الأخيرتين ”فيلادلفيا“ و ”لاودكية“ فسنجد حالتين مختلفتين وليس نظامين. فالحالة الأولى ذات وجه منير، وأما الثانية فذات
وجه مظلم. وستستمران أيضًا مع سير النظامين السابقين إلى مجيء الرب، وبهما ينتهى
عصر الكنيسة على الأرض وتنتقل إلى المشهد السماوى.
وكنيسة ”فيلادلفيا“ تمثل
حالة الأمانة الشخصية للرب على الأرض، من أولئك الذين يطلبون أن يسلكوا أدبيًا
وعمليًا في الحق الخاص بكلمة الله وبالكنيسة الحقيقية.
ولا نرى أى شيء من الشر أو
اللوم منسوبًا إلى هذه الكنيسة، والرب يظهر ذاته لها كالقدوس الحق ويمدحها
لأمانتها، مع أن لها قوة يسيرة من حيث العظمة والقوى العالمية، ومع ذلك استطاعت أن
تحفظ كلمته، ولم تنكر اسمه. ولهذا يعدها
الرب أنه يجعل أمامها بابًا مفتوحًا لا أحد يستطيع أن يغلقه.
أما الذين هم من مجمع
الشيطان، من القائلين أنهم يهود وليسوا يهودًا، بل يكذبون، فهذا يشير إلى أولئك
المعلمين الذين يخلطون الناموس مع تعليم النعمة، ويعلمون بأن التبرير بعضه بالنعمة
وبعضه بالناموس، أو القول بأن النعمة أعطيّت لتساعد الخطاة المساكين لحفظ الوصايا،
أو أن الخلاص بالإيمان والأعمال معًا. وهذا الخطأ المنتشر الآن في المسيحية انتشارًا
عظيمًا، إلا وهو محاولة تهويد الكنيسة، ونجد دفعه المفحم في التحذيرات الخطيرة،
والمنطق الذي لا يحاج، والإعلان الأكيد في الرسالة إلى الغلاطيين:
«إِنِّي
أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ
بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!
لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ
مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا!» (غل1: 6-8).
«أُرِيدُ
أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هذَا فَقَطْ: أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ
الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟ أَهكَذَا
أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا
ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟» (غل3: 2، 3).
أما حفظ هذه الكنيسة من
ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله بعد اختطاف الكنيسة، فهو جوهر الوعد
المطمئن للأمناء الساهرين المنتظرين سيدهم متى يأتي من العرس، والقائلين في كل حين
«آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ
يَسُوعُ». فيجيب قائلاً: «هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا
عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ».
(7) كنيسة لاودكية (رؤيا14:3ـ23)
معناها النبوي ”القضاء على الشعب“
ومدتها عصر الفتور والرخاوة ويستمر إلى مجيء الرب
«وَاكْتُبْ
إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ
الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ،
أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا! هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا
وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي. لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ
اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ
الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي
ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ
تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ
تُبْصِرَ. إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ
أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ. هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ.
إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى
مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. مَنْ يَغْلِبُ
فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا
وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ. مَنْ
لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ» (رؤ3: 14-23).
لا توجد حالة في كل
الكنائس السابقة أشد من حالة هذه الكنيسة. لإن الرب يصورها في كبرياء الغنى والاكتفاء
بالذات المقترنة بعدم الاهتمام بشخص الرب. فبينما تفتخر انها غنيّة ولا حاجة بها إلى شيء،
إذا بها في حقيقتها كانت شقيّة وبائسة وفقيرة وعمياء وعريانة. وهذه حالة الإنسان في اكتفائه بذاته وعدم تقديره
للرب في أهميته ولزومه لنفسه. وهى تمثل
حالة انتشار وطغيان المبادئ العقلية والآراء العلمية الزائفة والمناقضة لحق الله
في هذه الأيام:
وحتى في وسط الكنائس
الإسمية، نجد همهم الوحيد الجدال والمفاخرة بحسن أنظمتهم وتعاليمهم، غاضين النظر
عن حالتهم الشخصية وسلوكهم العملي. متصورين أنهم في أحسن حال ما دامت هذه التعاليم
التي ينتمون إليها.
وعندما نفحص حالة
المعترفين بأنهم الكنيسة في الوقت الحاضر نرى يقينًا أننا وصلنا لآخر مرحلة من
تاريخ الكنيسة.
فالحالات الثلاث المميّزة
لعصر الرخاوة ”لاودكية“ وهى:
(1)
عدم الحرارة الروحية ـ
الفتور وعدم المبالاة، كما يقول الرب: «هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ
بَارِدًا وَلاَ حَارًّا».
(2)
الروح المتكبرة والمكتفية
بنفسها ـ القائلة: «إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي
إِلَى شَيْءٍ».
(3)
الجهل والغباوة من جهة
معرفة الحق الخاص بالذات وعدم نفعها «وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ
وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ».
والنتيجة الحتميّة لهذه
الحالة ـ هى الرفض التام ـ عندما يأتي الرب ليأخذ المؤمنين الحقيقيين إليه في سحاب
السماء.
وإلى هنا قد وصلنا إلى آخر
المراحل التي تجتازها الكنيسة على الأرض فنلاحظ أنها تنزل بالتدريج عن مستواها
الروحي الذي يريده الرب لها كرأسها ورئيسها. فمن ترك المحبة الأولى كما في ”أفسس“، إلى الاختلاط
مع العالم كما في ”برغامس“، إلى السعي للحصول على السلطة الزمنية كما في ”ثياتيرا“،
إلى عدم الثبات في الحق رغم الاعتراف به كما في ”ساردس“، وأخيرًا إلى الاكتفاء
بالذات وعدم المبالاة بالرب كما في ”لاودكية“.
وها قد وقعت قرعتنا في هذه
الأيام الأخيرة المميّزة، بكل أسف، بهذا جميعه. ولكن مع كل ذلك فأمامنا مناظر الرب وإعلاناته
التي يضعها أمام ”مَنْ يَغْلِبُ“ فهناك الآمال المنيرة والوعود المفرحة التي تزداد
لمعانًا كلما زادت الحالة الأدبية في الكنيسة الإسمية انحطاطًا.
حليم
أرسناوي