«يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ» (أم18: 24)
(2)
في الحزن (يو11:
1-44):
« كان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر». " كان، له المجد، في بيت عنيا كأنه من نفس
العائلة، وكان بينهم كأنه في بيته. فلم
تكن عواطف الرب يسوع نحو عائلة بيت عنيا هي عواطف المخلِّص أو عواطف الراعي، مع
أننا نعرف أنه كان هذا وذاك بينهم، بل كانت عواطفه هي عواطف الصديق الحبيب
الوفي"(1)؛ عواطف نقية ورقيقة، عواطف الذي اختار أن يشترك في اللحم والدم.
من
أجل ذلك لما كان لعازر مريضاً أرسلت الأختان إليه قائلتين « يا سيد هوذا الذي تحبه
مريض» وأنه لتعبير جميل عزى قلوباً كثيرة في وسط آلام المرض « الذي تحبه».
ولكن
الرب الذي يفطن دائماً إلى فكر الآب « مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه
يومين». كان في مقدوره أن يسرع لإغاثة ذاك
الذي يسميه « حبيبنا»، لكنه أراد أن يصنع ما هو أكثر من الشفاء. لقد قال له المجد « هذا المرض ليس للموت بل
لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به».
كالإنسان
المتوكل على الله انتظر الساعة المحددة، وكابن الله عرف كل شيء عن مرض وموت
لعازر. لذلك استطاع أن يقول لتلاميذه «
لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه».
لقد
انتظرت الأختان طويلاً. لقد انتظرتا
الجواب على رسالتهما حوالي العشرة أيام، لأن الرب أخذ أربعة أيام من الموضع الذي
كان فيه إلى بيت عنيا، ولابد أن رسل الأختين أخذوا مثل تلك المدة في الذهاب، والرب
كان قد مكث في الموضع الذي كان فيه يومين.
عشرة أيام فيها كانتا تنتظران جواباً على رسالة عاجلة. من أجل ذلك في حزنهما تقول الأختان كل منهما
بدورها: « يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي».
لقد عبّرت تلك الكلمات عن مدى الألم الذي أصابهما من جراء غياب الصديق الذي
تأخر وصوله كثيراً. لكن الرب كان يدخر
لهما شيئاً أفضل. أوليس هذا هو ما يحدث
معنا عندما يتأخر الجواب على طلبة نرفعها أو صلاة نقدمها للرب؟ أو لما تطول التجربة عن زمانها الذي نقدِّره
نحن لها؟
ويا
لها من ثقة هادئة يبدو بها الرب أمام مرثا وهو يقول لها « أنا هو القيامة والحياة»
وفي ذلك يؤكد مجده وقدرته الإلهية وعظمته.
ولكن في اللحظة التي فيها يرى مريم جاثية عند قدميه وباكية، واليهود الذين
جاءوا معها يبكون « انزعج بالروح واضطرب»، ثم وهو يقترب من القبر تفجرت عواطفه
الإنسانية، حتى أنه « بكى يسوع».
" ولو فتشنا في كل الكتاب لما وجدنا أقصر من هذه
الآية العجيبة « بكى يسوع». الرب المخلص،
الكلمة الذي صار جسداً، الذي جاء يعلن نفسه كالقيامة والحياة... يسوع المسيح...
بكى. ولما جاء إلى القبر انزعج أيضاً في
نفسه، كان في داخله ألماً عميقاً ممزوجاً بالأسف لمشهد تسلط الموت على روح الإنسان"(2).
وخليق
بنا أن نتأمل هذا المشهد. فهناك تقدم الرب
ومن حوله جمع كثير من سكان بيت عنيا ومن اليهود الذين جاءوا من أورشليم ليعزوا
الأختين، ثم التلاميذ ومرثا ومريم. كل
أولئك كان لهم أن يشاهدوا أعجب معجزة صنعها الرب.
لقد أقام الرب ابنة يايرس ساعة موتها وهي لم تزل على سريرها. وأقام ابن أرملة نايين وهو في طريقه إلى
القبر. أما لعازر فقالت عنه مرثا « قد
أنتن لأن له أربعة أيام». لقد عمل فيه
الفساد. وأمام القبر قال الرب « ارفعوا
الحجر». ورفع يسوع عينيه إلى فوق، وشكر
الآب وصلى قائلاً « ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت. ليؤمنوا أنك أرسلتني». فاتجهت إليه العيون وتثبتت عليه الأنظار، ثم
صرخ بصوت عظيم: « لعازر هلم خارجاً» فخرج الميت.
ويا
لها من لحظة تفوق الوصف؛ حينما تبرهن مجد ابن الله بهذا النصر على الموت. ومن ذا الذي ينكر عليه أنه ابن الله بعد ذلك؟
ولكننا
نعرف قلق رؤساء الكهنة والفريسيين أمام معجزة مثل هذه « فمن ذلك اليوم تشاوروا
ليقتلوه»، كما قرروا أن يقتلوا لعازر أيضاً، لأن بسببه كان كثيرون من اليهود
يؤمنون بيسوع.
ومن
أصحاح إلى أصحاح بعد هذه المعجزة أخذت ظلال الموت تتكاثف على طريقه، حتى انتهى إلى
الجلجثة.
(يتبع)