الأصحاح الثالث
(1)
الأَزْمِنَة وَالأَوْقَات
في جامعة 1:
4-11 ذكر سليمان أول الأسباب الأربعة لكراهيته للحياة واستنتاجه أن هذه الحياة
التي ”تحت الشمس“ لا تستحق أن تُحيا (من وجهة نظره هو)، وهذا السبب الأول هو أن
الحياة تتسم بالرتابة المُملة وتخلو من كل ما هو جديد، ولا يوجد فيها ما يُلبي
رغبة الإنسان لما هو جديد The Monotony Of Life)).
وبدءًا من
جامعة 3: 1وحتى 5: 9، يُعيد سليمان فحص وتدارس وامتحان هذه الحجة الأولى لكراهيته
للحياة؛ ملل ورتابة الحياة، وخلوها من كل ما هو جديد، وعدم وجود ما يُلبي رغبة
الإنسان لما هو جديد.
وفي هذا الصدد
اكتشف الجامعة 4 عوامل يجب أن نأخذها في الاعتبار قبل أن نُقرر أن الحياة مملة
ورتيبة، ولا معنى لها، ولا قيمة لها:
أولاً:
رأى شيئًا فوق الإنسان: سيادة وسلطان الله Look Above Man)): فهناك
الإله الذي يُراقب ويُسيطر ويتحكم ويُوجه ويحكم قبضته على الأزمنة والأوقات
والمواسم، ويجعل كل اختبارات الحياة في وضع اتزان وتعادل (جا3: 1-9).
ثانيًا:
رأى شيئًا داخل الإنسان يجعله في علاقة وارتباط موصول بالله؛ فالأبدية في قلبه Look
Within Man)) (جا3: 10-15).
ثالثًا:
رأى شيئًا أمام الإنسان وينتظره Look Ahead Of
Man)): حقيقة ويقينية الموت الذي ينتظره (جا3:
16-22).
رابعًا:
رأى سليمان شيئًا حول الإنسان ويُحيط به Look
Around Man)): رأى أثقال وأعباء
الحياة؛ ظلم وكدر العيش (جا4: 1-5: 9)
وهكذا
فإن الجامعة يطلب من مستمعيه:
(1) انظر إلى أعلى (جا3: 1-9).
(2) انظر إلى داخلك (جا3: 10-15).
(3) انظر إلى الأمام (جا3: 16-22).
(4) انظر حولك (جا4: 1-5: 9).
ويطلب
أيضا من مستمعيه أن يضعوا في اعتبارهم: الزمان ... الأبدية ... الموت ... المعاناة
والألم.
وبالرغم
من أن الجامعة يستخدم هذه العوامل الأربعة للتدليل على رتابة وملل هذه الحياة التي
لا تستحق أن تُحيا، فإن المؤمنين الحقيقيين يرون أن هذه هي العوامل الأربعة التي
يستخدمها الله للحفاظ على حياتنا من أن تصبح رتيبة وبلا معنى.
أولاً:
انظر إلى أعلى (جا3: 1-9): رأى الجامعة شيئًا فوق الإنسان: سيادة وسلطان
الله: فهناك الإله الذي يُراقب ويُسيطر ويتحكم ويُوجه ويحكم قبضته على الأزمنة
والأوقات والمواسم، ويجعل كل اختبارات الحياة في وضع اتزان وتعادل (جا3: 1-8).
«لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ
السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ: لِلْوِلاَدَةِ وَقْتٌ، وَلِلْمَوْتِ وَقْتٌ. لِلْغَرْسِ وَقْتٌ، وَلِقَلْعِ الْمَغْرُوسِ
وَقْتٌ. لِلْقَتْلِ وَقْتٌ، وَلِلشِّفَاءِ
وَقْتٌ. لِلْهَدْمِ وَقْتٌ، وَلِلْبِنَاءِ
وَقْتٌ. لِلْبُكَاءِ وَقْتٌ، وَلِلضَّحْكِ
وَقْتٌ. لِلنَّوْحِ وَقْتٌ، وَلِلرَّقْصِ
وَقْتٌ. لِتَفْرِيقِ الْحِجَارَةِ وَقْتٌ،
وَلِجَمْعِ الْحِجَارَةِ وَقْتٌ. لِلْمُعَانَقَةِ وَقْتٌ، وَلِلانْفِصَالِ عَنِ
الْمُعَانَقَةِ وَقْتٌ. لِلْكَسْبِ وَقْتٌ،
وَلِلْخَسَارَةِ وَقْتٌ. لِلصِّيَانَةِ
وَقْتٌ، وَلِلطَّرْحِ وَقْتٌ. لِلتَّمْزِيقِ
وَقْتٌ، وَلِلتَّخْيِيطِ وَقْتٌ. لِلسُّكُوتِ وَقْتٌ، وَلِلتَّكَلُّمِ وَقْتٌ. لِلْحُبِّ وَقْتٌ، وَلِلْبُغْضَةِ وَقْتٌ. لِلْحَرْبِ وَقْتٌ، وَلِلصُّلْحِ وَقْتٌ. فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا
يَتْعَبُ بِهِ؟» (جا3: 1-9).
يذكر
هذا الفصل 28 أمرًا تحدث “تَحْتَ السَّمَاوَاتِ”.
وهذا الرقم 28، أي (7 × 4) له
دلالته، فرقم 4 هو رقم الأرض، ورقم 7 هو رقم الكمال. إنه إذًا يشير إلى كل ما يجري على الأرض. ونلاحظ أن هذه الأمور تتكون من أربع عشرة
ثنائية متباينة؛ 14 أمرًا إيجابيًا، ويقابلها 14 أمرًا سلبيًا، وكلها تدور حول
ظروف الإنسان الخارجية، وتدخل إلى أعماق كيانه وأشواقه الداخلية. وهذه الأمور،
إذا أُضيفت إلى بعضها، تكون المُحَصِّلة النهائية صفرًا. وهذه هي نظرة الجامعة إلى كل ما يحدث على
الأرض. وماذا يمكنك أن تُغَيِّر من واقع
الأشياء؟ لا شيء.
وفي
هذه المباينات يُريد الحكيم أن يُبين أن كل كسب في الحياة، له خسارة مساوية له،
فلا يستفيد الإنسان من تعبه شيئًا، لأنه واضح أنه لا يستطيع أن يخرج من العالم
بشيء (1تي6: 8)، فكل شيء في مدّ وجزر، وفي تقلّب مستمر وحركة لا تتوقف، وكل شيء
يتبعه ما يُناقضه، ولا شيء تحت السماوات يثبت على حاله. فإذا كانت الولادة يعقبها الموت، والبناء يتبعه
الهدم، والضحك يأتي بعده البكاء، والحب تحل محله البغضة، والمكسب تضيعه الخسارة،
والحرب تنتهي بالصلح ... وهكذا؛ فما قيمة هذا كله؟ وما المنفعة من السعي وراءه والتعب فيه؟!
إن
الحياة تؤكد أنه لا شيء هنا ثابت؛ الكل متنقل متغيّر، ليس شيءٌ باقيًا. الكل مثل الرياح والأنهار التي لاحظها في
الأصحاح الأول. وهكذا فإن حياة الإنسان
ليست إلا عجلة تدور؛ فالموت يُلاحق الميلاد، وكل الأحداث التي تقع بينهما، إنما هي
ظلال من الخير والشر، متنقلة مُتغيرة.
ولا
ننسى أن هذه ليست نظرة الإيمان، بل هي نظرة الحكمة الإنسانية؛ فإن مَن يحيا حياة
الإيمان يستطيع في وسط زحمة الحياة، أن يُنشِد مُغنيًا رحمة وعدلاً، ذلك أن إلهنا
هو الذي ينسج زماننا وأوقاتنا. ولئن كانت
هناك رذاذات من الحزن والوجع، فإن محبته تُضفي عليها رونقًا جذابًا. ولا توجد في هذا العالم أوقات ومواسم فحسب، بل
توجد أيضًا عناية إلهية مُسيطرة في حياتنا.
ومنذ ولادتنا وحتى لحظة موتنا، يُحقق الله مقاصده الإلهية، بالرغم من أننا
لا نفهم دائمًا ما يعمله. ولكننا نعلَّم
أن الله يُمسك بالخيوط الدقيقة التي تنسج حياة الإنسان الذي يُسلم له مقاليد حياته
تسليمًا كليًا، ويعتمد عليه في كل شيء.
وهو بحكمة بالغة، ومحبة فائقة، يُرتب ويُدير كل ما فيه خيره وسعادته
وراحته. ولقد قال الرب لتلاميذه قبيل
ارتفاعه: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي
جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ» (أع1: 7)، وهكذا ترَّنم داود مطمئنًا: «يَا
رَبُّ ... فِي يَدِكَ آجَالِي» (مز31: 14، 15).
«فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِهِ؟» (ع9).
استنادًا
على ما استنتجه الحكيم في الأعداد السابقة أن الإنسان في كل أعماله، وفي كل ظروفه،
يخضع للأزمنة والأوقات المُحدَّدة لها من الله، والتي لا سلطان له على تغييرها،
ولا يستطيع أن يتحكم فيها، فإنه يعود إلى التساؤل: «فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ
يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِهِ؟» (ع9)، وهو نفس التساؤل الذي سبق أن ردده: «مَا
الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ
الشَّمْسِ؟» (جا1: 3). ويرجع إلى نفس
النتيجة: ”لا شَيْء“. وهذا ما ملأ قلب
الحكيم حزنًا وألمًا.
وللحديث بقية ... إن
شاء الرب وعشنا.