الأصحاح الأول
(2)
هل هذه الحياة تستحق فعلاً أن نحياها؟!
تكلَّمنا فيما
سبق أن سليمان - في الأصحاح الأول - يذكر لنا سببين أساسيين لكراهيته لهذه الحياة:
السبب الأول:
إن الحياة تتسم بالرتابة المُملة، وتخلو من كل ما هو جديد، ولا يوجد فيها ما يُلبي
رغبة الإنسان لما هو جديد The Monotony Of Life)) (ع4-11):
لقد قال الرب
بعد الطوفان: «مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ
وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ» (تك8:
22). ولكن تعاقب وترتيب ودوران الأمور
المُتعلّقة بهذا العالم، كان عبئًا على سليمان، لأنه إذا كانت الحياة جزءًا من
دورة لا نملك عليها سلطانًا أو تحكمًا أو تنظيمًا، وإذا كنا نحيا في حلقات ودوائر
مُفرَّغة، فهل هذه الحياة تستحق أن تُحيا؟!
إذا كانت دورة الحياة تعود موسمًا بعد موسم، وجيلاً بعد جيل، فلماذا لا
نستطيع أن نفهمها أو نفسِّرها؟!
لقد تأمَّل
سليمان في هذه الأسئلة، إذ نظر إلى دورة الحياة التي «تَحْتَ الشَّمْسِ»، وخلص إلى
ثلاثة استنتاجات كئيبة وباردة ومليئة بالغم:
(I)
لا شيء يتغيَّر (جا1:
4-7).
(II) لا
شيء جديد (جا1: 8-11).
(III) لا
شيء يُفهَم (جا1: 13-18).
( (Iلا شيء يتغيَّر (1:
4-7):
وهنا نتقابل مع سليمان العالم (The Scientist):
في هذا الجزء يقترب سليمان من المشكلة باعتباره ”عالمًا (Scientist)“، ويفحص ”دورة الحياة“ من حوله، ويتأمل في:
(أ) الأرض (ع4). (ب) الشمس (ع5).
(ج) الريح (ع6). (د) دوران المياه: الأنهار والبحار (ع7).
(أ) الأرض: «دَوْرٌ
يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ، وَالأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ» (ع4):
يبدو أن سليمان قد صُدِم بحقيقة أن أجيال البشر تأتي وتذهب، بينما الأشياء
في الأرض لا تتغيَّر! الطبيعة لا
تتغير! قد يبدو أن الأمور تتغيَّر، ولكن
الحقيقة أنها لا تتغيَّر. إنه يرى كل
الأمور في هذا العالم تسير في دوائر مُغلَّقة بلا معنًى؛ رتيبة ومُملَّة! ومع كون الأرض راسخة، والطبيعة ثابتة، لكن
الإنسان سريع الزوال، مجرد نزيل عابر، ضيق قصير الإقامة، مجرد سائح يعبر بأقدامه
فقط على هذه الأرض. وسياحته في هذا العالم
وجيزة ومختصرة، وسريعًا ما يطلبه الموت ليقطعه من أرض الأحياء! وهنا نجد أول تلميح إلى الموت؛ الموضوع الذي
سيتناوله الجامعة باستفاضة فيما بعد.
ودعونا نسمعه وهو يفكِّر، وكأنه يقول: الأفراد والعائلات، تأتي وتذهب. الأمم والإمبراطوريات تقوم وتسقط. ولكن لا شيء يتغيَّر. والعالم يستمر ويبقى على حاله كما هو! ويا لها من دراما تُقدَّم على مسرح الزمن! تتغيَّر الأزياء والخلفيات والديكورات،
وتتغيَّر الأدوات، ويتبدل الأبطال والممثلون،
ولكن السيناريو المحتوم يظل هو هو!
ولكن هل حقيقة أن «الأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ»؟
لقد سبق الرب يسوع وأخبرنا: «اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ
كَلاَمِي لاَ يَزُولُ» (مت24: 35).
وكتب الرسول بولس: «اَللهُ ... كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ
الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ ... حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ ...
وَأَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ
يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ
تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ.
وَلكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى» (عب1: 1-12).
نعم - أيها الأحباء - إن هذه الأرض قائمة حتى الآن بكلمة قدرة الرب يسوع،
حتى تُتمِّم الغرض والمشيئة الإلهية من وجودها، وبعدها يقول الرائي: «ثُمَّ
رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ
وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!»
(رؤ20: 11). ويُخبرنا الرسول بطرس أنه «سَيَأْتِي
كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ
بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ
وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا» (2بط3: 10).
(ب) الشَّمْس: «وَالشَّمْسُ
تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَتُسْرِعُ
إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ» (ع5):
ينتقل سليمان من دورة الولادة والموت على الأرض، إلى تعاقب النهار والليل
في السماء؛ فالشمس تُشرِق، ثم تمضي مسرعة (لاهثة - Panting) في طريقها عبر السماء، من الشرق إلى الغرب، وتغيب ليأتي
الليل. ولكن ما هو الغرض من دورانها؟ وما الذي أنجزته بهذه الرحلة اليومية؟ وهكذا سيأتي يوم مماثل تمامًا لسابقه! وكل الأيام مُتشابهة، وتظل السماء على حالها
دون أي تغيير!
ولكن دعونا نُطيع دعوة الرب: «ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ
وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ
الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ
الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ» (إش40: 26)
ودعونا أيضًا نستمع إلى داود، مُترنمًا بالروح القدس: «اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ
بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ ... جَعَلَ لِلشَّمْسِ
مَسْكَنًا فِيهَا، وَهِيَ مِثْلُ الْعَرُوسِ الْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ.
يَبْتَهِجُ مِثْلَ الْجَبَّارِ لِلسِّبَاقِ فِي الطَّرِيقِ. مِنْ أَقْصَى السَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا،
وَمَدَارُهَا إِلَى أَقَاصِيهَا، وَلاَ شَيْءَ يَخْتَفِي مِنْ حَرِّهَا» (مز19:
1-6).
إننا لنجد بعض التشابه بين كلمات سليمان وكلمات داود، في تصوير الشمس وهي
تُشرق، تم تسرع مثل العدَّاء الذي يلهث وهو يجري في السباق، وتصل إلى أوج مجدها في
كبد السماء، ولا شيء يختفي من حرها، ثم تخبو وتأفل وتختفي. ويا له من تصوير دقيق لحياة الإنسان في أعظم
حالاته! بل ويا له من تصوير دقيق لتاريخ
الشعوب والأمم والإمبراطوريات، وتصوير لتعاقب الأجيال.
(ج) الرّيح: «اَلرِّيحُ
تَذْهَبُ إِلَى الْجَنُوبِ، وَتَدُورُ إِلَى الشَّمَالِ. تَذْهَبُ دَائِرَةً
دَوَرَانًا، وَإِلَى مَدَارَاتِهَا تَرْجعُ الرِّيحُ» (ع6):
ينتقل سليمان من الحركة المنظورة للشمس، من الشرق إلى الغرب، إلى الحركة
غير المنظورة للريح من الشمال إلى الجنوب.
وهكذا يكون قد تكلَّم عن جهات البوصلة الأربع. وعلى مر العصور، نحن نسمع الريح، ونشعر بها ،
ونرى تأثيرها وما تتركه ورائها، ولكن على مر الأجيال، الريح لم تتغيَّر، ولم
تُغيِّر اتجاهاتها ودوراتها! والإنسان
يأتي ويذهب، ولكن الريح تبقى كما هي إلى الأبد!
ولاحظ الأفعال الثلاثة المُتعلّقة بحركة الريح من الشمال إلى الجنوب «تَذْهَبُ
... تَدُورُ ... تَذْهَبُ ... تَرْجعُ».
(د) دوران المياه: الأنهار والبحار (ع7): «كُلُّ الأَنْهَارِ تَجْرِي إِلَى الْبَحْرِ، وَالْبَحْرُ لَيْسَ
بِمَلآنَ. إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَرَتْ مِنْهُ الأَنْهَارُ إِلَى هُنَاكَ
تَذْهَبُ رَاجِعَةً» (ع7):
على مرّ الأجيال، الأمطار والأنهار تصبُّ في البحار، ولكن البحار تظل كما
هي لا تتغيَّر. الماء يصعد من الأرض إلى
السماء بالبخر، ثم يعود من الماء إلى الأرض بالأمطار والسيول، وبالبَرَد والثلج،
ولكن العجيب أن «الْبَحْرُ لَيْسَ بِمَلآنَ»!
ويا للإحباط! يا لإحباط
سليمان! إن كل هذه الدورات المُتعاقبة،
التي لا نهاية لها، عاجزة على أن تجعل البحر يمتلئ! ويا لها من صورة لتعاقب
الأجيال؛ جيل تلو جيل، ولكن مستحيل على الإنسان أن يشبع أو يرتوي أو يكتفي أو
يقنع، حتى ولو امتلك كل الغنى والثروة والكرامة والشهرة، أو المعرفة المُكتسبة، أو
الحكمة الإنسانية البشرية!
وهكذا إذ نظر سليمان إلى الأرض أو إلى السماء، إلى الريح أو إلى المياه،
فقد وصل إلى نفس النتيجة: الطبيعة لا تتغيَّر.
هناك حركة، ولكن ليس هناك تقدّم أو تغيير!
وإذا كانت كل الأمور في هذا العالم مُتوَّقعة وغير قابلة للتغيير، ، ويُمكن
الإنباء بما سيأتي، وإذا كان لا شيء يُمكن أن يعترض دورة الحياة في هذه الطبيعة؛
فما جدوى جهودنا؟! هل يُمكن أن نتوقَّع
استجابة لصلواتنا؟! هل يُمكن أن نتوقَّع
معجزات من إلهنا؟! وإذا كان هناك إله قدير
يُسيطر على هذا العالم، هل يُمكن أن يتداخل لصوالحنا طالما هو محكوم بقوانين
الطبيعة التي لا يُمكن أن تتعطل أو تتوقف؟!
وهكذا كانت مجادلة سليمان الأولى عن رتابة الحياة ومَللها! وهكذا خلص إلى أن هذه الحياة لا تستحق أن
تُحيا! وسجَّل لنا الاستنتاج والخُلاصة: «كُلُّ
الْكَلاَمِ يَقْصُرُ. لاَ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْكُلِّ.
الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ»
(ع8). وهكذا، فكل الأشياء من هذا المنظور
مُجهِدة ومُتعِبة وشاقة! ويا لشقاوة الجنس
البشري المسكين!
يا لسليمان المسكين! إن كل ما
يقوله يبدو صحيحًا فقط، إذا نظرنا إلى الأمور «تَحْتَ السَّمَاوَاتِ ... تَحْتَ الشَّمْسِ
... عَلَى الأَرْضِ»، واستبعدنا الرب من المشهد!
ولكن الحقيقة أن إلهنا الذي نحن له، والذي نحن نعبده، يُمكنه أن يتداخل،
ويوقف الطبيعة ودوراتها، ليُجري أمورًا عظيمة.
إنه - تبارك اسمه - يستجيب الصلوات، ويُجري المعجزات، ويُمكنه أن يتصرف
بمنأى عن قوانين الطبيعة التي هو وضعها، ولكنه لا يُحكَم بها.
دعونا نتذكر أن الرب مرة أمَر الشَّمْس، فَوَقَفَتِ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ
السَّمَاءِ وَلَمْ تَعْجَلْ لِلْغُرُوبِ نَحْوَ يَوْمٍ كَامِل»، حتى انتقم شعب
الرب من أعدائه وأكمل انتصاره (يش10: 6-14).
ومرة أرجعَ الرب الشمس إلى الوراء كعلامة لاستجابته لصلاة حزقيا التقي
(إش38: 1-8). ومرة شقَّ البحر الأحمر
ليُخلِّص شعبه من أعدائه (خر14). ومرة
أخرى شق نهر الأردن ليعبر شعبه إلى أرض موعده (يش3؛ 4). ومرة منعَ الرب المطر استجابة لصلاة إيليا
(1مل17)، ثم أعطى المطر مرة ثانية استجابة لصلاته أيضًا (يع5: 17، 18). ومرة أسكت الريح وهدأ البحر عندما استغاث به
تلاميذه (مر4: 35-41). وفي المستقبل
سيستخدم الرب كل قوى الطبيعة، ليُجري الدينونة، ويُسبّب الرعب والهلع والخوف للناس
الذين في الأرض (رؤيا 6 وما بعدها). بل
ودعونا نتذكر أيضًا «كَمَا هُوَ
مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى
بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ» (1كو2: 9).
أيها الأحباء: إن كل مَن قَبِلَ الرب يسوع المسيح مُخلّصَا وفاديًا شخصيًا
له، وعرف الله الآب باعتباره ”أبونا المُحبّ“، لا يعيش فيما بعد حبيس ”نظام
مُغلَق“ من دورات مملة رتيبة لا نهاية لها.
ولكن كل مؤمن حقيقي يُمكنه أن يترنم من القلب، بنغمة عالية صادقة، قائلاً: ”هذا الكون يملكه أبونا“، وهو كفيل بأن يملأ كل احتياجاتي، ويُسدّد كل إعوازي،
ويُعطيني كل شيء بغنًى للتمتع!
والمؤمن يعيش في هذا العالم كغريب ونزيل، وليس كسجين، ولذلك يظل فرحًا
وواثقًا، كيفما كانت ظروفه.
نعم، يا لغبطة المؤمن الحقيقي الذي يتعطِّر كيانه بالفرح عندما يشخص إلى
الرب يسوع، ويُصغي لسماع صوته، فلا يشعر بالممل ولا بالكآبة ولا بالرتابة، بل يشعر
بالقناعة وبالاكتفاء «لأَنَّهُ أَشْبَعَ نَفْسًا مُشْتَهِيَةً وَمَلأَ نَفْسًا
جَائِعَةً خُبْزًا» (مز107: 9). وهذا
ما سيستمر إلى الأبد!
وللحديث بقية مع فيلسوفنا
الحكيم سليمان.