(2مل22، 23؛ 2أخ34، 35)
يُوشِيَّا هو آخر الملوك
الأتقياء في مملكة يهوذا، وقد استخدمه الرب في النهضة الأخيرة في مملكة يهوذا قبل
السبي البابلي . ومعنى اسم ”يُوشِيَّا“ ”الله يعتني به“ أو ”الله يُشدّده“. ولقد كان يُوشِيَّا بمثابة نورًا جديدًا يشرق
في ظلمة مملكة يهوذا، إذ يقيم الله فتًى صغيرًا، ويضع في قلبه الرغبة لعبادة الرب. وعلى الرغم من أن أباه آمُون كان شريرًا جدًا،
ولقي حتفه على يد عبيده، إذ فتنوا عليه وقتلوه في بيته، ثم قام الشعب وقتلوا جميع
الذين فتنوا على آمُون. وكان يُوشِيَّا ابن
ثَمَانِ سنين حين مَلَكَ، على هذه الخلفية من المؤامرات والاغتيالات والقتل في
المملكة، إلا إن الرب كان يعده ليعمل به.
وفى كل مراحل حياته تبرهن معنى اسمه أن الرب يعتني ويُشدِّد. وكانت هناك نبوة عن يُوشِيَّا سبقته بقرون عديدة،
بواسطة النبي الذي جاء من يهوذا إلى بيت إيل، وتكلَّم ضد المذبح الذي هناك في حضور
الملك يَرُبْعَام بْنُ نَبَاطَ (1مل13: 2).
وربما كان الكثيرون في إسرائيل قد نسوا هذه النبوة، وربما تهكم البعض عليها،
ولكنها تمت في حينها، وتمت حرفيًا كما قال الرب، شأنها شأن كل نبوات الكتاب.
وقد تميز عصر يُوشِيَّا بالاهتمام
ببيت الله، والرجوع إلى كلمة الله المُقدَّسة، ثم الرغبة في الانفصال عن الشر:
أولاً:
الاهتمام ببيت الله: «تَرْمِيمِ بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِهِ» (2أخ34: 8):
في السنة الثامنة عشر من مُلْكِهِ،
إذ كان له من العمر ست وعشرين سنة، أمر يُوشِيَّا بترميم الهيكل، وأرسل عبيده
بالفضة المُدخلة إلى بيت الله، وأعطوها لحِلْقِيَا الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ. وبدأ العمل باجتهاد. ويقول الكتاب: «وَكَانَ الرِّجَالُ يَعْمَلُونَ
الْعَمَلَ بِأَمَانَةٍ» ( 2أخ34: 12).
ويا له من درس لنا! وأثناء الترميم
وجد حِلْقِيَا الْكَاهِنِ سِفْرَ شَرِيعَةِ الرَّبِّ، ويبدو أنه كان مُهملاً
ومتروكًا في أيام الملكين السابقين، آمُون ومَنَسَّى. كان الكهنة هم المسؤولون عن حفظ سفر الشريعة
(تث31 : 9، 26)، لكنهم للأسف أهملوه، فعمت الظلمة أرجاء المملكة إلى أن اُكتشف السِفْر،
وهكذا في تاريخ الكنيسة عمّت الظلمة والجهل المسيحية، إلى وقت نهضة الإصلاح، حيث أصبح
للأسفار المُقدسة مرة أخرى مكانتها البارزة.
ثانيًا:
دور كلمة الله:
أتوا بسفر الشريعة إلى
الملك يُوشِيَّا، وقرأه شَافَانُ الْكَاتِبِ أمامه. ويقول الكتاب إنه لما سمع الملك كلام الشريعة
بكى ومزّق ثيابه، وأمر عبيده أن يذهبوا ويسألوا الرب من أجله، ومن أجل من بقى في
مملكة يهوذا، وذهب عبيده إلى خَلْدَةَ النَّبِيَّةِ التي أجابتهم برسالة مشجعة
للملك، إذ أكّدت لهم أن القضاء آتٍ على أورشليم والشعب، لسبب عبادتهم الوثنية،
وأما الملك فكان كلام الرب إليه: «مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ رَقَّ قَلْبُكَ،
وَتَوَاضَعْتَ أَمَامَ اللهِ حِينَ سَمِعْتَ كَلاَمَهُ عَلَى هذَا الْمَوْضِعِ
وَعَلَى سُكَّانِهِ، وَتَوَاضَعْتَ أَمَامِي وَمَزَّقْتَ ثِيَابَكَ وَبَكَيْتَ
أَمَامِي يَقُولُ الرَّبُّ، قَدْ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضًا. هأَنَذَا أَضُمُّكَ إِلَى آبَائِكَ فَتُضَمُّ
إِلَى قَبْرِكَ بِسَلاَمٍ، وَكُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَجْلِبُهُ عَلَى هذَا
الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ لاَ تَرَى عَيْنَاكَ» ( 2أخ34: 27، 28).
أحبائي: كيف نتعامل مع
كلمة الله عندما نقرأها؟ وكيف نتجاوب معها
عندما نسمعها؟ ما أهم أن يكون توجُّه
الشاب المؤمن هو تقدير الكلمة، ويوقرها ولا يكتفي بأن يسمعها، بل يخشى كل كلامها!
«لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الْعَلِيُّ
الْمُرْتَفِعُ، سَاكِنُ الأَبَدِ، الْقُدُّوسُ اسْمُهُ: فِي الْمَوْضِعِ
الْمُرْتَفِعِ الْمُقَدَّسِ أَسْكُنُ، وَمَعَ الْمُنْسَحِقِ وَالْمُتَوَاضِعِ
الرُّوحِ، لأُحْيِيَ رُوحَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَلأُحْيِيَ قَلْبَ
الْمُنْسَحِقِينَ» (إش57: 15)، وأيضًا «يَقُولُ الرَّبُّ: وَإِلَى هذَا أَنْظُرُ:
إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي»
(إش66: 2). لقد ارتعد يُوشِيَّا قدام كلمة الرب، فأرسل له الرب تشجيعًا. والدرس لنا أيضًا: عندما نسمع لقول الرب، يسمع
الرب صلاتنا «وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ،
وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ» (1يو3 : 22).
ثالثًا:
يُوشِيَّا والفصح الذي عمله:
كانت النتيجة التلقائية
لاسترجاع كلمة الله، هي تعليمها للشعب (2أخ34: 29-31). وسبق ذلك تطهير الأرض من العبادة الوثنية، ثم قاد
الرب يُوشِيَّا التقي إلى عمل الفصح طاعة للمكتوب: «وَعَمِلَ يُوشِيَّا فِي
أُورُشَلِيمَ فِصْحًا لِلرَّبِّ، وَذَبَحُوا الْفِصْحَ فِي الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ
الشَّهْرِ الأَوَّلِ» (2أخ35: 1)؛ في ميعاده المُحدد بالضبط، بخلاف أيام حَزَقِيَّا
حيث عُمل الفصح في الشهر الثاني. وقد كان
نشاط الشعب هذا ناتجًا عن الأهمية التي أُعطيت لكلمة الله.
الفصح هو أول فريضة أعطاها
الرب للشعب، حتى قبل أن يخرجوا من أرض مصر. وكان الهدف أن يتذكروا سنويًا خلاص
الله العظيم لهم من أرض مصر، ومن عبودية فرعون.
أما نحن، فلنا الآن ذكرى أعظم من خلاص أرضي، فلنا أن نذكر موت ربنا يسوع
الذي أوصانا: «اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» (لو22: 19؛ 1كو11: 24). وهكذا ففي كل أول أسبوع، نجتمع حول الرب يسوع، كمَن فُدينا بالدم الكريم،
لنكسر الخبز ونذكر صانع الخلاص العظيم نفسه.
وفي الفصح الذي عَمِله يُوشِيَّا
نرى حضور التابوت «وَقَالَ (يُوشِيَّا) لِلاَّوِيِّينَ الَّذِينَ
كَانُوا يُعَلِّمُونَ كُلَّ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ كَانُوا مُقَدَّسِينَ
لِلرَّبِّ: اجْعَلُوا تَابُوتَ الْقُدْسِ فِي الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ
سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ» (2أخ35: 2). والتابوت يرمز لحضور المسيح وسط شعبه، لذا نجد
التشديد على القداسة. فلأنه تابوت القدس، كان
على اللاويين أن يتقدسوا، ليكونوا مؤهلين لهذا الامتياز، وهكذا قال يُوشِيَّا
أيضًا للاَّوِيِّينَ: «اذْبَحُوا الْفِصْحَ وَتَقَدَّسُوا وَأَعِدُّوا إِخْوَتَكُمْ
لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ عَنْ يَدِ مُوسَى» (2أخ35: 6). وهذا الفصح الذي عَمِلَهُ يُوشِيَّا يُذكَر عنه
أنه «لَمْ يُعْمَلْ فِصْحٌ مِثْلُهُ فِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَيَّامِ صَمُوئِيلَ
النَّبِيِّ» (2أخ35: 18).
وكانت نهضة يُوشِيَّا هي آخر
نهضة في مملكة يهوذا، قبل وقوع القضاء عليها، بواسطة السبي البابلي. وهكذا ففي آخر تاريخ المسيحية وقبل أن يتقياها
الرب من فمه (رؤ3: 16 )، يُسر الرب أن يُوجد انتعاشات روحية في أماكن عديدة بواسطة
روحه القدوس، ورغبته هي أن يُنشئ فينا مثل هذه الرغبة المقدسة، كتلك التي ميّزت
الملك يُوشِيَّا.