عدد رقم 3 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الْكَرْمَةُ  

«كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ » (مت21: 33).

«كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ، فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا ... فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ.  أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ» (إش 5: 1-5).

الْكَرْمَةُ من أشهر الأشجار المتسلّقة في أرض كنعان، وهي أولى الأشجار في قائمة ثمار الأرض السبعة، ويُشير الكتاب المقدّس إلى نوح كأول مَن غرس كرمًا (تث8: 8؛ تك9: 20).  للْكَرْمَةِ عدة أوصاف في الكلمة المقدسة: كرمة منتشرة، كرمة واسعة، جفنة سدوم (حز17: 6، 8؛ تث32: 32).

(1) بدء عملية الغرس: يبدأ الفلاح بنقب الأرض لإزالة الحجارة الكبيرة، ثم يُنقّي الحجارة الصغيرة، وبعدها يغرس غرسة الْكَرْمَة، ويختار عادةً نوعية جيّدة مثل السورق التي نقرأ عنها هنا، وكانت فصيلة فاخرة تُنتج النبيذ الأحمر.

(2) يُتابع الكرّام اعتناءه بالنبتة الصغيرة، فيسقيها بكميات قليلة، لئلاّ يتعفّن جذرها من كثرة المياه، وهو المقصود بتعبير «أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ» (إش 27: 3).

(3) الحماية: يبني الكرّام جدارًا من الحجارة حول الكرم لمنع أي تعدٍ عليه، وفوقه يضع سياجًا من نباتات شوكية ليمنع الحيوانات الصغيرة من التسلّل فوق الجدار ودخول الكرم وإفساد المحصول.

(4) حماية إضافية: يبنى الكرّام أيضًا برجًا في وسط الكرم والذي يُستعمل للحراسة والمراقبة.  يتكوّن عادة من طابقين من حجارة مرتّبة فوق بعضها البعض.  يُستعمل الطابق الأرضي كمخزن للمحاصيل، والطابق العلوي للحراسة والمبيت في موسم قطف الكروم، ويدعى البرج ”شوميراه“ أي الحارس في كُتب اليهود، أو كما يقول الكتاب المقدس: «أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا ... لِئَلاَّ يُوقَعَ بِهَا أَحْرُسُهَا لَيْلاً وَنَهَارًا» (إش 27: 3).

قِطَافِ الْكَرْمَةِ:

«فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ الصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي الْيَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَرَأَى آخَرِينَ قِيَامًا فِي السُّوقِ بَطَّالِينَ، فَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى الْكَرْمِ فَأُعْطِيَكُمْ مَا يَحِقُّ لَكُمْ، فَمَضَوْا ... فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: ادْعُ الْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُ الأُجْرَةَ مُبْتَدِئًا مِنَ الآخِرِينَ إِلَى الأَوَّلِينَ ... فَلَمَّا جَاءَ الأَوَّلُونَ ... تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ قَائِلِينَ: هؤُلاَءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ وَالْحَرَّ» (مت20: 1- 12).

(1) التوقيت: يحلّ موسم قِطَافِ الكروم في أكثر شهور الصيف حرارة في فلسطين (تموز حتى أيلول).  يكون النهار فيها طويلاً ومُرهقًا، وخاصة في مثل هذا العمل الجسماني المُضني، حيث يمتد العمل نحو اثنتي عشرة ساعة تحت أشعة الشمس الحارقة. يساعدنا في فهم ذلك تذمّر العمال القائلين في المثل: «نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ وَالْحَرَّ» (مت20: 12).

(2) ساعات العمل: خلال وجود اليهود في السبي البابلي، اقتبسوا طريقة البابليين في تقسيم النهار الى اثنتي عشرة ساعة، تمتدّ من الشروق أي من نحو الساعة السادسة صباحًا، والتي تُسمّى الساعة الأولى، وحتى الساعة الثانية عشرة، أي السادسة مساءً نحو غروب الشمس.  كذلك الأمر بالنسبة لليل: «أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟» (يو11: 9).  وفي نهاية يوم العمل، يتسلم كل عامل أجرته، بسبب احتياجه اليوميّ، لذلك أوصى الناموس: «لاَ تَظْلِمْ أَجِيرًا مِسْكِينًا وَفَقِيرًا مِنْ إِخْوَتِكَ أَوْ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ فِي أَرْضِكَ، فِي أَبْوَابِكَ.  فِي يَوْمِهِ تُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ، وَلاَ تَغْرُبْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، لأَنَّهُ فَقِيرٌ وَإِلَيْهَا حَامِلٌ نَفْسَهُ، لِئَلاَّ يَصْرُخَ عَلَيْكَ إِلَى الرَّبِّ فَتَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ» (تث24: 14، 15).

(3) عملية القِطَاف: كان من العمال مَن يقطف العناقيد ويجمعها، وغيرهم يُنظفونها.  يُجمع بعض العنب جانبًا للأكل، أمّا أكبر كمية فتوضع على السطح الحجري للمعصرة، ويدوسونها بأقدامهم النظيفة العارية (لأن الأحذية تلوّث وقد تسحق بذور العنب، فيصير العصير مُرًا).  هكذا تُسحق حبات العنب، ويسيل عصيرها إلى حوض المعصرة، وكانوا يشربون المسطار وهو العصير طازجًا (تيروش بالعبرية)، بينما يُترك معظم النبيذ هناك ليختمِر لأربعين يومًا على الأقل. يترسّب خلال هذه الفترة الدردي (الثفل)، وينبغي بعدها أن تُنقل الخمر إلى آنية أخرى (إر 48: 11).

لاحظ معي اهتمام الكرّام بكل تفاصيل العمل والعاملين، وطبعًا الأروع بما لا يُقاس هو اهتمام الكرّام الأعظم بكلٍ منّا، وبنواحي حياتنا المختلفة!  أصلّي أن نراجع أنفسنا، هل نحن أيضًا نخدم بمواهبنا بعضنا بعضًا، كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة (1بط4: 10)؟  ليتنا جميعًا نفعل هكذا دائمًا!

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com