عدد رقم 3 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
لاَ تَكْذِبُوا  

(لا19: 11)

 الكذب هو الإخبار عن شئ بخلاف ما هو عليه فى الواقع، ويشمل أنصاف الحقائق والرياء والادعاء والنفاق والغش، واللف والدوران والمبالغة الزائدة عن الحد.  إنه بكل تأكيد صفة ذميمة أدبيًا وأخلاقيًا، وليس روحيًا فقط.  وهو بكل وضوح الصفة المضادة للأمانة والدقة.

وفى الحقيقة، مع أن الكذب يستهين به معظم الناس، حتى المؤمنين أحيانًا، لكن ما أخطره!  فكم من كذبة أدت إلى قتل ودمار وخراب!

يصف الكتاب المقدس الله بأنه الصادق الأمين المُنزه عن الكذب، وهكذا يجب أن يتصف كل من ارتبط ارتباطًا حقيقيًا بالله، القائل لشعبه «وَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ، لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ» (لا11: 44)، فالله نور وليس فيه ظلمة البتة، ومن يتبعه لا بد وأن يسلك فى النور، فلقد نهى شعبه عن الكذب، ففي العهد القديم: «لاَ تَكْذِبُوا» (لا19: 11)، وفى العهد الجديد: «اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ» (أف4: 25)، «لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» (كو3: 9). 

فالكذب خطية بغيضة، يكرهها الرب «كَرَاهَةُ الرَّبِّ شَفَتَا كَذِبٍ، أَمَّا الْعَامِلُونَ بِالصِّدْقِ فَرِضَاهُ» (أم12: 22)، وأيضًا يكرهها المؤمن الحقيقي الذي ارتبط بالرب «مِنْ وَصَايَاكَ أَتَفَطَّنُ (اكتسبت فطنة وفهمًا)، لِذلِكَ أَبْغَضْتُ كُلَّ طَرِيقِ كَذِبٍ» (مز119: 104)، «اَلصِّدِّيقُ يُبْغِضُ كَلاَمَ كَذِبٍ» (أم13: 5).

الكذب أيضًا صفة دامغة للشيطان، متغلغلة فيه، حيث يقول عنه الكتاب المقدس: «لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ.  مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ» (يو8: 44).  وهكذا كل من ارتبط بالشيطان، الذي هو مصدر كل كذب.  والأشرار قد تشبّهوا به كأبيهم من ناحية الكذب . ومهما ادّعى الكذّاب غير ذلك، ومهما أظهر من مظاهر يخدع بها البسطاء، فهو مرتبط بنبع الكذب؛ الشيطان، وليس غير ذلك!

ويُخبرنا الكتاب المقدس أن طرق الأشرار هىّ الكذب، فقايين الشرير بعد أن قتل أخاه هابيل، أجاب الرب، كاذبًا، عندما سأله عنه: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟» (تك4: 9).  والأشرار «يَتَكَلَّمُونَ بِالْكَذِبِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ صَاحِبِهِ، بِشِفَاهٍ مَلِقَةٍ» (مز12: 2)، ويكثرون منه، ويحلفون بالكذب، ويعملون بالكذب في سبيل الربح، ويحبون الكذب أكثر من التكلم بالصدق (مز52: 3).  وبحق ما أتعس هؤلاء الأشرار لأن أباهم هو الكذاب وأبو الكذاب، ومصيرهم هو مصيره في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت (رؤ21: 8)!  فالذين ارتبطوا بالشيطان، يقعون في هذه الخطية، ويعيشونها، وقد يقع فيها من ارتبط بالله، حينما يُخدع من الشيطان، لكنه سرعان ما يستيقظ، معترفًا بكذبه، وتائبًا عنه!  لذا علينا أن نتحذّر!

الكذب قد يكون مباشرًا أو غير مباشر.  كأن تذكر شيئًا، وأنت تقصد معنًى آخر تمامًا، تريد أن تكذب بدون أن تنطق الكذبة!  وناقل الكذب يُعتبر كاذبًا، وشريكًا في الكذب ونشره.  وكذلك مروجو الإشاعات الكاذبة.  والبسطاء قد يصدقون كل ما يسمعونه، ويتكلَّمون عنه كأنه حقيقة، دون فحص وتأكيد، ولكن ليست هذه البساطة، بل هى السذاجة بعينها.

يقول الناس عن الكذب: ”الكذب ما لوش رجلين!“؛ أي ليس له ما يستند عليه.  ويقول عنه الكتاب المقدس: «لِسَانُ الْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ إِلَى طَرْفَةِ الْعَيْنِ» (أم12: 19)، أي ما أسرع ما ينكشف ويفتضح أمره، ويأتى حصاده المرير، وما أكثر ما رأينا وسمعنا من أكاذيب، افتضح أمر أصحابها، حتى أن الناس فى أحاديثها تصفهم بـ”الكاذبين“!

لماذا الكذب؟!

(1)        الكبرياء وتعظيم الذات أمام الآخرين، أو تعويض الشعور بالنقص ومحاولة الظهور بأننى لست أقل من الآخرين فى إيمانهم وروحانياتهم، وقد فعلها حنانيا وزوجته سفيرة (أع5) وكانت النتيجة الموت تحت التأديب!!

(2)        الهروب من نتائج الخطأ، ومحاولة تجنب الخسارة، ولكنْ تحمل نتائج الخطأ ومواحهة الخسارة بشجاعة أسهل بكثير من نتائج افتضاح الكذب، علمًا بأنه «لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ» (مت10: 26).  ويقول المثل فى هذا: ”إن كان الكذب ينجي، فالصدق أنجى؛ أي يُنجى أكثر“!

(3)        الحصول على مكاسب مادية، دون وجه حق وقد فعلها جيحزي فى العهد القديم فجرى وراء نعمان ليأخذ منه فضة وثيابًا، وكان لا بد أن يكذب لكي يصل لغرضه، فشوّه جمال نعمة إله إسرائيل المجانيّة التى أظهرها أليشع أمام نعمان الأممي (2مل5: 20-22)، ولكي يُغطي على كذبته، كان لا بد أن يكذب ثانية أمام أليشع.  وكذلك كذب يعقوب أمام إسحاق أبيه ليأخذ البركة (تك27)، ولما راجعه ليتأكد من صدقه، اضطر أن يكذب مرة أخرى.  فالكذبة تجر كذبة، والنهاية الدمار!

(4)       بسبب الخوف أو للهروب من الخطر، كما فعلها بطرس، فكذب أمام الجواري، مُنكرًا علاقته بالمسيح (مت26: 69-75)، وفعلها إبراهيم أبو المؤمنين، ولكنه توَّبخ من ملك أممي.  وكذلك فعلها ابنه إسحاق وتوبَّخ كذلك.  وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الكذب قريب جدًا، وميسر جدًا، ونتائجه مرة جدًا!  فعلينا بالحذر الشديد!

(5)        الكذب بسبب الإحراج، أو إلحاح السائل حينما يرى أن الصدق قد يحرجه، لكن ذلك ليس مبررًا إطلاقًا. 

(6)        وقد يكون الكذب لإخفاء الجهل بأمر معين!  ولكن لا يضير الإنسان أن يقول أحيانًا: لا أعرف.

(7)        وقد يكون سبب الكذب اضطرار الوظيفة، مثل المحامي الذي يدافع عن شخص يعرف أنه مُذنب، ويطلب له البراءة، فينال شهرة.  أو الطبيب الذي يخدع مريضًا من جهة نوع مرضه حتى لا يصدمه.  لكن الأفضل والأصح هو المحامي النزيه الذي لا يقبل الدفاع عن متهم إلا إذا كان واثقًا من براءته. أما إن دافع عن شخص مُذنب، فعليه أن يشرح العوامل المحيطة التي تخفِّف من العقاب، دون أن يكذب.  كذلك الطبيب الأمين الذي يضع الحقيقة أمام مريضه بلياقة وبشاشة وبعبارات رجاء بحكمة، وتحذير بصورة لا تحمل اليأس، مستودعًا الأمور بين يدي الله القادر على كل شئ، فلا يفقد المريض الفرصة للتوبة، وهو على أبواب الأبدية.

(8)        الكذب وتحوله لعادة يدمنها معظم الناس في كلامهم العادي، بسبب وبدون سبب، وهذا شائع في مجتماعاتنا للأسف الشديد!، ونراه فيمن نتعامل معهم، مع أن الحقيقة هي أن الأمانة قيمة عظمى وثمينة، يجدر بكل واحد أن يتمسك بها، خاصة المؤمنين، ولا يصح أبدًا التنازل عنها.

(9)        الكذب كوسيلة للهروب:  مما يدعو للأسى أن الكثيرين يعتبرون الكذب نوعًا من اللباقة والحكمة والذكاء، ووسيلة للهروب من المواقف، ولا ضرر فيه، طالما لم يؤذِ أحدًا.  حتى بعض المؤمنين قد يرون ذلك أيضًا!

هل هناك حالات يجوز فيها الكذب؟

الأمر الإلهي واضح وصريح: «لاَ تَكْذِبُوا» (لا19: 11).  ولم يستثنِ الكتاب المقدس أية حالات يجوز فيها الكذب بأى صورة من صوره، فإن كان البعض يجيز الكذب في حالات معينة مثل الصلح بين متخاصمين، فما بُني على باطل، فهو باطل، وعلاج المشاكل لا يكون بالكذب!  بل بمواجهتها بصراحة وحكمة، وتحمل نتائجها بصراحة وشجاعة.

هل يجوز الكذب باسم الدين؟  أو لتحقيق مكاسب دينية؟

يقول الإنسان بالمنطق البشري: «إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟» (رو3: 7).

الكذب في الكنائس: عندما نعظ عن الغفران والتسامح، ونختزن في داخلنا المرارة والحقد تجاه شخص ما أساء إلينا!  عندما نرنم: نقِ قلبي ولساني، وهناك خطايا نتمسك بها!  وعندما نرنم: يا رب إنني لك أكرس الحياة، وهناك أمور كثيرة في الحياة لا يرضى الرب عنها!

هل هناك كذبة بيضاء وأخرى سوداء؟  وهل هناك كذبة كبيرة وكذبة صغيرة؟

ربما يكون هناك شيء مثل هذا بمنطق الإنسان الطبيعي!  ولكن بالمنطق الروحى ليس هناك شيء من هذا القبيل، فالكذبة هيّ الكذبة، أيًا كانت!  ويجب أن تُقاس الأمور لا بحسب تفكير ومنطق الإنسان، بل بحسب مقاييس الله، ومتطلبات عدله وبره وقداسته. 

ومن نتائج الكذب فقدان المصداقية: لعل هذا أخطر النتائج الاجتماعية؛ فالكاذب لا يثق أحد بكلامه.، وحتى إن قال صدقًا، يشك الناس في صدقه. حتى إذا لجأ هذا الشخص إلى القَسَم ليثبت قوله، فيشك الناس في أقسامه أيضًا؛ كلامه فقد هيبته، والناس من الذكاء الذي به تكشف زيف الحقائق.  والكاذب حتى وإن قال كلامًا صادقًا في إحدى المرات لا يُصدَّق.  ولعلنا نذكر قصة الراعي الكذّاب الذي ظل يكذب على أهل القرية لنجدته من ذئب وهمي، وكان يخرجون لنجدته ولا يجدون الذئب.  وعندما هجم عليه الذئب الحقيقي، لم يخرج أهل القرية لنجدته، مع أنه كان صادقًا وقتها، لأنه فقدَ مصداقيته عندهم.

أخي ... أختي ... احذر الكذب!، واعلم أن كل شيء عريان ومكشوف أمام الله، واعلم أيضًا أن الكذب لا بد وأن يُكشف.  وإن كذبتَ، فستخسر شهادتك أمام الآخرين، وتُوبَّخ من الأشرار، وتُؤدَّب من الرب .لذلك الوصية لنا: «اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ» (أف4: 25). ولتكن صلاتنا مع  أَجُورَ ابْنِ مُتَّقِيَةِ مَسَّا: «أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ» (أم30: 8) وأيضًا «يَا رَبُّ، نَجِّ نَفْسِي مِنْ شِفَاهِ الْكَذِبِ، مِنْ لِسَانِ غِشٍّ» (مز120: 2)، واحفظ نفسك دائمًا فى جو الشركة مع الله، ومع الذين يدعونه من قلب نقي، وعش دائمًا فى نور حضرته، لتحتفظ بحساسية الضمير أمامه، فهذه أعظم الضمانات.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com