عدد رقم 3 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ  

هو ابن أَلِعَازَارَ وحفيد هَارُونَ الْكَاهِنِ (خر6: 25).  أظهر غيرة لمجد الرب في يوم فَغُورَ، فكافأه الرب بعهد السلام وعهد الكهنوت (عد25: 10-13؛ ملا2: 4، 5).  كان رئيسًا للكهنة بعد أَلِعَازَار أبيه.  معنى اسمه ”صوت النحاس“، ولاق به هذا الاسم نظرًا لتفرده في أمانته المُخْلصة لله، وبدينونته الصارمة للخطية، فضمنَ كهنوتًا دائمًا لنفسه ولعائلته.

حديثنا عن هذه الشخصية نوجزه في أمرين: غيرته، ثم مكافأته.

أولاً: غَيْرَةُ فِينْحَاس:

يرد فِينْحَاسُ في العديد من الفصول الكتابية، كلها تتحدّث عن غيرته المقدسة للرب وشعبه.

(1) غَيْرَتُهُ على شعب الرب (عدد25): فإذ أخفق بلعام العرّاف في التمكن من لعْن الشعب، أشار على الموآبيين والمديانيين كيف يستنزلون غضب الرب على شعبه (رؤ2: 14)، وقد نجح في حيلته هذه، فسقط الشعب في خطية الزنا وتعلقوا بِبَعْلِ فَغُورَ ، فأوقع الرب القضاء بالشعب.  في ذلك الوقت، لما جاء ”زِمْرِيَ بْنَ سَالُو، الذي من الشِّمْعُونِيِّينَ“، ومعه الْمَرْأَةِ الْمِدْيَانِيَّةِ ”كُزْبِيَ بِنْتَ صُورٍ“، لإغاظة الشعب وهم باكون لدى خيمة الاجتماع، قام فِينْحَاسُ بغيرة مقدسة الرب، وطعن الاثنين بالرمح، وبذلك امتنع الْوَبَأُ عن إسرائيل.  فصادق الرب على غيرته بالقول: «فِينْحَاسُ ... قَدْ رَدَّ سَخَطِي عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِكَوْنِهِ غَارَ غَيْرَتِي فِي وَسَطِهِمْ حَتَّى لَمْ أُفْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْرَتِي» (عد25: 11).  واستشهد المرنم في مزموره بهذه الحادثة: «تَعَلَّقُوا بِبَعْلِ فَغُورَ، وَأَكَلُوا ذَبَائِحَ الْمَوْتَى (الأوثان) ... فَاقْتَحَمَهُمُ الْوَبَأُ.  فَوَقَفَ فِينَحَاسُ وَدَانَ، فَامْتَنَعَ الْوَبَأُ.  فَحُسِبَ لَهُ ذلِكَ بِرًّا إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ، إِلَى الأَبَدِ» (مز106: 28-30).

  وهنا في أحلك الساعات، تمكّن للإيمان أن يلمع، فلقد أظهر فِينْحَاسُ غيرته للرب، وكُوفئ من الرب على الفور: «لِذلِكَ قُلْ: هأَنَذَا أُعْطِيهِ مِيثَاقِي مِيثَاقَ السَّلاَمِ، فَيَكُونُ لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِيثَاقَ كَهَنُوتٍ أَبَدِيٍّ، لأَجْلِ أَنَّهُ غَارَ ِللهِ وَكَفَّرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ» (عد25: 12، 13).  ومن هذا نتعلَّم كم هو مُسر في عيني الرب أن يرى شابًا أو شابة محاطيْن بوسط فاسد فاجر، ولكنه يعرف كيف يقف بشجاعة في صف الرب.

(2) غَيْرَتهُ على مذبح الرب (يش22): لما بنى السبطان والنصف شرق الأردن المذبح الخاص، بنية صالحة، أثار هذا الشكوك لدى الأسباط الغربية الذين تخوَّفوا من التمرد على مذبح شيلوه الذي كان محط عبادة الأسباط متحدين «فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى بَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ وَنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى إِلَى أَرْضِ جِلْعَادَ، فِينَحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنَ وَعَشْرَةَ رُؤَسَاءَ مَعَهُ ... فَجَاءُوا إِلَى بَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ وَنِصْفِ سِبْطِ مَنَسَّى إِلَى أَرْضِ جِلْعَادَ، وَكَلَّمُوهُمْ» (يش22: 13-15)، وبعدما أوضح السبطان والنصف صدق فعلهما وعدم تمردهم «سَمِعَ فِينْحَاسُ الْكَاهِنُ وَرُؤَسَاءُ الْجَمَاعَةِ ... الْكَلاَمَ ... فَحَسُنَ فِي أَعْيُنِهِمْ.  فَقَالَ فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ لِبَنِي رَأُوبَيْنَ وَبَنِي جَادَ وَبَنِي مَنَسَّى: الْيَوْمَ عَلِمْنَا أَنَّ الرَّبَّ بَيْنَنَا لأَنَّكُمْ لَمْ تَخُونُوا الرَّبَّ بِهذِهِ الْخِيَانَةِ ... ثُمَّ رَجَعَ فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ الكَاهِنِ وَالرُّؤَسَاءُ ... إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ خَبَرًا.  فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَارَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اللهَ» (ع30-33).  كان المذبح للمحرقة أو التقدمة أو الذبيحة، وهو يُمثل لنا عمل المسيح على الصليب.  ففي تدبير النعمة الحاضر، لا صلوات ولا تقدمات تحظى بالقبول عند الله إلا من خلال المسيح وعمله، لذا يقرّر كاتب العبرانيين: «لَنَا مَذْبَحٌ لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ» (عب13: 10).

لقد أظهر فِينْحَاسُ والذين معه، بل وكل إسرائيل الغَيْرة على مذبح الرب، فهل لنا نحن ذات الغيرة تجاه صليب المسيح؟

(3) غَيْرَتهُ على ميراث الرب (يش24: 33): «وَمَاتَ أَلِعَازَارُ بْنُ هَارُونَ فَدَفَنُوهُ فِي جِبْعَةِ فِينْحَاسَ ابْنِهِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ» (يش24: 33).  لقد أخذ فِينْحَاسُ جِبْعَةِ ميراثًا له في جبل أفرايم، ومن فرط تقديره لميراثه المعطَى له، قبل أن يُدفن أبوه في ميراثه!  ترى هل لنا غيرة مقدسة تجاه ميراثنا السماوي؟   هل نُقدّر البركات الروحية ونتمتع بها؟  هل نرغب في مشاركة الآخرين معنا؟

(4) غَيْرَتهُ على تابوت الرب (قض20: 27، 28):  في أحلك الأيام، وأشدها سوادًا في تاريخ إسرائيل، في أيام جِبْعَةَ، حيث النجاسة والشراسة، نقرأ «وَسَأَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الرَّبَّ، وَهُنَاكَ تَابُوتُ عَهْدِ اللهِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ،  وَفِينَحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ وَاقِفٌ أَمَامَهُ (أَمَامَ التَابُوتُ) فِي تِلْكَ الأَيَّامِ» (قض20: 27، 28).  لقد تمسّك فِينَحَاسُ بتابوت عهد الله ولم يبرح من أمامه، بالرغم من صعوبة تلك الأيام.

أحبائي: هل نتمسك بالرب وباسمه، كالفيلادلفي، الذي شهد عنه الرب: «قَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي» (رؤ3: 8)، لذا سيكافئه الرب بأن يجعله عمودًا في هيكل إلهه، ويكتب عليه اسم إلهه واسمه؟

(5) غَيْرَتهُ على مَحَلَّةِ الرَّبِّ: الأصحاح التاسع من سفر الأخبار الأيام الأول يتكلَّم عن اللاويين وخدمتهم، ويذكر أن الْقُورَحِيّين كانت خدمتهم تتمثل في حراسة أَبْوَابِ الْخَيْمَةِ ومَدْخَل مَحَلَّةِ الرَّبِّ، بعدها يذكر: «وَفِينَحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ كَانَ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ سَابِقًا، وَالرَّبُّ مَعَهُ» (1أخ9: 20).  لقد غار فِينْحَاسُ على مَحَلَّةِ الرَّبِّ وخيمته التي تمثل لنا في الوقت الحالي جماعة المؤمنين.  لقد غار أيضًا موسى في يومه على مَحَلَّةِ الرَّبِّ، عندما رآها وقد تدنست بعبادة الأوثان (خر32).  كم نحتاج في هذه الأيام العصيبة إلى مَن يسهر على حالة جماعة الرب، لئلا تفسدها التعاليم الغريبة، متذكرين تحريض الروح القدس: «اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ ... لِذلِكَ اسْهَرُوا» (أع20: 28-31). 

(6) غَيْرَتهُ على قداسة الرب (عد31: 6): عندما أرسل موسى اثني عشر ألفًا من إسرائيل للانتقام من المديانيين، نقرأ أن فِينَحَاس كان برفقتهم: «هُمْ وَفِينْحَاسَ بْنَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ ... وَأَمْتِعَةُ الْقُدْسِ وَأَبْوَاقُ الْهُتَافِ فِي يَدِهِ» (عدد31: 6).

لقد صادق فِينَحَاسُ على حتمية الوقوف في صف الرب وإظهار متطلبات قداسته في الانتقام من المديانيين، واصطحب في يده أبواق الهتاف (عد10: 1- 10)، التي تحدثنا عن كلمة الله.  فالغيرة الحقيقية تكون مصحوبة بالمعرفة.  لقد أظهر بولس في يوم لاحق غيرة مقدسة، إذ قاوم بطرس مواجهة لأنه كان ملومًا، إذ لم يسلك باستقامة حسب حق الإنجيل (غل2)، ولعلنا نتذكر غيرة المسيح على بيت الرب، لما رآه وقد حوّلوه إلى مغارة لصوص، مستندًا في ذلك على المكتوب (مت21: 13).

ثانيًا: مكافأة فِينْحَاس:

بسبب غَيْرَة فِينْحَاس لأجل قداسة الله، أعطاه الرب ميثاق كهنوت أبدي، بحيث يأتي من نسله جميع رؤساء الكهنة الشرعيين في المستقبل، ولسوف يمتد سريان هذا العهد أيضًا إلى مدة الملك الألفي (انظر : حز40: 46؛ 44: 10، 15؛ 48: 11).  بل إن غَيْرَته وما فعله كان جديرًا بالمكافأة، وكان هذا ينم عن إيمان بالله.  وكما كانت الحال مع إبراهيم (تك 15: 6)، كذلك كانت مع فينحاس، إذ «فَحُسِبَ لَهُ ذلِكَ بِرًّا إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ، إِلَى الأَبَدِ» (مز106: 30).

ليت الرب يُحسن إلينا ونحن نتأمل في هذه الشخصية، فتلتهب قلوبنا غَيْرَة للرب ولشعبه، في أيام ندرت فيها الغَيْرَة المُقدَّسة، ولننتظر المجازاة من الرب وحده.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com