الأصحاح
الخامس
ثالثًا:
تمتع الإنسان بنصيبه وحصّته وقِسْمَه
(ع18-20)
بعد أن حذر الجامعة
مستمعيه ضد محبة المال، والأوهام بما تستطيع الثروة أن تُحققه (ع8-17)، يؤكد في الفقرة الثالثة
والأخيرة من الأصحاح (ع18-20)، أهمية قبول وضعنا في الحياة، والتمتع بالبركات التي
يُعطينا إياها الله. ويُشجع فيها سليمان
الإنسان المجتهد الكادح على الأمر «الَّذِي هُوَ حَسَنٌ: أَنْ يَأْكُلَ
الإِنْسَانُ وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُ
فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ
إِيَّاهَا، لأَنَّهُ نَصِيبُهُ» (ع18). وهكذا نفهم أن هذا القسم من الأصحاح يتكلَّم عن موضوع
تمتع الإنسان بنصيبه وحصّته وقِسْمَه.
في الأصحاح الثاني كان سليمان قد سبق وأخبرنا أنه «لَيْسَ
لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُرِيَ نَفْسَهُ خَيْرًا فِي
تَعَبِهِ. رَأَيْتُ هذَا أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ يَدِ الله» (جا2: 24). وفي الأصحاح الثالث قال: «فَرَأَيْتُ أَنَّهُ
لاَ شَيْءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، لأَنَّ ذلِكَ
نَصِيبَهُ. لأَنَّهُ مَنْ يَأْتِي بِهِ لِيَرَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ؟» (جا3:
22). وهنا في جامعة 5: 18-20، يتناول نفس
الموضوع أيضًا، ويُخبرنا أن هناك حياة واحدة قصيرة لنحياها، وهكذا يجب أن نستمتع
بها!
ويؤكد سليمان ثلاث مرات في الآيات 18-20 أن ما يجب
الاستمتاع به، يأتي من الله، كعطية «مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ
اللهُ
إِيَّاهَا ... كُلُّ إِنْسَانٍ أَعْطَاهُ اللهُ غِنًى وَمَالاً
وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ ... يَفْرَحَ بِتَعَبِهِ، فَهذَا هُوَ عَطِيَّةُ
اللهِ».
وبالتالي فهو لا يقترح أن الإنسان يقتل
نفسه بالإفراط في العمل، وإرهاق جسده لدرجة الإعياء، ولكنه إذا كان لديه
الإمكانيات المادية الكافية، فيجب أن يكون قنوعًا مكتفيًا، ويستمتع بحياته ”تَحْتَ
الشَّمْسِ“. ولقد ذكَّر الرب يسوع
مستمعيه: «اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي
لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ» (يو6: 27).
والكلمات التي يستخدمها سليمان هنا تُوحي بأفكار عن
السعادة والاستمتاع:
«هُوَذَا الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَا خَيْرًا، الَّذِي هُوَ
حَسَنٌ ... وَيَرَى خَيْرًا
مِنْ
كُلِّ تَعَبِهِ » (ع18).
«يَأْخُذَ نَصِيبَهُ، وَيَفْرَحَ
بِتَعَبِهِ»
(ع19).
«اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ قَلْبِهِ» (ع20).
وهكذا يُقرّر سليمان: «هُوَذَا الَّذِي
رَأَيْتُهُ أَنَا خَيْرًا، الَّذِي هُوَ حَسَنٌ: أَنْ يَأْكُلَ الإِنْسَانُ
وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُ فِيهِ تَحْتَ
الشَّمْسِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا،
لأَنَّهُ نَصِيبُهُ» (ع18). من الواضح
أنه يعني أن نكون معتدلين في الحياة، ونحيا بحكمة وتعقّل. ولا يوجد أي تلميح لاقتراح حياة البذخ والخلاعة
والتسيب والإفراض في المُتع والملذات.
ولقد علَّمنا الرب يسوع: «فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ
قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذلِكَ
الْيَوْمُ بَغْتَةً» (لو21: 34).
ويُقال مرتين في هذه الآيات إن تمتع الإنسان بثمرة
عمله هو ”نَصِيبُهُ“: «لأَنَّهُ نَصِيبُهُ ... وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ» (ع18،
19)، والمقصود ما قد خصَّصه الله له. ويعتبر
البعض أن ”مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ هي نَصِيبُهُ“، وهي أيضًا عَطِيَّة الله له
(ع18). ومع ذلك، فإن العبارة: «كُلُّ إِنْسَانٍ
أَعْطَاهُ اللهُ غِنًى وَمَالاً وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ،
وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ، وَيَفْرَحَ بِتَعَبِهِ، فَهذَا هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ»
(ع19)، تبدو وكأن سليمان يعتبر البركات المادية - وليس فقط أيام الحياة - عَطِيَّةُ
اللهِ. وهذا يتفق مع جامعة 2: 24؛ 3:
23.
«لَيْسَ لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ
وَيَشْرَبَ وَيُرِيَ نَفْسَهُ خَيْرًا فِي تَعَبِهِ. رَأَيْتُ هذَا أَيْضًا
أَنَّهُ مِنْ يَدِ اللهِ» (جا2: 24).
«فَرَأَيْتُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ
يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، لأَنَّ ذلِكَ نَصِيبَهُ. لأَنَّهُ مَنْ
يَأْتِي بِهِ لِيَرَى مَا سَيَكُونُ بَعْدَهُ؟» (جا3: 22).
وهكذا، من أجل التمتع بالثروة، يجب على الإنسان أن
يكون سَيِّدًا ومسيطرًا عليها، وليس عبدًا لها.
ولكن سليمان يُضيف رأيًا هامًا آخر، وهو أن القدرة على التمتع ببركات
الحياة هي أيضًا عطية من الله، وسوف يستفيض في الحديث عن هذا الرأي في الأصحاح
التالي (جا6: 1، 2)، ويُشير إلى تعاسة الذين يملكون الثروة لكنهم غير قادرين على
التمتع بها.
«لاَ يَذْكُرُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ كَثِيرًا،
لأَنَّ اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ قَلْبِهِ» (ع20)؛ إن الشخص الذي
يفرح ببركات الله اليومية، لن يندم أبدًا، ولن يحتاج إلى تذكر ماضيه بأسف، لأن
الله يُعطيه فرحًا مُتجددًا؛ إنه لن يسترجع ويجتر على الأيام الصعبة والمليئة
بالأحزان والمشقات، التي قضاها في جمع ثروته، بل سيحيا حياة مريحة ومُبهجة، لأنه قانع
وراض بما أعطاه الله له. ثم يذكر السبب: «لأَنَّ
اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ قَلْبِهِ» (ع20)، أو ”لأَنَّ اللهَ يُجِيبَهُ لِفَرَحِ
قَلْبِهِ (because
God answereth him with the joy of his heart)“ (ع20 - ترجمة داربي). وكون الله يستجيب لفرح قلبه، فهذا يتضمن أنه
يُصلي إلى الله، ويتلقى إجابة لصلواته. ربما
كان يسأل الله بشأن ثروته، والقرارات المختلفة التي كان عليه اتخاذها في عمله. وهو يعترف بأن ما لديه هو نتيجة إحسان الله،
ولذلك يجد فرحه الحقيقي في ثروته، وهذا ينعكس في فرح قلبه.
وهكذا فمن هذه الأعداد (ع18-20)، يخرج الجامعة بهذه
النتيجة: قد رأيت خيرًا أستطيع أن أُسميه بحق ”خَيْرًا حَسَنًا“، أن يكون للإنسان
الوسائل للتمتع، ثم السلطان، أو القوة للاستمتاع بتلك الوسائل. وهذان الأمران هما في الواقع ”عَطِيَّةُ الله“. إنسان كهذا، لديه وسائل المتعة والقدرة على
التلذذ بها، أمامه تهرب كل المساوئ والشرور التي تُمرمر الحياة، فإن الروح المرحة
المُبتهجة تجعله لا يُفكر في الشر الحاضر «لأَنَّ اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ
قَلْبِهِ» (ع20)؛ أي يشغل قلبه بالفرح، وهذا ما يُعينه على مواجهة أمواج الحياة
ونسيانها.
وفي هذه الأعداد (ع18-20)، يعترف سليمان أيضًا أن
الإنسان إذا أراد أن يفوز بالفرح، فلا بد أن يكون له الله. وفي هذه الأعداد التي أمامنا، يخلط سليمان
ويمزج الفكرتين معًا: فكرة الفرح، والفكر عن الله. وهكذا نلاحظ أن اسم ”الله“ يُذكَر أربع مرات،
والفرح ثلاث. وهكذا تسير مناقشة الجامعة:
(1)
لقد امتحنت واختبرت بُطل
وفراغ كل المخلوقات، ولا خير لك أفضل من أن تحصل على أكبر قدر من المتعة فيها «هُوَذَا
الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَا خَيْرًا، الَّذِي هُوَ حَسَنٌ: أَنْ يَأْكُلَ
الإِنْسَانُ وَيَشْرَبَ وَيَرَى خَيْرًا مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُ
فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللهُ
إِيَّاهَا، لأَنَّهُ نَصِيبُهُ» (ع18).
(2)
أما والأمر هكذا، فواضح أن
القدرة على التمتع بها لا يُمكن أن تكمن في ذاتها، بل لا بد أن تأتي من عند الله،
وهو وحده الذي يمنحها «أَيْضًا كُلُّ إِنْسَانٍ أَعْطَاهُ اللهُ غِنًى وَمَالاً
وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ، وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ، وَيَفْرَحَ
بِتَعَبِهِ، فَهذَا هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ» (ع19).
(3)
وهذا يفترض قدرًا أو نوعًا
من التوافق بين الله وقلب الإنسان، لأن الله هو المصدر، لا الظروف الخارجية «لأَنَّهُ
لاَ يَذْكُرُ أَيَّامَ حَيَاتِهِ كَثِيرًا، لأَنَّ اللهَ مُلْهِيهِ بِفَرَحِ
قَلْبِهِ» (ع20).
هذا
أقصى ما صل إليه مدى العقل البشري: استمتع بيومك ... استمتع بخيرك ... استمتع
بحياتك! ولكن في الحقيقة ليس هذا هو
المقياس الأسمى للحياة، الذي يُعطي لها القيمة الحقيقية: قال الرسول: «لأَنَّ لِيَ
الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» (في1: 21).
وللحديث
بقية ... إن شاء الرب وعشنا.