عدد رقم 3 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
شخصيات مجهولة الاسم (1)  

امْرَأَة لُوط

«اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!»

(لو17: 32)

إن حادث الدمار المروع الذي أصاب منطقة سدوم وعمورة وما حولهما قد وقع نحو عام 2000 قبل الميلاد، وما زلنا حتى اليوم نجد السياح يفدون من كل بقاع العالم ليشاهدوا هذه المنطقة، التي كانت يومًا ما من أجمل بقاع الدنيا على الإطلاق «كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ» (تك13: 10).  واليوم أصبح مكانها بحر الملح؛ أي البحر الميت، وهو أوطى مكان على سطح الكرة الأرضية، وينخفض عن سطح البحر بنحو 400 متر.

ويقول الذين زاروا هذه المنطقة أنه لا أثر إطلاقًا للحياة هناك؛ فطبيعة التربة كبريتية.  وفي المنطقة الجنوبية للبحر الميت تنتشر الكتل والأعمدة الملحية.  وعلى تل مرتفع يشرف على الموقع القديم لسدوم وعمورة، يظهر عمود قريب الشبه جدًا لملامح تمثال سيدة، يقول المرشدون السياحيون عنه أنه هو امرأة لوط، التي ورد في الكتاب المقدس أنها نظرت إلى الوراء - خلافًا للأمر الإلهي - فصارت عمود ملح!

وتبدأ القصة من سفر التكوين أصحاح 13 عندما حدث الانفصال بين إبراهيم خليل الله وبين ولوط «فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ ... فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ، وَارْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقًا ... أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ» (تك13: 10-12).  كان اختيار لوط لنفسه هو بداية الانحراف.  وقد يسأل سائل: ما هو الضرر أو الخطر في الأرض السقي لدائرة الأردن؟  أليست هي من عطايا العناية الإلهية؟  والإجابة على ذلك أن الشيطان قد زرع في وسطها سدوم «وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا» (تك13: 13).  إن خطوة تبدأ دون استشارة الرب يعقبها غالبًا أمورًا تُجلب الندم، وتورث الحسرة.

وفي أكثر من مكان يشهد العهد الجديد عن شرور سدوم وعمورة (2بط2: 6-10؛ يه7؛ رؤ11: 7؛ ... إلخ).  وكانت خطية الشذوذ الجنسي قد وصلت فيها حدًا مخيفًا، حتى أن سكانها أرادوا أن يعملوا الشر بالملاكين الذين أرسلهما الرب لإنقاذ لوط «أَحَاطَ بِالْبَيْتِ رِجَالُ الْمَدِينَةِ، رِجَالُ سَدُومَ، مِنَ الْحَدَثِ إِلَى الشَّيْخِ، كُلُّ الشَّعْبِ مِنْ أَقْصَاهَا.  فَنَادُوا لُوطًا وَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ دَخَلاَ إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟  أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا» (رؤ19: 4، 5).  وكم يحزننا أن هذه الخطية البشعة قد عادت تطل برأسها القبيح في كل العالم، في كل من الدول المتقدمة وفي الدول المتخلفة على السواء.  لا يختلف الأمر سوى في صورة ممارستها بطريقة علنية أو سرية.  والعجيب أنه  حيث تكون المدنية والحرية تكون إباحتها رسميًا!  أليس هذا ما سبق الرب ونبه إليه قائلاً: «كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ ... هكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ» (لو17 : 28-30).

سبق أن قدم الرب إنذارًا لهذه المدينة الشريرة (تكوين 14)، وإذ لم تستفد من الإنذار فقد جاء أوان عقابها.  وها الرب يرسل إنذاره الأخير إليها عن طريق ملاكين.  فكيف استقبلت هذه المدينة إنذار الله؟!  آه إن اليد تقف عاجزة أمام شرور ونجاسات هذه المدينة، فهل نستكثر إذًا عقاب الله الذي حل عليها «يَجْعَلُ ... الأَرْضَ الْمُثْمِرَةَ سَبِخَةً مِنْ شَرِّ السَّاكِنِينَ فِيهَا» (مز107 : 33-34).  إذًا، فلقد تقررت  الدينونة. 

أما امرأة لوط فإنها بلا شك كانت تعرف الكثير عن شر سدوم الفظيع.  وها أمام عينيها ترى أنهم أرادوا شرًا بالملاكين، وأشر برجلها؛ فلولا المعجزة التي عملها الملاكان، إذ ضربا أهل المدينة بالعمى من الصغير إلى الكبير، فإننا لا نستبعد أن هؤلاء القوم الذين اشتعلوا بشهوتهم كانوا سيقتلون لوط نفسه!

أمام هذه التطورات، لم يكن أمام الملاكين إلا أن يأمرا لوط بسرعة دعوة كل من له في سدوم، ومغادرة المكان معهم قبل انصباب الدينونة عليه.  ونتوقع أن امرأة لوط - في بادئ الأمر - لم تعرف قدر الرجلين الذين تحت سقفها.  أما بعد أن شاهدت بعينيها وفي بيتها أول معجزة يذكرها الكتاب المقدس، فقد عرفت بلا شك أنها أمام ضيوف سماويين، وأن كلام الله في فمهما حق.

أما لوط فقد حاول أثناء الليل أن يقنع أصهاره الآخذين بناته بالخروج  من المكان، لكنهم ظنوه يمزح معهم.  ويا للأسف عليه وعليهم!!

«وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْمَلاَكَانِ يُعَجِّلاَنِ لُوطًا قَائِلَيْنِ: قُمْ خُذِ امْرَأَتَكَ وَابْنَتَيْكَ الْمَوْجُودَتَيْنِ لِئَلَّا تَهْلِكَ بِإِثْمِ الْمَدِينَةِ» (تك19: 15).  أيمكن أن يحدث هذا؟  أتترك امرأة لوط كل شيء وتخرج تاركة كل ما بنته طيلة حياتها للنار؟  ألا يمكن تدبير الأمر بصورة أفضل؟

على أن المجال ما كان يسمح بالتردد، والوقت كان أثمن من إضاعته، فليست الحياة لعبة.  ولذا فقد أمسك الملاكان بهم وأخرجاهم خارجًا.  كل ملاك أمسك بشخصين.  أمسك الملاك الأول بيد لوط وامرأته، وأمسك الملاك الثاني بيد ابنتي لوط.  ثم جاء هذا الأمر الإلهي: «اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ.  لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلَّا تَهْلِكَ» (تك19: 17).

ثم استمع إلى ما يسجله الوحي بعد ذلك من كلمات خطيرة للغاية بعد ذلك «وَإِذْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ ... أَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا ... مِنَ السَّمَاءِ.  وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ وَكُلَّ الدَّائِرَةِ وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ وَنَبَاتَ الأَرْضِ.  وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ!» (تك19: 23-26).

ولكن لماذا نظرت هذه المرأة التعسة إلى الوراء؟

قد يكون السبب أنها لم تصدق كلام الله «مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا» (1يو5: 10).  وما أخطر هذا «اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ» (عب3: 12).  وبعدم إيمانها ارتبط أيضًا عدم طاعتها، فالإيمان والطاعة مرتبطان معًا دائمًا؛ فقيل عن إبراهيم «بِالإِيمَانِ ... أَطَاعَ» (عب11: 8).  أما عن الشعب في البرية فقد جاء القول «وَلِمَنْ أَقْسَمَ: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟  فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ» (عب3: 18، 19).

لكن السبب الثالث ولعله الأهم هو أن قلبها كان في سدوم؛ لقد خرجت رجلاها من سدوم، لكن قلبها كان هناك «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (مت6: 21).  ربما دون رغبة في التحدي فإن قلبها أخذ نظرها إلى الوراء، إلى سدوم.  أه، كم هو خطير أن يتعلق القلب بما هو محكوم عليه بالقضاء.

*******

لم يشأ الروح القدس أن يكشف لنا عن اسم هذه المرأة، ونحن بدورنا لا يعنينا من أمر اسمها شيئًا «ذِكْرُ الصِّدِّيقِ لِلْبَرَكَةِ، وَاسْمُ الأَشْرَارِ يَنْخَرُ» (أم10: 7).  وكيف لا ينخر اسمها، بعد أن تحولت إلى عمود ملح، هو ملح بلا ملوحة، لا يصلح لأرض ولا لمزبلة، بل يُطرح خارجًا ويُداس!  وهذا هو جزاء من احتقر نعمة الله.

ألم تحتقر هذه المرأة نعمة الله؟  إن هذه المرأة كانت أول من رأى معجزة إلهية من كل البشر، وكانت تلك المعجزة سببًا في إنقاذ زوجها من الموت.  لكنها مع هذا لم تنتبه إلى أفعال الرب، ولا إلى أعمال يديه (مز28: 5).  ومع أن الرب في رحمته أخرجها خارج سدوم، إلى مكان بعيد وفي منأى عن القضاء الإلهي، لكنها مع هذا لم تستفد «يُرْحَمُ الْمُنَافِقُ وَلاَ يَتَعَلَّمُ الْعَدْلَ.  فِي أَرْضِ الاسْتِقَامَةِ يَصْنَعُ شَرًّا وَلاَ يَرَى جَلاَلَ الرَّبِّ» (إش26: 10).

في العهد الجديد ترد كلمات الرب يسوع «اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!» (لو17: 32)؛ إنها المرأة الوحيدة التي طلب الرب منا أن نذكرها.  ومن الملفت للنظر أن عبارة الرب هذه لم ترد سوى في إنجيل لوقا، الإنجيل الذي يحدثنا كثيرًا عن نعمة الله.  والرب يريدنا أن نتعظ من تلك المرأة التي خابت من نعمة الله!

«اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!»؛ لقد اقترنت بالرجل البار لوط، وعاشت معه سنين كثيرة، لكنهما لم يصلا إلى نهاية واحدة، بل ما أبعد المسافة بين مصير كل منهما ... بينهما هوة عظيمة قد أُثبتت.  صحيح لوط خسر كل شيء، ولكنه خلص كما بنار (1كو3: 15)، أما امرأته فقد خسرت نفسها!

لوط بدأ انحرافه وفقد شهادته، عندما رفع عينيه ونظر، وإذا دائرة الأردن كلها سقي، أما امرأته فقد أنهت حياتها، وأضاعت نفسها إلى الأبد، عندما نظرت من ورائها فصارت عمود ملح.

ماذا أخذت معك يا لوط من كل دائرة الأردن عندما جاء موعد عقابها؟  أما امرأتك التعسة فماذا جنت من وراء قلبها وعينيها التي فسقت ورائها؟!

يا للعبر التي لنا من كليهما!  إن لوط كان قريبًا جدًا من الهلاك لكنه خلص.  أما امرأته فكانت قريبة جدًا من الخلاص ومع ذلك هلكت.

إنها نفس قصة اللصين اللذين صُلبا مع الرب يسوع.  ترى ما هي قصتك أنت؟  يا صديقي العزيز لا يكفي أن تكون قريبًا جدًا من الخلاص.  السؤال المهم والخطير هو: هل خلصت؟

إن كلمات الرب يسوع ستظل تلمع بنور ونار «اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ!».  لم تهلك تلك البائسة لأنها اشتركت في خطايا سدوم، بل أن سر هلاكها هو أنها لم تصدق كلام الله، ولأنها احتقرت نعمته ويده الممدودة لتخليصها.  لقد قبلت نعمة الله باطلاً (2كو6: 1).  فماذا أنت فاعل أيها الصديق أمام نداء الرب وصوت محبته؟  أمام يده الممدودة نحوك بالعفو المجاني والخلاص الأبدي؟

«لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟  قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا» (عب2: 2، 3).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com