عدد رقم 3 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
فَأَحَبَّ الشَّعْبَ  

 «فَأَحَبَّ الشَّعْبَ.  جَمِيعُ قِدِّيسِيهِ فِي يَدِكَ، وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ»

(تث33: 3)

في كلمات موسى هذه، التي تأتي ضمن خطابه الأخير إلى الأمة التي أحبها بغيرة وإخلاص شديدين، والتي من أجلها ضحى كثيرًا، ربما احتقر عرش مصر، يوجد جمال أخَّاذ وتعليم مفيد.  لقد تكلَّم بكلمات البركة هذه بعين نيّرة وذهن نيّر، وهو على وشك أن يُدعى إلى حضرة الرب، هذا الامتياز الذي قد تمتع به طويلاً، ولكن كان على وشك أن يتمتع به بطريقة كاملة.  وفي هذه الكلممات نجد:

أولاً: محبة ودفء «فَأَحَبَّ الشَّعْبَ»: إن علماء اللغة العبرية يقولون إن فعل «أَحَبَّ» في هذا النص يُستخدَّم في هذا العدد فقط في الكتاب المقدَّس.  إنه يعني ”يحمل في الحضن“.  نحن نُحبّ بطرق متعددة، لكن أولئك الذين “نحملهم في الحضن” نُحبُّهم محبة خاصة، مثل العناية الخاصة التي نُظهرها لطفل صغير.  هذا يوضّح كيف يتكئ القديسون في حضن الرب.

والرب يسوع يستخدم تعبيرًا مماثلاً عند وصفه لعلاقته الخاصة مع الآب.  إنه يتحدث عن نفسه قائلاً: «اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يو1: 18).  كان ذلك هو مسكنه منذ الأزل.  إن قلب الآب ينبض نحو ابنه الحبيب بمحبة أزلية، وكان محمولاً هناك في حضن تلك المحبة التي لا يُنطق بها، والتي تفوق الوصف. 

وهذا هو مكان القديسين أيضًا.  لقد أراد أن تكون المحبة التي استدفأ بها منذ الأزل هي النصيب الذي يتمتع به قديسوه «لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ» (يو17: 26).  لقد عرف يوحنا السلام المرتبط بمثل هذا المأوى في حضن الرب.  وهو يصف هذا المكان في يوحنا 13 وإن كان يستعمل كلمتين مختلفتين.  ففي ع23 يقول عن نفسه أنه «كَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ»، بينما في ع25 نراه « مُتَّكِئًا عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ».

ربما يوحي الحضن بفكرة الدفء والمحبة، بينما الصدر يوحي بالحماية والحفظ.  وقد حملت الملائكة لعازر بعد موته إلى حضن إبراهيم؟

ثانيًا: حماية وحفظ «جَمِيعُ قِدِّيسِيهِ فِي يَدِكَ»: إذا كان القلب يتحدث إلينا عن المحبة، فإن اليد ترمز إلى القوة والحفظ.  وهذا أيضًا ما يزود به الرب قديسيه.  ففي يوحنا 10 يُشير الرب إلى نفسه “كالرَّاعِي الصَّالِحُ”، ويستخدم كلمة “يَد” ليوضح عنايته الحافظة بخرافه.  إنهم آمنون في يده ولا يستطيع أحد أن يخطفهم من هذه اليد.  وهم أيضًا – كما يسترسل الرب في حديثه – في يد الآب ولا يستطيع أحد أن يخطفهم من يد الآب.  ثم يؤكد هذا ويعززه بحقيقة أن الاب والابن واحد (يو10: 29، 30).

وإنها فكرة ثمينة ومُعزية أنه في أزمنة الخطر والتمزّق، تبدو يد الله ظاهرة ومؤكدة.  مثال ذلك حينما واجه عزرا ونحميا خطرًا وضيقًا عظيمين في سعيهما لإعادة عبادة الرب وخدمته في جيلهما، كان لهذين الرجلين انطباع مميز من جهة يد الرب التي معهما.  لقد شعر عزرا بقوة يد الرب حتى أنه رفض عرضًا بحرس عسكري أثناء رحلة تستغرق بضعة شهور من بابل إلى الأرض، رغم أنه كان عليه أن يحمل كنزًا عظيمًا وسط بلاد معادية، مع احتمال تعرّضه لقطاع الطرق.  ونحن أيضًا نعيش في أزمنة تمزق وكرب عظيمين، لكن أي تحرك نعمله نحو العلاج يجب أن يككون مُدعمًا بيد الرب القوية.

وعلينا ألاَّ ننسى أن العدد الذي نتأمل فيه يقول: «جَمِيعُ قِدِّيسِيهِ».  وبينما لا يُستثنى أي مسيحي حقيقي من هذا الوعد، إلا أن القديسين هم أفراد منفصلون عن العالم، لذلك، سوف لا نتمتع تمامًا بفائدة يد الرب الحافظة إذا كنا متحالفين مع أعداء الرب أو سائرين في طرق تُعرّضنا للظنون والشكوك.

ثالثًا: تعليم ونصح «وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ»: إن المكان الوحيد الذي فيه نستطيع أن نتعلَّم من الرب هو «عِنْدَ قَدَمِه».  هناك جلست مريم التي من بيت عنيا تُصغي إلى كلامه، وتتمتع بالنصيب الصالح الذي اختارته والذي لن يُنزَع منها.  وكلمة “نَّصِيب” تعني “حصة” أو “قسمًا من شيء ما”.  وهي نفس الكلمة المُستخدمة في كولوسي 1: 12 لوصف الشركة التي وُهبت لنا في ميراث «الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ».

إن الجلوس عند قدم مُعلّم في الكتاب المقدس يُعبّر عن حالة شخص يرغب في أن يتعلَّم.  مثالاً لذلك نجد أن بولس تربى عند قدمي غمالائيل مُعلِّم الناموس.  إن هذه الكلمات توحي بالتواضع والرغبة في التعلّم.  لكن لا نستطيع أن نفكر في هذه الكلمات بدون التأمل في سلوك المُعلّم الذي نجلس عند قدمه.  تأمل في مريم وهي جالسة عند القدمين المباركتين للشخص الذي عرفت سلوكه وطريقه.  إنها وهي تصغي إلى مشورات الحكمة من شفتيه، عرفت أنها كانت متوافقة تمامًا مع طريقه.  لقد عرفت «مِمَّنْ تَعَلَّمَتْ» (2تي3: 14).

إن قدمي الرب قد قادتاه إلى الأبرص المطرود، وإلى سرير المفلوج، وإلى بيت النائح، وإلى مستعطي الطريق، وإلى منبوذي المجتمع.  وقد واجه حاجة كل شخص، واجه حزن وضيق كل حالة.  وعلى النقيض من التعليم غير المؤثر للقديسين المتكبرين، فإن الرب علَّم بسلطان.  لقد وجد الشعب أن تعليم القديسين يصعب موائمته مع ظروف الحياة، لكن تعاليم الرب لم تكن أبدًا غير مرتبطة بالحقيقة.

ونحن أيضًا نحتاج أن نجلس عند قدمي الرب.  والجلوس لا يعني أن نندفع بعجلة لدقائق قليلة، ثم نندفع خارجًا بنفس السرعة إلى دوامة الحياة المفعمة بالمشغوليات.  نحن نحتاج أن نصرف وقتًا في رفقة الرب فنُصغي باهتمام إلى ما يريد أن يخبرنا به.  ليتنا نتعلَّم بعض ما يعنيه هذا الأمر.

رابعًا: الرد أو الاستجابة «يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ»: يجب أن يكون هناك استجابة لمثل هذه المحبة، ولمثل هذه العناية، ولمثل هذا التعليم.  ولا شك أنه من المستحيل التمتع بمثل هذه الامتيازات والفوائد بدون التجاوب معها.  ورغم شعورنا جميعًا بضعفنا الشديد في استجابتنا لنعمة الرب (وحتى أعظم المؤمنين أمانة قد عرفوا هذا)، لكن يجب أن نلتزم بالاستجابة لمثل هذه المحبة العجيبة.

إن الفعل المُترجَّم «يَتَقَبَّلُونَ» له عدة تطبيقات نستطيع أن نتأمل في اثنين منها: (1) أن يُقْبَل شيء ما (2) أن يُحمَل شيء ما.  وبما أن الرب قد عرّفنا بالكلام الذي أعطاه الآب ليُعطيه لنا، فنحن نقبل بسرور مثل هذه الرسائل المُبهجة والمُفرحة.  لكن يبدو أن الفكرة تذهب إلى أبعد من ذلك.  فيجب علينا أن نحمل تلك الكلمات معنا إلى بيوتنا، وإلى حياتنا الشخصية، وإلى أقربائنا وإلى أماكن عملنا.

لكن هناك معنى آخر لكلمة «يَتَقَبَّل» هو أن “يتمسك” أو “يُذيع” أو “يُعلّن”.  لقد وعظ الرسول بولس أصدقاءه وأحباءه في فيلبي أن يعيشوا عيشة خاصة.  لقد ذكّرهم أنه “فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ يجب أن يُضِيئُوا بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ.  مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ” (في2: 14-16).

ليتنا كمؤمنين نتجاوب مع التعاليم المرتبطة بهذه الآية الجميلة (تث33: 3)، بأن نطبقها في حياتنا الشخصية.

كاتب غير معروف

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com