«وَفِي أَوَّلِ
أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ
الْفِصْحَ؟ فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى
الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي
قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ
مَعَ تَلاَمِيذِي. فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ
كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ» (مت26: 17-19).
«وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا
يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ
وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟ فَأَرْسَلَ
اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ،
فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ.
وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ
يَقُولُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً
مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً. هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا.
فَخَرَجَ تِلْمِيذَاهُ وَأَتَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَجَدَا كَمَا
قَالَ لَهُمَا. فَأَعَدَّا الْفِصْحَ» (مر 12:14-16).
في
قصة الصليب نقرأ عن أناس مجهولون كان لهم دور كبير دون أن يدروا. ففي متى 26 نقرأ عن إنسان، لا نعلم اسمه، يسجل
الروح القدس على فم متى كاتب الإنجيل «اذْهَبُوا إِلَى
الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ»، وكان المطلوب منه أن يقدم مكان يصنع فيه الرب الفصح، فبكل سخاء ودون
مناقشة قدم، ويصف الإنجيل هذا الرجل بصفتين هامتين لهما معنى: «إِنْسَانٌ ..
حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ»، هو إنسان، لكن حامل جرة ماء؛ والماء في الكتاب المقدس يُعبِّر عن كلمة
الله؛ أي أن هذا الرجل أو فُلاَن له علاقة بالمكتوب، لكن الأعجب أنه حامل جرة ماء،
والمعتاد دائمًا في هذه البلاد وحسب ما نقرأ في كلمة الله أن النساء هن اللاتي
يقمن باستقاء الماء للبيت وللحيوان؛ مثل رفقة عندما لاقاها العبد على البئر ومثل
السامرية لاقاها الرب على البئر أيضًا .. لكن ولغرابة المنظر كان هذا ”الفُلان أو
الرجل“ بهذه العلامة التي لا تخطئ واضح رؤيته بين آلاف المعيِّدين في أورشليم،
فالوقت وقت عيد الفصح حيث أورشليم تكتظ وقتها بالمعيدين.
وهذه
العلية التي قدمها هذا الشخص المجهول حدثت بها ثلاث حوادث هامة دون أن يدري
صاحبها:
(1)
عمل الرب يسوع فيها الفصح؛ وهذه المرة السابعة والأخيرة التي يُعمل فيها الفصح -
حيث أن أول مرة عُمل في سفر الخروج أصحاح 12 ليلة الخلاص من مصر - وكانت العلية كبيرة مفروشة مُعدَّة، لم يبخل
صاحبها على الرب بها. وكانت متسعة لهذا
العدد من التلاميذ، وتأسس فيها هذا العمل وهذه الذكرى التي ستتكرر فيما بعد ”أول
كل أسبوع“؛ كما يخبرنا سفر الأعمال، وما زلنا نحن المؤمنين بالرب حتى تلك اللحظة
نمارس عشاء الرب (أو مائدة الرب أو كسر الخبز أو الأفخارستيا أي الشكر) حتى الآن
وحتى مجيء الرب يسوع لاختطاف الكنيسة.
(2)
أما الحدث الثاني الذي شهدته هذه العلية فنجده في إنجيل يوحنا أصحاح 20 يوم قيامة
الرب له كل المجد من الأموات ودخوله نفس العلية التي التلاميذ مجتمعين فيها لكن
بمنظر آخر يصفه البشير يوحنا:
«وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ،
وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ
التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ
وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ
وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: سَلاَمٌ
لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ
أُرْسِلُكُمْ أَنَا. وَلَمَّا قَالَ هذَا
نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ،
وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ» (يو20: 19-23).
نفس الْعِلِّيَّة، لكن كان
الخوف يتملك التلاميذ الأحد عشر، جاءهم الرب يسوع مطمئنًا لهم أنه قام مؤكدًا لهم
الأخبار التي ظلوا طوال اليوم يسمعوها وهم غير مصدقين (لأن هذا الظهور الخامس تم
في اليوم الأول لقيامة الرب يسوع)، وأدخل الفرح لقلوبهم وملأ نفوسهم بالسلام،
مظهرًا لهم ثمن هذا السلام «أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ»، برهان المحبة
والسلام، لكن أيضا «نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ»؛ أي
تهيئوا لقبول هذه العطية المجيدة. يا له
من حدث رائع تشهده هذه الْعِلِّيَّةِ.
(3) الحدث الثالث كان كما
نقرأه في سفر الأعمال الأصحاح الأول:
«حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ
الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ
أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ. وَلَمَّا
دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا:
بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا
وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ
وَيَهُوذَا أَخُو يَعْقُوبَ. هؤُلاَءِ
كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ
وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ» (أع1:
12-14).
، لكن صلوا في صلاة
متواصلة لمدة عشرة أيام، وكان العدد قد زاد حتى أنه وصل إلى 120:
«وَفِي تِلْكَ
الأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسْطِ التَّلاَمِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ
مَعًا نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ» (أع1: 15).
مما يؤكد أنها كانت ”عِلِّيَّةً
كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً“ قدَّمها هذا الرَّجُل - أو فلان - عن طيب خاطر،
وكأنه كان يعرف أن الْعِلِّيَّة لا بد أن تكون متسعة ومجهزة لتحوي هذا العدد وهذه
الأحداث.
أمام كرسي المسيح هذا
الشخص المجهول ينضم إلى مريم التي أيضًا قدمت الطيب الخالص الكثير الثمن وينضم إلى
صاحب الجحش والأتان التي حملت الرب يسوع عند دخوله أورشليم والذي كان يكفيه أن
يسمع كلمة: «الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا»
(مر11: 3).
أخي المؤمن: قدِّم للرب أي
شيء تجد الرب محتاج له، أو أي شيء، سواء كان غال ثمين، أو حتى فلسين خدمة للرب
(أموال - سيارة - لاب توب ... إلخ) عن طيب خاطر، وكونك مجهول أمام الإخوة، فأنت
معلوم، وعملك أمام الرب، والمكافأة أمام كرسي المسيح مؤكدة.
لا تبخل على الرب كما بخل
سمعان الفريسي بقليل من الماء وقليل من الزيت أو قبلات الترحيب بالضيف، فلم ينتفع
بهم شيئًا، لكن المرأة الخاطئة فقد قدمت ما لم يقدمه سمعان الفريسي؛ كما نفهم من
عتاب الرب: « وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ
وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً
لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ
رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ
رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ» (لو7: 36-49).
صفوت
نظير