كيف كُتِبَ الكتابُ
المقدس؟
أولاً: الإشارات الكتابية لكتابة الوحي:
أول إشارة للكتابة كانت في خروج ١٧: ١٤ «فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اكْتُبْ
هذَا تَذْكَارًا فِي الْكِتَابِ، وَضَعْهُ فِي مَسَامِعِ يَشُوعَ». وفي خروج ٤٠: ٢٠ يشير إلى لوحي الحجر الذين
كُتبت عليهما الوصايا العشر، فنقرأ: «وَأَخَذَ الشَّهَادَةَ وَجَعَلَهَا فِي التَّابُوتِ».
وفي خروج ٢٤: ٤، ٧ نجد إشارة إلى كتاب
العهد، حيث يُذكر: «فَكَتَبَ مُوسَى جَمِيعَ أَقْوَالِ الرَّبِّ ... وَأَخَذَ كِتَابَ
الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ» - وهي الأقوال التي ذكرها سابقًا في
خروج ٢٠: ٢٢ إلى ٢٣: ٣3.
ثانيًا: كيفية الكتابة:
كان الكاتب يكتب ما يقوده إليه الروح القدس
بنفسه، كما فعل موسى وغيره من أواني الوحي. أو يمليه على شخص آخر ليكتبه، كما حدث
مع النبي إرميا (أصحاح ٣٦)، عندما استدعى إرميا النبي ”بَارُوخُ بْنُ نِيرِيَّا“ ليكتب في درج كل كلام الرب على إسرائيل، وابتدأ إرميا يملي
على باروخ الأقوال كلمةً بعد كلمة «فَقَالَ لَهُمْ بَارُوخُ: بِفَمِهِ كَانَ يَقْرَأُ
لِي كُلَّ هذَا الْكَلاَمِ، وَأَنَا كُنْتُ أَكْتُبُ فِي السِّفْرِ بِالْحِبْرِ»
(إر٣٦: ١٨).
ثالثًا: مواد الكتابة:
(1) ورق البردي: لم تُحفَظ كل
المخطوطات القديمة من الكتاب المقدس، لأنها كانت مكتوبةً على موادٍ قابلةٍ للتلف،
معظمها من ورق البردي المصنوع من نباتات البردي التي تنمو في المياه الضحلة في
مصر. كانت السفن الكبيرة المحمَّلة بالبردي تصل إلى ميناء (بيبلوس) في سوريا، وهو
مصدر الكلمة اليونانية (بيبلوس) التي تعني ”كتب“. كما أن الكلمة الإنجليزية Paper (ورق) مشتقَّة
من الكلمة اليونانية التي تعني ”بردي“.
وطريقة تصنيع ورق البردي كانت تمرُ بهجة مراحل مثل:
o
تُقطَع شرائح طولية رفيعة من نبات البردي.
o
تُدقُّ هذه الشرائح وتُلصَق طبقتان منها: إحداهما بالطول والأخرى بالعرض.
o
توضع في الشمس لتجف، ثم يُنعَّم سطحها باستخدام
الحجر أو مواد أخرى.
وكانت أنواع ورق البردي تختلف في سماكتها، وبعضها كان رقيقًا جدًا. وأقدم أنواع ورق البردي المعروفة تعود إلى سنة
٢٤٠٠ ق.م. غير أنَّ مخطوطات الكتاب المقدس المصنوعة من البردي لم تُعمِّر طويلًا
إلا إذا حُفظت في أماكن جافة، مثل صحاري مصر أو كهوف (وادي قُمران)، حيث اكتُشفت
مخطوطات البحر الميت. واستمر استخدام ورق البردي حتى القرن الثالث الميلادي.
(2) الرقوق: الرقوق كانت
تُصنَع من جلود الماعز، الأغنام، الغزلان، وغيرها من الحيوانات. يتم نزع الشعر
عنها ومسحها لتصبح صالحة للكتابة. وكانت
الرقوق تُصنعُ من جلودِ الحيوانات الطاهرة فقط.
وتُعَدُّ بواسطةِ اليهود وحدهم، وتُخيَّط بأوتارِ حيواناتٍ طاهرةٍ
أيضًا. وكانت الأعمدةُ المكتوبٌ عليها
تتراوح بين ٤٨ سطرًا و٦٠ سطرًا. والكتابةُ تكونُ بالحبرِ الأسود فقط، الذي يُحضَّر
بطريقة خاصة.
(3) الرَّقّ: الرَّقّ هو جلد
العجل المصبوغ باللون الأرجواني، ويُكتب عليه بالحبر الفضي أو الذهبي. توجد
مخطوطات قديمة من الرق تعود إلى حوالي ١٥٠٠ ق. م.
(4) الفُخَّار: كان يُستخدم
بكثرة في مصر وفلسطين، ويُسمى في الكتاب المقدس بـ "شقفة" (أيوب ٢:
٨).
(5) الأحجار: كانوا ينقشون
عليها بقلمٍ من حديد (إرميا ١٧: ١٣، حزقيال ٤: ١).
(6) الألواح الطينية: كان يُكتب عليها
بأدوات حادة، ثم تُجفَّف لتُحفظ كسجلات دائمة.
(7) ألواح خشبية مغلفة بالشمع: كان يُكتب
عليها باستخدام أقلام معدنية. وكان القلم
المعدني مثلث الجوانب مسطح الرأس للكتابة على لوحات الطين أو الشمع. كمان كان يوجد
نوعٌ آخر من الأقلام مصنوعًا من الغاب، وطوله من ست إلى ست عشرة بوصة له سن
كالإزميل. وقد استعمله أهل ما بين النهرين. أما اليونانيون فقد استخدموا الريشة في
القرن الثالث ق.م
رابعًا: اشكال المخطوطات:
كان هناك شكلان للمخطوطات، هما:
١- الدرج Scroll:
وهي عبارة عن شريحة طويلة من الورق والجلد (يبلغ طولها إلى نحو تسعة أمتار)، تثبّت
من جانب واحد أو من جانبيها فى قطعة خشبية أو عصا وتطوى عليها. وكان فى هذه الحالة
يكتب على ناحية واحدة فقط من الشريحة، هى الناحية الداخلية.
٢- المجلد Codex
وهو قريب الشبه مما نستخدمه الآن. ولقد قال أحد العلماء إن المسيحية (بنسخها
لأسفار الكتاب المقدس) كان لها الفضل فى تطوير الكتاب إلى الشكل الذي نراه عليه
اليوم.
خامسًا: جماعة الكتبة ونسخ المخطوطات:
كانت الجماعة المكلفة بنسخ أسفار العهد القديم في نسخِ (عمل نسخ coping ) هي جماعة الكتبة، وهي
جماعةٌ متخصِّصةٌ. وكانَ الراباي (أي معلمُ الشريعةِ) يُوصي النُّساخَ الشبابَ
قائلًا:
”احرصوا أشدَّ الحرصِ في عملِكم الذي تعملونه، فهوَ عملُ السماءِ، لئلَّا
تُسقِطوا حرفًا، أو تضيفوا حرفًا في نسختِكم فتتسبَّبوا في هلاكِ العالمِ“. وكان
من ضمنِ التوصياتِ الصارمةِ أيضاً ما يلي:
§
إذا شرعتَ في النسخِ ودخلَ عليكَ ملكٌ في حجرتِك وتحدَّثَ إليكَ، تجاهلْه
تمامًا لئلَّا تُخطئَ في الكتابةِ.
§
قبلَ كتابةِ أيِّ كلمةٍ من كتابِ اللهِ، على النَّاسخِ أن يغسلَ جسدَه،
ويلبسَ الثيابَ العبرانيةَ، ويُهيِّئ نفسَه بالأفكارِ الخشوعيَّةِ.
§
حتى وإن كان النص محفوظاً عن ظهرِ قلبٍ، فالناسخ لا يكتبُ كلمةً واحدةً من
ذاكرتِه. بل يجبُ عليهِ أن يرفعَ عينَيْهِ إلى النصِّ الأصليِّ، ويلفظَ الكلمةَ
بصوتٍ عالٍ قبلَ كتابتِها.
§
عندَ كتابةِ لقبٍ من ألقابِ اللهِ، كانَ على النَّاسخِ أن يغسلَ قلمَه.
وقبلَ كتابةِ اسمِ اللهِ الأعظمِ "يهوه"، يجبُ أن يغسلَ جسدَه
بالكاملِ.
§
يحب مراجعةُ النسخِ بدقة في ضوء معايير القبولِ، فإذا وُجدتْ غلطةٌ واحدةٌ
في صفحةٍ، تُعدَمُ الصفحةُ. وإذا وُجدتْ ثلاثُ غلطاتٍ في نسخةٍ واحدةٍ، تُعدَمُ
النسخةُ بأكملِها.
كل هذه الدقة في عملية الكتابة والنسخ، حافظت على سلامة النصوص المنقولة
عبر الأجيال. وكما قال العلَّامةُ ”وستكوت“: ”إنَّ الأخطاءَ في نسخِ العهدِ
القديمِ كانتْ نادرةً جدًا، بمعدَّلِ خطأٍ واحدٍ من كلِّ ١٥٨٠ حرفًا“.
ومعظمُ هذه الأخطاءِ (أخطاء النسخ
وليست أخطاء الوحي الأساسي في مخطوطته الأصلية) موجودةٌ في نسخٍ قليلةٍ جدًا أو
أحيانًا في نسخةٍ واحدةٍ فقط، مما يجعلُ اكتشافَها وتصحيحَها أمرًا سهلًا. فلا توجدُ أيُّ أخطاءٍ تُؤثِّرُ على التعاليمِ
الأساسيَّةِ في العهدِ القديمِ.
سادسًا: غيرةُ اليهودِ على الأسفارِ المقدَّسةِ:
- يُشيرُ الكتابُ المقدَّسُ نفسهُ إلى غيرةِ اليهودِ في الحفاظِ على
الأسفارِ المقدَّسةِ. فبالرغمِ من الإشاراتِ الكثيرةِ إلى خطايا الشعبِ اليهوديِّ،
لم يُذكَرْ في أيِّ موضعٍ أنَّهم حاولوا تزييفَ كلمةِ اللهِ «فَمَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ؟
أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ كَثِيرٌ
عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلًا
فَلِأَنَّهُمْ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ ٱللَّهِ» (رو٣: ١–٢)
شهادات المؤرخين والعلَّماء:
§
قالَ المؤرِّخُ اليهوديُّ ”يوسيفوس“: ”لم يجرؤْ أحدٌ عبرَ الأجيالِ على أن
يزيدَ أو ينقصَ من أسفارِ العهدِ القديمِ حرفًا واحدًا، ولم يطرأْ عليها أيُّ
تبديلٍ مهما كانَ طفيفًا“.
§
وقالَ العلَّامةُ باسكال: ”لا يوجدُ إخلاصٌ بينَ كلِّ الأممِ يُضاهي إخلاصَ اليهودِ في
حفظِ الأسفارِ الإلهيَّةِ، وهذا الإخلاصُ ليسَ من الطبيعةِ، بل من مصدرٍ فائقٍ
للطبيعةِ“>
§
وأضافَ ”فيليو السكندريُّ“: ”يفضِّلُ اليهوديُّ أن يموتَ عشرةَ آلافِ مرَّةٍ على أن
يُبدِّلَ كلمةً واحدةً في التوراةِ“>
سابعًا: جماعةُ الماسوريِّين ونسخ التوراة:
جماعة الماسوريين، اشتُقَّ اسمُهم من الكلمةِ العبريَّةِ "masorah" التي
تعني ”تقليد“ أو
”تسليم“. وقد حافظوا على النصِّ بكلِّ دقَّةٍ وأمانةٍ لمدةِ حوالي
٥٠٠ عامٍ. وكانت مهمة نسخ أسفار التوراة انتقلت إليهم في القرن
السادس الميلادي. حتى صار النص العبري القديم معروفًا اليوم باسم ”النصِّ الماسوريِّ“، وقد أثبتتْ
اكتشافاتُ قُمرانَ دقَّتَهم في الحفاظِ على نقاءِ النصِّ من أيِّ أخطاءٍ.