هل العهدُ القديمُ والعهدُ الجديدُ كتابٌ واحدٌ
أم كتابان؟
من الضَّروريِّ معرفةُ أنَّ عبارةَ ”العهدِ
القديمِ“ و”العهدِ الجديدِ“، ليست بالمُسمَّياتِ المناسبةِ لأسفارِ الكتابِ. فهذه التسميةُ لا علاقةَ لها بالعُهودِ
الواردةِ في كلمةِ اللهِ، لكنَّ أدقَّ تسميةٍ هي ”أسفارُ ما قبلَ المسيحِ“ و”أسفارُ
ما بعدَ المسيحِ“.
ومعَ أنَّ أسفارَ ما قبلَ المسيحِ تُسمَّى ”الكتابَ
اليهوديَّ“، وأسفارَ ما بعدَ المسيحِ تُسمَّى ”الكتابَ المسيحيَّ“، إلا أنَّ
الكتابينِ يُمثِّلانِ كتابًا واحدًا يتكلَّمُ عن شخصِ المسيحِ وعملِ المسيحِ.
ولقد أشارَ الرسولُ بولسُ في سياقِ حديثِهِ إلى
تيموثاوسَ إلى وحدةِ أسفارِ العهدِ القديمِ والجديدِ، وأطلقَ عليها ”الكتابَ“، إذ
قال: «أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أَهْلًا
لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ
وَالتَّعْلِيمِ، لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: ‹لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا. وَالْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ» (١تي٥:
١7، ١٨). فبالرغمِ من اقتباسهِ من العهدِ
القديمِ: «لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا» (تث٢٥: ٤)، ومن العهدِ الجديدِ:
«الْفَاعِلُ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ» (لو١٠: ٧)، إلا أنَّه أطلقَ على
الاقتباسَيْنِ ”الكتابَ“، وليس ”الكتبَ“.
هَلْ كُنَّا نَحْتَاجُ إِلَى ٱلْكِتَابِ
ٱلْمُقَدَّسِ
ٱلْمَكْتُوبِ؟
إِنْ كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْأَتْقِيَاءُ فِي
عُصُورِ مَا قَبْلَ مُوسَىٰ ٱبْتِدَاءً مِنْ آدَمَ مَرُّورًا بِإِخْنُوخَ وَنُوحٍ
ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ …إلخ، كَانَتْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ
بِٱللَّهِ وَشَرِكَةٌ مَعَهُ، بِالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ كِتَابٍ مَكْتُوبٍ
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. فَلِمَاذَا نَحْتَاجُ نَحْنُ إِلَىٰ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ
ٱلْمَكْتُوبِ؟
يجبُ
أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ ٱلْأَتْقِيَاءِ كَانَتْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ
بِٱللَّهِ قَائِمَةٌ عَلَىٰ ٱلْإِعْلَانِ ٱلشَّفَاهِيِّ، فَكَانُوا۟
يَسْتَقْبِلُونَ إِعْلَانَاتِ ٱللَّهِ شَفَاهِيًّا، وَكَانَ طُولُ أَعْمَارِهِمْ
فِي عَصْرِ مَا قَبْلَ ٱلطُّوفَانِ يَضْمَنُ ٱنتِقَاٰلَ ٱلْإِعْلَانِ
ٱلشَّفَاهِيِّ مِنْ جِيلٍ إِلَىٰ جِيلٍ ٱنتِقَاٰلًا سَلِيمًا كَمَا ٱسْتَلَمُوهُ.
حَتَّىٰ جَاءَ ٱلطُّوفَانُ وَقَضَىٰ عَلَىٰ ٱلْعَالَمِ ٱلْقَدِيمِ، وَبَعْدَهُ
حَدَثَتْ كَارِثَةُ بَرْجِ بَابِلِ ٱلَّتِي صَاحَبَتْهَا بَدَايَةُ ٱلْوَثَنِيَّةِ
عَلَىٰ ٱلْأَرْضِ. وَمَعَ ٱنتِشَارِ
ٱلْوَثَنِيَّةِ فِي أَرْضِ شِنْعَارَ (ٱلْعِرَاقِ)، وَٱنتِقَالِهَا إِلَىٰ مِصْرَ
وَكَنْعَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ ٱلْأَمَاكِنِ، ٱنتَشَرَتِ الأكاذيب والأساطير الشيطانية
ٱلَّتِي جَرَفَتْ وَرَاءَهَا كُلَّ الأمم والشعوب مَا عَدَا بَقِيَّةً مِنَ الأمناء.
عِندَئِذٍ أَمَرَ ألرب عبده مُوسَىٰ أَنْ يَكْتُبَ أُوَّلَ خَمْسَةِ أَسْفَارٍ
لِلكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ وَهِيَ أَسْفَارُ مُوسَىٰ الخمسة: التكوين والخروج واللَّاويِيِّنُ
والعدد والتثنية، ٱلَّتِي تُسَمَّىٰ التوراة. لِيُوَثِّقَ ٱللَّهُ ٱلْإِعْلَانَ الصحيح
عَنْهُ فِي كِتَابٍ مَكْتُوبٍ فِي مُوَاجَهَةٍ مَعَ كُلِّ الخرافات والأساطير المنتشرة
فِي وَسَطِ الشعوب، ثُمَّ تَبِعَهُٰ كِتَابَةُ بَاقِيِ أَسْفَارِ ٱلْكِتَابِ
ٱلْمُقَدَّسِ كُلِّهِ عَلَىٰ مَدَارِ ١٥٠٠ سَنَةٍ. وَبَعْدَ كِتَابَةِ ٱلْكِتَابِ
تَمَّ نَسْخُهُ وترجمته إِلَىٰ كُلِّ لُغَاتِ ٱلْأَرْضِ لِيَسْتَطِيعَ كُلُّ
إِنسَانٍ أَنْ يَقْرَأَ كَلِمَةَ ٱللَّهِ بِلغَتِهِ.
لذلك
فَإِنَّنَا نَسْتَطِيعُ تَلْخِيصَ أَسْبَابِ اِحْتيَاجِنَا لِلْكِتَابِ
ٱلْمُقَدَّسِ ٱلْمَكْتُوبِ فِي ثَلاَثِ نُقَاطٍ عَلَىٰ الأقل:
(1) لِتَوْثِيقِ ٱلْإِعْلَانِ الحقيقي عَنْ
ٱللَّهِ فِي مُوَاجَهَةِ الأكاذيب والأساطير.
(2) لِحِفْظِ كَلِمَةِ ٱللَّهِ وَٱنتِقَاٰلِهَا
مِنْ جِيلٍ إِلَىٰ جِيلٍ.
(3) لِإِمْكَانِيَّةِ نَشْرِ
كَلِمَةِ ٱللَّهِ وأتساع نِطَاقِ وُصُولِهَا
(يُتبع)