عزيزي
الشاب، سعيد أن نلتقي سويًا على صفحات شريكة نمونا الروحي، رسالة الشباب، حيث
اجتهد أن أكتب لك، واثقًا في الرب لا أن يقنعك فقط بما تقرأه عبر صفحاتها، بل
تنتقل رسالتنا إلي كل المُحيطين بك عبر فمك وحياتك، فتصير رسائلنا إليك رسائلك
لهم.
معًا
في رحلة تطول، سنسافر فيها بين شطئان الكلمة المقدسة، باحثين عن معرفة متعمقة
لشخصية الله، مارين بمحطات المنطق المتضع الخاضع للوحي المقدس، ولست بحاجة لتوضيح
لماذا ستطول الرحلة، لأن موضوع البحث هو القدير الذي لن نصل أبدًا لنهاية معرفته
(أي11: 7)، بل أن الأبدية في كل طولها لن تكفي لنعرفه تمام المعرفة.
لكن
أولًا أدعوك أن تفكر معي لماذا يجب أن نعرف الله؟ هل من فائدة لذلك؟
نعم،
لذلك ليس فائدة بل كل الفوائد، واشاركك بالبعض :
(1)
العشرة مع الله وهي الغرض الأسمى الذي أطلبه لك ولي،
بل هو عين ما طلبه الرب يسوع في صلاته لأجل المؤمنين «وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ
وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ،
وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ» (يو26:17)، فالمعرفة تأتي بالحب، والحب ينمّي العشرة
بالله، فإن كانت غرض المعرفة الحب، فلن نمل في معرفته، ولن نتوقف يومًا عن شعار
الرسول بولس: ”لأَعْرِفَهُ” (في3: 10).
(2)
معرفة النفس فإن أردت أن تعرف أكثر عن نفسك، أوصيك
أن تعرف أكثر عن إلهك، فمعرفة الأصل هو الأساس لمعرفة الصورة، فالسر في فهم
الإنسان يكمن في التعرف أكثر على خالق الأكوان، وهذا غرض بحثنا في معرفة الله.
(3)
لتجنب النتيجة المأساوية لعدم معرفته، قال عنها
الرب نفسه على فم إرميا: «لأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شَرٍّ إِلَى شَرٍّ وَإِيَّايَ
لَمْ يَعْرِفُوا يَقُولُ الرَّبُّ» (إر9: 3).
لعلك تفهم معي لماذا العالم من شر إلى شر، لأنهم لم يعرفوا الرب، والمسيحية
الإسمية في تخبط لإنها لم تتعمق في معرفته.
لذا
أصلي لك مُتعلمًا من بولس الرسول: «ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ
يُعْطِيَكُمْ ... رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ،
مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا ...» (أف1: 16-18). فما أحوجنا أن نفهم ونتعرف عليه معرفة شخصية
وهذا لخلاصنا (يو17: 3)، ثم ننمو في معرفته في رحلة تقديسنا (في3: 10)، وقريبًا
جدًا في مرحلة التمجيد سنعرفه كما عُرفنا (1كور13: 9-12).
ولكن،
إن اردت السباحة في معرفة الله عليك التحلي ببعض الفضائل ومنها:
(1)
احترم محدوديتك طالبًا الفهم، فربما هذا يحتاج إلى تذلّل، والرب لن يحرمك
من الاستنارة، لقد فعلها مع دانيال (دا10: 12)، لذا ليكن توجّه قلبك مع المختبر «خَيْرٌ
لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ» (مز119: 71).
(2)
اجتهد لأجل المعرفة فهي كالكنوز (أم2: 4-6)، لا تبوح بمكنوناتها إلا
للمجتهدين .
(3)
طبّق ما تعلمته، فالنور يتزايد لمَنْ يطيع الكلمة، مقدمًا في المعرفة تعفف
(2بط1: 6)، فكل ما تفهمه عن طبيعة الله ومعاملاته لا بد أن يُنشئ فيك ضبط للنفس
وتغيير حقيقي.
والأن
بعد أن عرفنا ولو قليل عن أهمية معرفة الله، وتسلحنا ببعض من فضائل في طريق
معرفته، بقي قرارك لتقنع أن معرفة الله ليست سؤالًا اختياريًا في الحياة، بل
اجباريًا، فتعال معي لنتعرف على مستويات ثلاث لهذه المعرفة (العامة، الخاصة
والشخصية)
أولاً: العامة
: هي المعرفة الفطرّية، فالخليقة والحياة ترشدان لوجود
قوة إلهية، وتُسمى الإعلان العام «إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ،
لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ
مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ
السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ» (رو1: 19-20). هذا النوع من المعرفة له أهمية وخطورة، أما عن
أهميته، فهي تحفز الإنسان طوال تواجده على الأرض، لمعرفة الله «لِكَيْ يَطْلُبُوا
اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ» (أع17: 27)، ولها دور في يوم
الدينونة، لذلك كل المخلوقات البشرية ستعطى حساب عن الإعلان العام فهم بلا عذر.
أما
عن خطورتها فهي من الممكن أن تقود لعبادة الخليقة «لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا
اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي
أَفْكَارِهِمْ، ... وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ
صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ،
وَالزَّحَّافَاتِ» (رو1: 21-23)، لذا لابد من وجود معرفة أكثر عمقًا من العامة
وهذا ما ياخذنا للمستوى الثاني في معرفة الله
ثانيًا: الخاصة: وهي إعلان الله عن ذاته ووجوده، فهو أشبه بالتلسكوب الذي يقرّب لنا الله
لنعرفه، أو الميكرسكوب الذي يكشف لأعيننا المجردة ما لا نراه، ويُسمى الإعلان
الخاص، وله مصدران أولًا الكلمة المكتوبة، وثانيًا الكلمة المُتجسد.
الكلمة
المكتوبة: فالخليقة التى تدل على
وجود الله، لا تعلن عن ذاته، لذلك لَزَمَ أن الله يعرفنا عن نفسه، وبإعلان مكتوب
ووحي معصوم من الخطأ، فإن قرأت مزمور 19 ستكتشف هذين النوعين من المعرفة، النصف
الأول الخليقة التي تحدث وتخبر بمجد الله دون أن تسمع صوتها، فإلى كل الأرض خرج منطقها،
بينما النصف الثاني ومن ع 7-11 يشير لناموس الرب، وصاياه، أوامره واحكامه.
فالله
لم يتركنا بلا إعلان عن ذاته، خشية أن نصنع في أذهاننا صور مُشوهه عنه وكل ما سجله
الوحي عن الله نافع لنتعرف عليه أكثر، وهذا يقودنا إلى المصدر الخاص الثاني
للمعرفة وهو الكلمة المتجسد.
الكلمة
المتجسد: لقد عرّف الله نفسه في وجه يسوع المسيح، الذي هو «صُورَةُ
اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ» (كو1: 15)، فكلمة صورة تعنى (icon) أي ”النسخة الأصل“، وهو «رَسْمُ جَوْهَرِهِ» (عب1: 3)؛ فيسوع
المسيح هو الرسم التمامي لشخص الله في الزمان والمكان. وما أروعه إعلان بين أيدينا، فالله في المكتوب
عرفنا عن نفسه، بينما في التجسد عرفنا عن نفسه بنفسه، وإن كانت إموره غير المنظوره
ادركتها حواسنا من خلال مصنوعات في خليقته، فإن طبيعته وذاته أتت لعين البشرية
متجسدة في وجه يسوع المسيح، الأمر الذي يوضح رغبة الله في أن نعرفه.
فالله
- له المجد - لم يكتفِ بالخليقة، ولا الوحيً المُعلن عن ذاته، بل جاء مُتجسدًا
إلينا في وجه يسوع المسيح، ليس فقط لنتاكد من وجوده بل ليدخل معنا في بعد أعمق
للمعرفة هو العلاقة الشخصية.
ثالثًا: العلاقة
الشخصية: الله ليس معلومات تُحفظ، أو جملة أوامر تُنفذ بل شخص
يُعتشر به، وهذا هو أسمى مستويات المعرفة، لقد أعلن الله عن ذاته في وجه يسوع
المسيح، ليكون تحدي يومي لي ولك عزيزي أن تتعمق فيه، فمعرفته العلاقتية هي مدعاة
للفخر «فهَكَذَا قَالَ الرَّبُّ ... لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ
يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ» (إر9: 23-24). فكلمة ”يَفْهَم“ - في العبري - تعني البصيرة
الفكرية، بينما ”يَعْرف“ تعنى المعرفة المُستخلصة من الغريزة والحواس، فهي معرفة
علاقتية مبنية على بصيرة روحية.
صديقى
اُلخص معك رسالتي اليوم، فهي ثلاث نقاط كل منها مثلثة الأفكار، عن أهمية معرفة
الله ووفضائل طريق معرفته، وأخيرًا مستوياتها، راجيًا منك ثلاث أيضًا أن تعرفه
معرفة حقيقة، وليست فقط معلوماتية، وأن تتعمق في معرفته لتنمو في القداسة، وأخيرًا
أن تصلي لي أن أنال قدرة لمعرفته أكثر لأكتب لك في قادم المرات، وإلى أن القاك
الرب معك.
(
يتبع)