الأصحاح
الخامس
(3)
يجب ألا تكون هناك تصريحات مُتسرعة مُستهترة (ع4-6):
في هذه الآيات، يُسلّط سليمان الضوء على خطر أحاديث
الجاهل المُندفعة والمتسرّعة: «إِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا ِللهِ فَلاَ تَتَأَخَّرْ
عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ، لأَنَّهُ لاَ يُسَرُّ بِالْجُهَّالِ. فَأَوْفِ بِمَا
نَذَرْتَهُ. أَنْ لاَ تَنْذُرُ خَيْرٌ
مِنْ أَنْ تَنْذُرَ وَلاَ تَفِيَ» (ع4، 5).
فعندما يُقدَّم الإنسان نَذْرًا ِللهِ، فالله يتوقع منه أن يفي به. فالنَّذْرُ ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو التزام
جاد أمام الله. وعدم الوفاء بالنَّذْر يُعتبر
خطيئة، ويُجلِب غضب الله. وهكذا يُقدِّم
سليمان تحذيرًا: «لاَ تَدَعْ فَمَكَ يَجْعَلُ جَسَدَكَ يُخْطِئُ، وَلاَ تَقُلْ
قُدَّامَ الْمَلاَكِ: إِنَّهُ سَهْوٌ. لِمَاذَا
يَغْضَبُ اللهُ عَلَى قَوْلِكَ، وَيُفْسِدُ عَمَلَ يَدَيْكَ؟» (ع6). هذه
الحقيقة علَّمها موسى أيضًا لشعب إسرائيل: «إِذَا نَذَرَ رَجُلٌ نَذْرًا
لِلرَّبِّ، أَوْ أَقْسَمَ قَسَمًا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِلاَزِمٍ، فَلاَ
يَنْقُضْ كَلاَمَهُ. حَسَبَ كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِهِ يَفْعَلُ» (عد30:
2). وأيضًا: «إِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا
لِلرَّبِّ إِلهِكَ فَلاَ تُؤَخِّرْ وَفَاءَهُ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَطْلُبُهُ
مِنْكَ فَتَكُونُ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ. وَلكِنْ
إِذَا امْتَنَعْتَ أَنْ تَنْذُرَ لاَ تَكُونُ عَلَيْكَ خَطِيَّةٌ. مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيْكَ احْفَظْ وَاعْمَلْ،
كَمَا نَذَرْتَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَبَرُّعًا، كَمَا تَكَلَّمَ فَمُكَ » (تث23:
21-23).
الرسالة الواضحة في هذه الآيات هي أن الله يأخذ
كلام الإنسان على محمل الجد، وخاصةً في أمور النذور والوعود. تقديم وعد لله يتطلب
تفكيرًا عميقًا وصدقًا، لأن الله ينظر إلى القلب والنية وراء الكلمات.
كان يَفْتَاحُ الْجِلْعَادِيُّ متسرعًا للغاية،
عندما «نَذَرَ نَذْرًا لِلرَّبِّ قَائِلاً: إِنْ دَفَعْتَ بَنِي عَمُّونَ لِيَدِي،
فَالْخَارِجُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِي لِلِقَائِي عِنْدَ رُجُوعِي
بِالسَّلاَمَةِ مِنْ عِنْدِ بَنِي عَمُّونَ يَكُونُ لِلرَّبِّ، وَأُصْعِدُهُ
مُحْرَقَةً» (قض11: 30، 31). ولم يكن يَفْتَاحُ
يتوقع أبدًا ما حدث، فعندما «أَتَى يَفْتَاحُ إِلَى الْمِصْفَاةِ إِلَى بَيْتِهِ،
وَإِذَا بِابْنَتِهِ خَارِجَةً لِلِقَائِهِ بِدُفُوفٍ وَرَقْصٍ. وَهِيَ وَحِيدَةٌ.
لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَلاَ ابْنَةٌ غَيْرَهَا.
وَكَانَ لَمَّا رَآهَا أَنَّهُ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَقَالَ: «آهِ يَا
بِنْتِي! قَدْ أَحْزَنْتِنِي حُزْنًا وَصِرْتِ بَيْنَ مُكَدِّرِيَّ، لأَنِّي قَدْ
فَتَحْتُ فَمِي إِلَى الرَّبِّ وَلاَ يُمْكِنُنِي الرُّجُوعُ» (قض11: 34، 35). ولربما، نتيجة نَذْرهِ المُتسرّع، ظلت ابنته
غير مٌتزوجة كل أيام حياتها!
كانت حَنَّة أم صموئيل صادقة وغير مُتسرّعة في نَذْرِهَا
عندما «نَذَرَتْ نَذْرًا وَقَالَتْ: يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِنْ نَظَرْتَ نَظَرًا
إِلَى مَذَلَّةِ أَمَتِكَ، وَذَكَرْتَنِي وَلَمْ تَنْسَ أَمَتَكَ بَلْ أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ
زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، وَلاَ
يَعْلُو رَأْسَهُ مُوسَى» (1صم1: 11).
تُبرز خطورة النُذُور من خلال حقيقة أنه لا توجد
طريقة يُمكن للشخص من خلالها تخليص نفسه من النَذْر. ففي محضر الرب، إذ تسرَّع شخص، برعونة وطياشة،
ونَذَرَ نَذْرًا لِلرَّبِّ، أو أَقْسَمَ قَسَمًا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِلاَزِمٍ،
ثم أعاد حساباته بعد ذلك، وأدرك أنه ارتكب خطأً، وبحث عن طريق للهروب من نَذْرِهِ،
فلن يجد. وهكذا كانت نصيحة الجامعة: «لاَ
تَدَعْ فَمَكَ يَجْعَلُ جَسَدَكَ يُخْطِئُ، وَلاَ تَقُلْ قُدَّامَ الْمَلاَكِ:
إِنَّهُ سَهْوٌ» (ع6).
ولقد قُدِّمَت اقتراحات كثيرة حول تحديد هوية ”الْمَلاَك“: والاقتراح الأكثر شيوعًا هو أن المقصود الملائكة
بصفة عامة، وخاصة أنهم يلاحظون القديسين «لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ
يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ» (1كو11:
10). ويرى آخرون أن النص يُدعم فكرة
الملاك الحارس. ويعتقد البعض أنه يشير إلى
الرب يسوع باعتباره ملاك الرب. ولكن
الاقتراح الأكثر منطقية وقبولاً، هو اعتباره إشارة إلى الكاهن. والكلمة النبوية تؤيد ذلك: «لأَنَّ شَفَتَيِ
الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ،
لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ» (ملا2: 7).
وكلمة ”رَسُول“ تُترجم في مواضع أخرى ”مَلَاك“، أكثر من مائة مرة. وهكذا تتضح الصورة: فالشخص في بيت الله، وفي حضرة
الكاهن الذي يؤدي الخدمة، وعلى مسمع منه، يقطع نَذْرًا بتسرع وتهور. وهكذا أمسكه الله بنَذْرِهِ، وهكذا لا يُمكنه الرجوع،
ليقول للكاهن إنه ارتكب خطأ، خوفًا من أن يُفسِد الله في دينونته عمل يديه «لِمَاذَا
يَغْضَبُ اللهُ عَلَى قَوْلِكَ، وَيُفْسِدُ عَمَلَ يَدَيْكَ؟» (ع6).
وهكذا حذر الجامعة من خطيتين: الأولى هي التعهد
بنَذْر مع نية عدم الوفاء به. والثانية هي
التعهد بنَذْر، ثم المماطلة في الوفاء.
وما أكثر ما سمعنا وعودًا وتعهدات ونُذُورًا من المرضى، والذين في ضيقات،
ليفوا بها بعد انتهاء معاناتهم وشفائهم، ولكن سرعان ما نُسيت هذه الوعود والنُذُور
بعد انتهاء المشكلات والشفاء.
في بعض الأحيان، في خضم بعض الصعوبات، تُرفَع صلاة
إلى الله، مصحوبة بوعد، أنه إذا فعل الله كذا وكذا، فإن المتضرع سيفعل كذا وكذا. وكم من المرات كسرنا هذه الوعود وهذه
التعهدات! ولكن الرب يُمسك الشخص بكلامه،
ويُطالبه بإتمام وعوده! هذا المبدأ صحيح،
ويُمكن تطبيقه على التعهدات التي نقطعها عند إتمام مراسيم الزواج، والنطق
بالتعهدات. وما أكثر ما يتم التعامل مع
هذه التعهدات، بوقاحة وخسة، في المجتمعات الحديثة.
يجب أن يكون توقير وإجلال للرب (ع7)
يلخص سليمان التعليم الذي قدَّمه بالقول: «لأَنَّ
ذلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الأَحْلاَمِ وَالأَبَاطِيلِ وَكَثْرَةِ الْكَلاَمِ. وَلكِنِ اخْشَ اللهَ» (ع7)، أو «الْوُعُودُ
الْكَثِيرَةُ كَالأَحْلامِ الْكَثِيرَةِ، لا فَائِدَةٌ مِنْهَا، لِذَلِكَ اتَّقِ
اللهَ» (ع7 – ترجمة داربي). يُكرر سليمان
الإشارة إلى بُطلان كثرة الأحلام والكلمات، ولكنه يقدّم الترياق لمثل هذا الباطل بقوله:
«وَلكِنِ اخْشَ اللهَ» (ع7).
وللحديث
بقية ... إن شاء الرب وعشنا.