عدد رقم 1 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الْكَاهِن يَهُويَادَاع وتصحيح الأوضاع  

تُحدِّثُنا الأصحاحاتُ ٢٢ إلى ٢٤ من سفرِ أخبارِ الأيّامِ الثاني عن يُوآشَ مَلِكِ يهوذا، لكن يَلفِتُ نظرَنا الدورُ البارزُ ليَهوياداعَ الكاهنِ في هذه الفترةِ.  كان وقتًا عصيبًا على مملكةِ يهوذا عندما قامت عَثَليا الشريرةُ بإبادةِ جميعِ النسلِ الملكيِّ، لكن بفضلِ شجاعةِ ”يهوشَبعةَ  بنتِ يَهورامَ، زوجةِ يَهوياداعَ الكاهنِ، نجا يُوآشُ ابنُ أَخَزْيا“. 

أخذ يَهوياداعُ ويهوشَبعةُ يُوآشَ وخَبآهُ في بيتِ اللهِ ستَّ سنينَ، لكن بعدها تشدَّد يَهوياداعُ ورجالٌ من يهوذا ومَلَّكوا يُوآشَ. وكان هذا عملًا عظيمًا لتصحيحِ مَسارِ مملكةِ يهوذا، وخيرًا جزيلًا للشعبِ. وقُتِلَت عَثَليا، وقُطِعَ عهدٌ، وثَارَ الشعبُ على عبادةِ البَعلِ، ثم رَجَعوا لعبادةِ الرَّبِّ، ورمَّموا بيتَ الرَّبِّ.  لذلك لخَّصَ الرُّوحُ القُدُسُ ما عمِلَه يَهوياداعُ بالقول: «عملَ خيرًا في إسرائيلَ ومع اللهِ وبيتِهِ (بيتِ اللهِ)» (٢أَخ٢٤: ١٦). 

من المُشجِّعِ للأمهاتِ والمؤمناتِ التقيّاتِ أنَّ العملَ العظيمَ الذي حدثَ بعد ذلك بدأ بشجاعةِ امرأةٍ. يَهوشَبعةُ ويَهوياداعُ هنا يُذكِّرَانِنا بيُوكابدَ وعمرامَ اللذَيْنِ أَخفَيا ابنَهما موسى عندما رأَيَاهُ بعينِ الإيمانِ جَميلًا للهِ.  يَهوشَبعةُ ويَهوياداعُ تبنَّيا يُوآشَ وخبآهُ إذْ رأَيَاهُ ابنَ المَلِكِ الأحقَّ بالمملكةِ.  معنى اسمِ ”يهوشَبعةَ“ هو ”قسمُ يهوه“، وهو مناسبٌ تمامًا للحدثِ، لأنَّ ما عمِلاهُ متوافقٌ تمامًا مع القسمِ الذي أعطاهُ الرَّبُّ لداودَ. لقد أعطى الرَّبُّ لداودَ ”كلمةً“ ألا يُعدَمَ له رجلٌ يجلِسُ على كرسيِّ إسرائيلَ: (١مل٨: ٢٥؛ ٩: ٥؛ ٢أَخ٦: ١6؛ ٧: ١٨). 

يوجدُ عدَّةُ أشخاصٍ في الكتابِ بهذا الاسمِ، لكن يَهوياداعَ المذكورَ هنا هو مَن حَظِيَ بنصيبٍ وافِرٍ مِمَّا سَجَّلَهُ الرُّوحُ القُدُسُ، ويُذكَرُ اسمُه ما يقرُبُ من ٣٠ مرَّةً في سفري الملوكِ الثاني وأخبارِ الأيّامِ الثاني.  ومعنى اسمِه ”اللهُ يَعرِفُ“، ولا شكَّ أنَّ هذا ينطبِقُ عليه، فقد عَرَفَ الرَّبُّ ما فعَلَهُ هذا الرجلُ التَّقيُّ لعملِ الرَّبِّ، وعَرَفَ كيفَ يُنقِذُ المملكةَ من شرِّ عَثَليا. 

كان تأثيرُ يَهوياداعَ واضحًا جدًّا على يُوآشَ، ليس فقط في إنقاذِ حياتِه، بل أيضًا في تَمليكِه وتعليمِه. وليس أبلَغَ مِمّا قالَهُ الكتابُ: «وَعَمِلَ يُوآشُ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ يَهُويَادَاعَ الْكَاهِنِ» (2أخ24: 2).  وتُذكَرُ العبارةُ أيضًا هكذا في ٢ ملوك ١٢: ٢: «وَعَمِلَ يَهُوآشُ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِهِ الَّتِي فِيهَا عَلَّمَهُ يَهُويَادَاعُ الْكَاهِنُ».

كانت تقوى يُوآشَ مُرتبطةً بوجودِ يَهوياداعَ، وبعدما ماتَ الأخيرُ عمِلَ الأولُ الشرَّ، إلى الدرجةِ التي فيها قتلَ زكريا النبيَّ، ابنَ يَهوياداعَ، الذي أنذَرَهُم بكلامِ الرَّبِّ ضدَّ شرورِهِم. ليسَ فقط الملكُ، بل الشعبُ أيضًا، قادَهُم يَهوياداعُ لإعلانِ الملكِ الحقيقيِّ المُستحقِّ العرشَ وأدخلَهم في عهدٍ وأرجَعَهم لعبادةِ الرَّبِّ.  والنتيجةُ: «فَفَرِحَ كُلُّ شَعْبِ الأَرْضِ وَاسْتَرَاحَتِ الْمَدِينَةُ» (٢أَخ٢٣: ٢١).  كما يتضحُ تأثيرُ يَهوياداعَ على شعبِ الرَّبِّ: «وَكَانُوا يُصْعِدُونَ مُحْرَقَاتٍ فِي بَيْتِ الرَّبِّ دَائِمًا كُلَّ أَيَّامِ يَهُويَادَاعَ» (٢أَخ٢4: 14).

لاحظ تكرارَ عبارةِ «كُلَّ أَيَّامِ يَهُويَادَاعَ»، مع يُوآشَ ومع الشعبِ. ولذلك أطالَ الرَّبُّ في عمرِهِ (١٣٠ سنةً)، لأنَّ نَهضةَ شعبِ اللهِ كانت مرتبطةً بشكلٍ كبيرٍ بتقوى هذا الرجلِ!  لم تكن أعمارُ معاصريهِ تصِلُ لهذا، لكن يَهوياداعَ كان نافعًا، وكان هناكَ عملٌ ليتممَّهُ قبلَ أن يترُكَ المشهدَ.

يَبرزُ في تاريخِهِ أيضًا دورُهُ البارزُ في ترميمِ بيتِ الرَّبِّ وتدبيرِهِ الحكيمِ للنفقاتِ، من خلال فكرةِ »الصندوقِ الخشبيِّ“ الذي جعلوهُ في بابِ بيتِ الرَّبِّ ليُلقِيَ فيهِ الشعبُ الفضةَ المُتبرَّعَ بها. إذ نفهمُ أنَّ يُوآشَ ويَهوياداعَ كانا أولَ من أدخَلَ هذه الوسيلةَ لجمعِ تبرعاتِ شعبِ الرَّبِّ (٢مَل١٢: 9؛ ٢أَخ ٢٤: ٨).  لهذه الأسبابِ قيلَ عنهُ: «عملَ خيرًا في إسرائيلَ ومع اللهِ وبيتِهِ».

إنَّ مَن يعمَلُ خيرًا لشعبِ اللهِ وبيتِ اللهِ فإنما يعمَلُ خيرًا للهِ نفسِهِ، وهذا ما علَّمَ به سيدُنا: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (مت ٢٥: ٤٠).

كان يَهوياداعُ يتمتعُ بقدرٍ وافرٍ من الشجاعةِ، فلم يَخشَ عَثليا، ولم يضعِ اعتبارًا لوضعِها كملكةٍ أو كواحدةٍ من أفرادِ الأسرةِ المالكةِ التي يرتبطُ بها يَهوياداعُ بنسبٍ (على الأرجحِ، كانت عَثليا زوجةَ يَهورامَ هي أمَّ أَخَزْيا (٢أَخ٢٢: ١٠)، لكنها ليست أُمَّ يَهوشَبعةَ.  وهذا يُؤيِّدُهُ التباينُ الشديدُ بينهما في الصفاتِ، كما أنَّه لم يُذكَرْ عن يَهوشَبعةَ أنَّها بنتُ عَثليا.  ولم يشفقْ عليها، إذ كانت تستحقُّ القضاءَ. لذا، فهو لاويٌّ حقيقيٌّ كما قيلَ: «الَّذِي قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ: لَمْ أَرَهُمَا، وَبِإِخْوَتِهِ لَمْ يَعْتَرِفْ، وَأَوْلاَدَهُ لَمْ يَعْرِفْ، بَلْ حَفِظُوا كَلاَمَكَ وَصَانُوا عَهْدَكَ» (تث ٣٣: ٩).

ظهرتْ فيه مخافةُ الرَّبِّ في صونِ العهدِ الذي أعطاهُ الرَّبُّ لداودَ، فلم يكن انحيازُهُ ليُوآشَ مؤامرةً أو انقلابًا، أو تفضيلًا لشخصٍ على آخر، ولم يكن رغبةً في التخلُّصِ من ملكةٍ شريرةٍ ودمويةٍ، بقدرِ ما كان وقوفًا في جانبِ الرَّبِّ وعهدِهِ لداودَ.  لذلك نراهُ يقولُ للشعبِ: «هُوَذَا ابْنُ الْمَلِكِ يَمْلِكُ كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ بَنِي دَاوُدَ» (٢أَخ٢٣: ٣).  بالتأكيدِ، لم يكن ذلك عملًا سهلًا، بل استلزمَ قوَّةً خاصةً وحكمةً. لذلك يُفتتَحُ إصحاحُ ٢٣ بالقولِ: «تشددَ يَهوياداعُ»، وبعدها يبدأُ التصرُّفَ بحكمةٍ، متمثلًا في أنَّهُ تشاركَ بما ينوي عملَهُ مع خمسةِ رجالٍ فقط، لكنَّهم مُؤثِّرون، حيث كانوا «رؤساءَ المئاتِ“، وهُم:

·            عَزَرْيَا (يَهْوةُ مُعينٌ) بْنُ يَرُوحَامَ (يُرحَمُ).

·            إِسْمَاعِيلُ (يَهْوةُ يسمَعُ) بْنُ يَهُوحَانَانَ (يَهْوةُ مُنعِمٌ).

·            عَزَرْيَا بْنُ عُوبِيدَ (خادمٌ، عاملٌ).

·            مَعَسِيَا (عملُ يَهْوةَ) بْنُ عَدَايَا (زينةُ يَهْوةَ).

·            أَلِيشَافَاطُ (إلهي قاضٍ) بْنُ زِكْرِي (يستحقُّ الذِّكرَ).

وفي معاني أسمائهم الكثيرُ مِمّا ينطبِقُ على يَهوياداعَ وعملِ اللهِ من خلالِهِ لصالحِ المملكةِ في ذلك الوقتِ

لم يكن يَهوياداعَ شخصًا يُنادي بتصحيحِ الأوضاعِ دونَ عملٍ على أرضِ الواقعِ، بل نراهُ يُخطِّطُ ويُدبِّرُ ويقودُ ويوفِّرُ ما يلزمُ للعملِ الحاسِمِ. يُبادرُ بالخطواتِ الأولى، ولا يختفي في اللحظاتِ الحاسِمة، ولذلك لا عَجَبَ أنَّ الرؤساءَ والشعبَ يَسمعونَ له ويُنفِّذونَ أوامرَهُ!

كما قدَّمَ يَهوياداعُ نفسَهُ قدوةً للشعبِ عندما ألزمَ نفسَهُ مع الشعبِ والملكِ أن يكونوا شعبًا للرَّبِّ «فَقَطَعَ يَهُويَادَاعُ عَهْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ الشَّعْبِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ أَنْ يَكُونُوا شَعْبًا لِلرَّبِّ» (٢أَخ ٢٣: ١٦).

بدأ تصحيحُ المسارِ بإعلانِ يُوآشَ ملكًا، وإذْ حدثَ ذلك فلا بدَّ من تنحيةِ ”عَثَلْيا“.  وهكذا، فإنَّ النهضةَ الحقيقيّةَ في شعبِ اللهِ أنْ يأخذَ الرَّبُّ مكانَهُ كسَيِّدٍ، رأسٍ، ورئيسِ الشعبِ، ثمَّ يُقضى على كلِّ شرٍّ وعبادةٍ ليست منه ولا له!  وإذا حدثَ ذلك، تمَّ القولُ: «فَفَرِحَ كُلُّ شَعْبِ الأَرْضِ وَاسْتَرَاحَتِ الْمَدِينَةُ» (٢أَخ٢٣: ٢١).  وقبلَ ذلك لم يكن الشعبُ ليفرحَ! أو بلغةِ مزمورَي 132، ١٣٣، فلا يمكن أنْ ”يَسكُنَ“ الإخوةُ "معًا – أو في وحدةٍ" (مز ١٣٣: ١)، إلا عندما يكونُ التابوتُ في موضعِ راحتِهِ (مز ١٣2).

يَصعُبُ على يُوآشَ، حتى بعدما أصبحَ شابًا وتقدَّمَ في العمرِ، أنْ يعمَلَ أمرًا هامًّا كترميمِ بيتِ الرَّبِّ بالاستقلالِ عن شخصٍ مثل يَهوياداعَ. إذ نقرأُ أنَّهُ لم يكنْ هناكَ تجاوبٌ مع أمرِ الملكِ إلا بعدَ أنْ تدخَّلَ يَهوياداعُ (٢مل١٢: 4، 2أَخ ٢٤).

كان يُوآشُ مُهتمًّا ببيتِ اللهِ الذي قضى فيهِ طفولتَهُ، لكنهُ لم يكنْ مُخلِصًا للنهايةِ للرَّبِّ وعبادتِهِ.  وربما بسببِ شعورِهِ بالامتنانِ للمكانِ الذي حُفظتْ فيهِ حياتُهُ وهو طفلٌ، أرادَ أنْ يُكافئَ ذلكَ بتجديداتٍ للمبنى الذي تعرَّضَ لانتهاكاتٍ كثيرةٍ طوالَ ما يقربُ من ١٤٠ سنةً مرتْ على إنشائِهِ.  لكنَّ ذلكَ كان عملًا مدنيًّا أكثرَ منهُ روحيًّا. فلا نقرأُ عن اهتمامِ يُوآشَ باللاويينَ أو عبادةِ الرَّبِّ، وكلُّ الملامحِ الروحيةِ في البيتِ كانت مرتبطةً بيَهوياداعَ، وليس بيُوآشَ (2أخ٢٣: ١٨؛ ٢٤: ١٤).  وتأكدَ هذا بعدَ رحيلِ يَهوياداعَ، حيثُ لم يكنْ لدى يُوآشَ مانعٌ أنْ يقتلَ نبيَّ الرَّبِّ في بيتِ الرَّبِّ! وهذا ما أكدهُ يُوئِيلُ في توبيخِهِ للملكِ والرؤساءِ والشعبِ (يؤ ٢: ١٢-١7). 

تُعرَفُ قيمةُ الأشخاصِ بالأكثرِ عندما يَغيبونَ عن المشهدِ. وإنَّكَ لتتعجَّبُ للتحوُّلِ الذي حدثَ في سلوكِ يُوآشَ الملكِ والشعبِ بعدَ موتِ يَهوياداعَ. فأولُ ما يُقالُ عن الشعبِ بعدَ موتِهِ إنهم «تَرَكُوا بَيْتَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِمْ وَعَبَدُوا السَّوَارِيَ وَالأَصْنَامَ».  ثم نرى يُوآشَ يقتلُ زكريا النبيَّ. وعلى الأرجحِ، أنَّ إعطاءَ يُوآشَ الأقداسَ والذهبَ الذي في خزائنِ بيتِ الرَّبِّ وبيتِ الملكِ لحَزَائِيلَ ملكِ أَرَامَ، حدثَ بعدَ موتِ يَهوياداعَ (٢مل١٢: ١7، ١٨).  ونَعتقِدُ أنَّهُ لم يكنْ مُمكنًا التفريطُ في هذه المقدساتِ لو كان يَهوياداعُ على قيدِ الحياةِ. وكما أكرمَ يَهوياداعُ الرَّبَّ، أكرمَهُ الرَّبُّ جدًّا. وبالإضافةِ للمدحِ الإلهيِّ والثناءِ على حياتِهِ، فعندَ موتِهِ كان قد شبعَ من الأيامِ، في حينِ أنَّ يُوآشَ قُتِلَ بفتنةٍ. ودُفنَ يَهوياداعُ في مدينةِ داودَ مع الملوكِ، الأمرُ الذي لم يحظَ بهِ الملكُ نفسُهُ عندما ماتَ

عماد ثروت 

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com