(تابع ما قبله)
الأصحاح الثاني
بعد
ما يقرب من أربعة أسابيع جاءت رسالة أخرى من الرب من خلال النبي حَجَّي، وهذه
المرة كانت كلمات تعزية وتشجيع. وكانت موجهة بشكل خاص للشيوخ الذين كان لديهم
ذكريات عن عظمة وروعة هيكل سليمان، وبالتالي لابد أنهم أدركوا كم سيكون أي هيكل
يرغبون في إقامته أقل بكثير. كان التشجيع الذي تم
تقديمه ذا شقين. الأول منظور من جهة الحاضر والثاني من جهة المستقبل.
لكن
دعونا نرى أولاً، كيف يؤثر ما حدث مع تلك البقية علينا اليوم. لقد حدث في تاريخ
الكنيسة المُعترفة شيء من استعادة الحق، وبعض من الرجوع للأشياء في بساطتها كما
رتبها الرب بالروح القدس في البداية. وهذا
الرجوع مماثل لعودة البقية للمكان الذي وضع الرب اسمه فيه، وكان بيته فيه قبل ذلك
بوقت طويل. ولا بد أن قديسي الله الذين ساهموا في هذا الرجوع كانوا مدركين أن أي
أمر مما وصلوا له كان أقل عظمةً بكثير، في شكله الخارجي، مما تم تأسيسه في يوم
الخمسين حين خلُص ثلاثة آلاف «وَكَانُوا يُواظِبُونَ
عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، والصلوات». من الجيد أن
نكون واعين اليوم بصغر وضعف ما بين أيدينا، إذا ما قورن بعظمة الأصل الذي أسسه
الرب.
وإذا أثرت فينا هذه
الحقيقة وبالتالي صرنا عُرضةً للاكتئاب بسبب التناقض الملحوظ، قد نبتهج عندما نرى
كيف أن كلمات حَجَّي التشجيعية لها تطبيقها الرائع علينا.
فمن ناحية منظور حاضر
البقية، نجد التشجيع في العددين 4، 5. حيث يؤكد الرب وجوده معهم ومعيته لهم، وليس
ذلك فقط، بل يضيف: «حَسَبَ الْكَلاَمِ الَّذِي عَاهَدْتُكُمْ بِهِ عِنْدَ
خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَرُوحِي قَائِمٌ فِي وَسَطِكُمْ. لاَ تَخَافُوا» (ع5). وهكذا يُرجعهم الرب إلى كمال وصدق الكلمة التي
أعطاها لهم في بداية معاملاته معهم من إرشاد وقوة روحه الذي ما زال في وسطهم. وإذا ما تساءلنا، ما هي الموارد التي لا زالت
مُتاحة للقديسين اليوم؟ فالإجابة: هي أنه لا زال لدينا كلمة الله الحقيقة الثابتة
والتي يرجع تاريخها إلى: ”من البدء” - كما اعتاد الرسول يوحنا أن يُذّكرنا في
رسائله - والروح القدس الذي انبثق يوم الخمسين وما زال يسكن في القديسين وقوته
متاحةً لنا طالما لم نحزنه. لذا فنحن أيضاً يجب ألا نخاف، مهما تعدد المعارضون
واستمرت المصاعب.
أما من منظور المُستقبل:
فقد كانت هناك أيضاً كلمة تشجيع بالرغم من أنه هناك دينونة قادمة. فالأرض التي يعيش عليها الإنسان مع السماوات
التي تُغَلِّفها والناس الذين يسكنونها سوف تُزلزل. كان على يهودي تلك الأيام أن يخافوا من عدم
ثباتهم وعدم ثبات كل ما يحيط بهم. وعلينا نحن أيضًا أن نواجه ذات الشيء لأننا
عندما نصل لنهاية عبرانيين 12 نجد كلمات حَجَّي هذه اُقتبست كتطبيق على نهاية
الدهر. عبارة “هي مرَّة"(حج2: 6) والتي اُقتبست «مَرَّةً أَيْضًا»
(عب12: 27) تدل على الإزالة النهائية لكل ما هو قابل للتزعزع، بحيث لا يحتاج الأمر
إلى تكرار.
وعندما تحدث هذه الزلزلة
العظيمة سيأتي «مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ»، ويمتلئ هيكل الله بالمجد (ع7). وهنا نرى المسيح كـ” مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ
، لأنه عندما سيظهر بالمجد ستراه كل عين وينوح عليه كل قبائل الأرض
(رؤ1: 7). ومع هذا أيضًا فإن الأمم لطالما اشتهت السلام والرخاء والطمأنينة للأبد
كما تنبأ إشعياء 32: 15- 18. هذه الأمور
المُشتهاة ستتم وسينعم الناس بها عندما يأتي الرب يسوع ثانيةً. ومن ثم فنحن نقرر أن هذه الكلمة النبوية تتطلع
إلى مجيء المسيح الذي عندما يأتي سيُحضِر البركات للناس ويستحضر المجد لهيكل الله.
يبدو أن الترجمة الأفضل
للعدد 9 هي ”المجد الأخير لهذا البيت يكون أعظم من الأول“. يُعتبر هيكل الله في أورشليم واحد، وعلى الرغم
من أنه دُمِّر وأُعيد بناؤه في عدة مناسبات إلا أنه سيكون له في صورته النهائية
مجد يفوق مجده الأول، الذي كان لهيكل سليمان حيث ملأ المجد المنظور البيت للدرجة
التي لم يستطع معها الكهنة أن يدخلوا. رأى حزقيال المجد الأخير وسجله في بداية أصحاح
43. ونحن نشكر الله لأن ذات الأمر ينطبق على الكنيسة. عندما يكسوها مجد المسيح في النهاية سيفوق هذا
كل ما كانت عليه في بدايتها.
ثمة أمر مُشجع آخر قدّمَهُ
حَجَّي: «وَفِي هذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ»
(ع9). لا نخطئ إن قلنا إنه لم يكن لمدينة ما تاريخ عاصف مثلما كان لأورشليم. ولم تتحمل مدينة حصاراً مثلما احتملت. وحتى اليوم يُقال عن فلسطين أنها ”مسرح معارك
الأمم” وستظل كذلك كما يُعلن زكريا 14: 2، لكن سيثبت فيما بعد أنها مدينة السلام.
ولنلاحظ أن كل هذه البركة
وهذا المجد والسلام، الذي سيتحقق بعد الزلزلة العظيمة المُتنبئ عنها، لن يتأتى
كنتيجة لمجهودات الإنسان أو إخلاصه، لأن الله يعلن أن هذا سيحدث كنتيجة لرحمته
السامية. بل لقد تجاوبت البقية الآن مع كلمات التوبيخ وجعلوا وجوههم في الاتجاه
الصحيح. وأي تشجيع يمكن أن يصلهم أعظم من
أن يخبرهم الله بما ينوي تحقيقه في النهاية على الرغم من إحساسهم بالمسكنة.
كذلك
الأمر معنا اليوم: نحن في ضعف. ولكن سنكون سعداء إذ شعرنا بالضعف وقلوبنا في
الاتجاه الصحيح وأيضًا راغبة في اختبار المزيد من عمل نعمة الله، حينئذٍ نجد تشجيعًا
عظيمًا لدى مطالعة نبوات العهد الجديد عن مجد الكنيسة المُستقبلي بالاشتراك مع
المسيح، المجد الذي وصلت إليه بحسب غرض الله السامي. نحن ننتظر، كما يخبرنا يهوذا في رسالته: «رَحْمَةَ
رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ»، سنصل المجد، ولكن ليس على أساس استحقاقنا، بل على أساس
رحمته.
مَرَّ
ما يزيد قليلاً على شهرين ورأي الرب أن الشعب، وهم منشغلون الآن بعمله، يحتاجون
هذه المرة لكلمة تحذير. وُجهت هذه الكلمة بشكل أخص للكهنة، ولكنها كانت متعلقة بما
يعمله كل الشعب. أُثير معهم سؤالان فيما يتعلق بعملهم، واحد في عدد 12 وآخر عكسه
في عدد 13. كان على الكهنة أن يعترفوا أن ما هو غير طاهر وغير مُقدَّس هو مُعدي،
وبالتالي يُنَّجِس، وما هو مقدس وطاهر لا ينتقل بنفس الطريقة. هنا أمر له أهمية
كبيرة من الناحية الروحية.
هذا
المبدأ واضح حتى في الأشياء الطبيعية. يعلم الجميع أنه إذا تم وضع تفاحة فاسدة في
صندوق من التفاح الجيد، فسوف ينتشر التعفن حالاً؛ في حين لا أحد يتخيل أن التفاح
الفاسد سيكون جيدًا من خلال وضع عدد قليل من التفاح السليم بينهم. هذا الأمر يجب ملاحظته في خدمة الهيكل، وككل
الفرائض الخارجية للناموس، هناك تعليم داخلي وروحي لنا. دعونا ننتبه لهذا لأن
داخلنا ”الجسد“ النجس، وخارجنا ”العالم“ النجس.
كان
شأن التطبيق الذي يقدمه َحَجَّي على السؤالين للشعب أن يكون له تأثير فاحص وملامس
للواقع. فها الشعب، وقد وضعوا أيديهم
بحماس لبناء البيت، من الممكن أن يكون عندهم ميل للرضا عن الذات، وكأن كل شيء على
ما يرام. لكنهم أُخبروا أن الأمر ليس
كذلك، بل وأن أفضل ما عملوا يتسم بالنقصان وعدم الطهارة. يا له من درس للاتضاع لهم ولنا أيضًا! إذا وهبنا الرب في رحمته اليوم شيئًا من
النهضة، كم من السهل أن تزحف إلينا نجاسات الجسد. كم يمكن بشكل سريع أن نصبح مثل المسيحيين في
غلاطية الذين على الرغم من أنهم ”ابتدأوا بالروح“، مضوا نحو أن ”يُكمَّلوا بالجسد“
(غل3: 2، 3).
بعد
أن حذَّرَهم النبي من النقص الذي ميَّز عملهم، مضى ليؤكد لهم أنه برغم هذا النقص
فإن بركة الرب استقرت عليهم. وعلى النقيض من أيام من أيام النُدرة واللفح
واليرقان، التي اختبروها عندما أهملوا بيت الله وانشغلوا بتغشية وتزيين بيوتهم،
رأوا الآن يد الرب وهي تعمل لأجلهم وتعطيهم الكثير من عطايا الأرض الصالحة. هكذا
اليوم، هناك عناصر فشل ونجاسة في كل خدماتنا، ولكن على الرغم من هذا، متى كان
القلب مستقيمًا، نتوقع بركة روحية من الرب.
التكرار
اللافت لعبارة «اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ»، في هذه النبوة القصير جدير
بالملاحظة. مرتان يقول النبي في الأصحاح الأول
«اجْعَلُوا
قَلْبَكُمْ عَلَى طُرُقِكُمْ» (ع5، 7). وهنا في الأصحاح الثاني،
ترد ثلاث مرات في الأعداد 15- 18. ونجد
النبي على الأثر يقول: ”اجْعَلُوا
قَلْبَكُمْ عَلَى طُرُقِ الله“. يسعد الرب
بأن يكون لدينا قدر من الطاقة والإخلاص في خدمته، حتى ولوكان يشوبها شيء من
النجاسة والفشل. ويسعد أن يُجيب بالبركة.
لنا تعزية في هذا وسط ضعفنا وإدراكنا لفشلنا النابع من الجسد فينا والعالم من
حولنا.
يبدأ القسم الأخير بعدد
20. استعرضنا، ما أسميناه، كلمة التوبيخ،
ثم كلمة التشجيع، وتبعتها كلمة التحذير. والآن لدينا ما يمكن أن نسميه كلمة التمجيد،
الموجهة إلى شخص ”زَرُبَّابِلَ وَالِي يَهُوذَا“، الذي من سلالة داود كما يذكر متى
1: 12. العدد الأخير من الأصحاح له، بلا
شك، بعض التطبيق على الرجل(زَرُبَّابِلَ) نفسه. سيتم الإطاحة بالممالك كما تنبأ دانيال 11، لكن
سيكون هو كخاتم التوقيع الملكي الذي من خلاله يقرر الله مراسيمه. لا نعرف كيف حدث ذلك بالنسبة لزَرُبَّابِلَ، لكن
نؤمن أن ما كان يشغل الروح القدس، ليس تلك الرفعة المؤقتة لذلك الرجل، لكن الرفعة
الدائمة لمن كان يرمز إليه، الرب يسوع المسيح.
وكأننا نرى هنا في العهد
القديم ما يقوله العهد الجديد بأكثر تأكيد عن ربنا «لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ
مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»، لِمَجْدِ اللهِ،
بِوَاسِطَتِنَا» 2كو1: 20). وهنا فقط يتضح الفكر. فالمسيح ليس فقط سيحقق كل مقاصد الله المُعطاة
في مواعيده، ولكن سينجزها بكمالها وملئها حتى تتم ”الآمين” في النهاية. ويُضيف الرسول بولس كلمة ”بواسطتنا“، لأنه كان
يتناول ما وعد الله به القديسين نظيرنا اليوم.
لذلك يختم حَجَّي نبوته
بالإشارة للتمجيد العتيد لمعبودنا ومخلصنا وربنا. يقول حَجَّي ذلك من خلال رمز نموذجي قبل مجيئه
الأول في اتضاع بشري ببضعة قرون. نحن
ننتظر إتمام النبوة بطريقة مجيدة أعظم مما عرفه حَجَّي عندما يظهر في مجيئه الثاني
بمجد عظيم.