عدد رقم 5 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
النائم الذي لا ينام!  

معجزة إسكات عاصفة البحر

(مت8: 23-27؛ مر4: 35-41؛ لو8: 22-25)

بعد أن علَّم الرب الجموع كثيرًا عن ملكوت الله، وذكر لهم أمثال الملكوت، دخل في مساء ذلك اليوم السفينة هو وتلاميذه، وطلب منهم أن يجتازوا البحيرة إلى جانبها الشرقي.  والمسافة بين الجانبين تُقدر بنحو ستة أميال، تحتاج إلى ما يزيد قليلاً عن ساعتين.

ونتيجة للمجهود المضني الذي بذله هذا الخادم المثالي في ذلك النهار، فإنه بعد دخوله السفينة بقليل نام.  والشيطان ”رئيس سلطان الهواء“ كأنه استغل نوم السيد، فأهاج ريحًا شديدة على البحيرة، فهاجت الأمواج، وكانت تضرب السفينة وتغطيها حتى صاروا في خطر.

وأعتقد أن التلاميذ في البداية، وكان منهم صيادون مهرة حاولوا بكل مهارتهم مواجهة العاصفة، دون أن يُقلقوا معلمهم، لكن «كُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ» (مز107: 27)، فهرعوا إليه مستغيثين به.  واختلطت كلماتهم؛ قال بعضهم «إِنَّنَا نَهْلِكُ!»، وقال البعض الآخر «نَجِّنَا»، وقال فريق ثالث «أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟».

قام الرب، وانتهر الريح والبحر.  فصار هدوء عظيم.  ثم وبخ الرب تلاميذه على عدم إيمانهم.  فخافوا وتعجبوا قائلين فيما بينهم: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!».

مَن يستطيع أن يصف لنا خوف التلاميذ وهم وسط صخب الأمواج؟  لعل كلمات المزمور تصور بدقة حالتهم «يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى الأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالشَّقَاءِ.  يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ السَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ» (مز107: 26، 27).

وكم يكون اختبارنا في أوقات كثيرة مشابهًا إذ تعصف بنا التجارب، وتلعب بنا كريشة في مهب الريح.  لكن ألم يكن الرب معهم في السفينة؟!  أولا يكفيهم هذا!!  لماذا لم يتذكروا قول المرنم «لَوْلاَ الرَّبُّ الَّذِي كَانَ لَنَا ... إِذًا لَجَرَفَتْنَا الْمِيَاهُ، لَعَبَرَ السَّيْلُ عَلَى أَنْفُسِنَا.  إِذًا لَعَبَرَتْ عَلَى أَنْفُسِنَا الْمِيَاهُ الطَّامِيَةُ» (مز124: 1-5).  ولماذا لم يذكروا وعده القديم: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي.  إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ ... إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ» (إش43: 1-4).

  لكن هذا هو الإنسان: هكذا كانوا هم في ذلك الوقت، وهكذا نكون نحن في أوقات كثيرة.  أما هو فكيف كان؟  لقد كان كالإنسان الكامل، نائمًا!  ويا له من مثال رائع، ليتنا نحتذيه عندما تأتي علينا التجارب والضيقات كالبحر الزائر.  فلا شيء يُصور لنا سلام النفس أكثر من النوم «وَلِبَنْيَامِينَ قَالَ: حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ» (تث33: 12)، «اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ.  أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي.  إِلهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ.  لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ» (مز91: 1-3).

لقد كان يونان النبي، ذلك العبد غير المطيع، نائمًا أيضًا في السفينة المتجهة إلى ترشيش، وسط الريح العاصفة والزوبعة.  لكن الفارق كبير بين نوم ونوم.  يونان كان هاربًا من ربه، أما المسيح فكان طعامه أن يفعل مشيئة الذي أرسله ويتمم عمله.  يونان كان نائمًا في عدم مبالاة، رغم العاصفة التي أهاجها الرب عليه لعدم طاعته.  أما المسيح فقد كان نائمًا نوم الأبرار، رغم العاصفة التي أهاجها الشيطان، وقد سلم نفسه تمامًا بين يدي أبيه «بِسَلاَمَةٍ أَضْطَجعُ، بَلْ أَيْضًا أَنَامُ، لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ مُنْفَرِدًا فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي» (مز4: 8).

لقد جاء النوتية وأيقظوا يونان النبي الغير مبالي ليصرخ إلى إلهه.  وهنا جاء التلاميذ لكي يوقظوا معلمهم بتوبيخ في غير محله، دون أن يعلموا أنه ليس فقط عبد يهوه الكامل، بل أنه هو ”يهوه“ نفسه!

إن أولئك العاملين عملاً في المياه الكثيرة، الذين فرغت حيلتهم وابتُعلت حكمتهم أمام البحر الهائج، لم يعد أمامهم سوى طريق واحد ليسلكوه «فَيَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ.  يُهْدِئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا» (مز107: 28، 29).  وهذا عين ما حدث هنا.

«يَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ»، أي ”يهوه“ - فذاك الذي كان نائمًا في سلام عجيب، هو الذي يجمع كند أمواج اليم، ويجعل اللجج في أهراء (مز33: 7).  أنه لم يكن محتاجًا إلى عصا كموسى ليشق البحر، ولا إلى رداء كأليشع ليشق النهر.  بل كلمة واحدة منه كانت كافية.  لقد رأيناه ينتهر المرض فيهرب، وينتهر الأرواح النجسة فتخرج، ويأمر فتعود الروح في الحال إلى الميت.  ونراه هنا ينتهر الريح ويأمر البحر .. فيخضع الكل له في الحال!

لكن هل نرى في هذه المعجزة قدرته وسلطانه فقط؟  ألا نلمس فيها أيضًا حبه وحنانه؟!  قارن أحد المفسرين هذا المنظر بمنظر أم تحمل ابنها الرضيع على صدرها، وهي نائمة وسط الرعود والبروق والأمطار، أو وسط أصوات صفير القطار وصرير عجلاته، أو في وسط أي صوت من الأصوات المزعجة، وهي لا تسمع شيئًا، وتنام ملء العين.  لكن أصغر تنهيدة من طفلها تجعلها تستيقظ على التو.  إنها نائمة وقلبها مستيقظ مع وليدها وحبيبها .. وهكذا هنا، لم تستطع الزوبعة المخيفة أن توقظه، وكل ضجيج البحر لم يؤثر على نومه.  ولكن بمجرد أن صرخ تلاميذه إليه فإنه قام.  إنه يسمع صراخ خائفيه.  وهو لا يحلو له نوم وتلاميذه في اضطراب أشد من اضطراب البحر.

«فَقَامَ وَانْتَهَرَ»، مَن؟  التلاميذ؟  كلا، بل البحر!  وبعدها وبخ تلاميذه، لا لأنهم أقلقوه، بل لأنهم هم أنفسهم قلقوا وخافوا!

في ضعف إيمانهم قالوا له: «أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟»، ولو لم يكن يهمه هلاكنا، ما الذي جعله يأتي من السماء إلى الأرض؟  وما الذي أوصله إلى مذود بيت لحم؟  ثم جعله يسير في عالم الأتعاب حتى وصل إلى تلك البحيرة الهائجة؟  وما الذي جعله بعد ذلك يسير إلى الجلجثة، وهناك واجه بمفرده رياحًا أعتى وأمواجًا أشد، عندما نادى غمر غمرًا، وكلها على رأسه الكريم انصبت؟!

لكنه هناك هزم الشيطان ”رئيس سلطان الهواء“، وأسكت هذه المرة كل غمار الدينونة، وبعد أن ”نام“ في القبر، قام من الأموات، ومعه كلمات سلام لتلاميذه الخائفين: «سَلاَمٌ لَكُمْ!» (أف2: 17؛ يو20: 19).

وكما فعل هنا، فعل كذلك في عشية يوم القيامة «وَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ» (مر16: 14).

لكن لماذا وبخ عدم إيمانهم؟  أما كان ممكنًا أن يهلكوا؟  ألم يصف لوقا الموقف فقال إنهم «صَارُوا فِي خَطَرٍ»؟

الواقع أنه كان من المستحيل أن يهلكوا لسببين.

الأول: لأنه معهم.  وهل يقدر البحر مهما هاج أن يبتلع خالقه؟!

ثانيًا: لأنه سبق وقال لهم: «لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ».  إذًا فلا بد أنهم سيبلغون الشاطئ الآخر مهما كانت صعوبات الرحلة.

وهذان الأمران؛ وجوده معنا، وكلمته لنا، من حق كل مؤمن أن يتمتع بهما.  لقد قال «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ، حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ» (عب13: 5، 6).  وقال أيضًا إن المؤمن لن يهلك (يو3: 16، 10: 27، 28).  إذًا فشخصه وكلمته كافيان تمامًا لملء قلب المؤمن بالسلام.

ولقد لخص مرقس هذه المعجزة في كلمات ثلاث:

عن التجربة يقول: «حَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ».

وعن تداخل الرب للإنقاذ يقول: «صَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ».

وعن نتيجة هذه المعجزة يقول إن التلاميذ «خَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا».

لقد كانوا من قبل خائفين من التجربة، وهو وبخهم قائلاً: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟».  لكن الآن بدأ الخوف من نوع آخر، خوف مقدس، هو خوف الله.  وهو خوف ينهي كل أنواع الخوف الأخرى، سواء من الناس أو من الظروف «فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ ثِقَةٌ شَدِيدَةٌ» (أم14: 26).

«وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ هُوَ هذَا؟».  ونحن لا نجد في هذا الفصل الإجابة على هذا السؤال لكن الكتاب المقدس كله يجيبنا عليه؛ إنه الله الظاهر في الجسد، أو هو الله وإنسان في شخص واحد.  هو النائم الذي لا ينام كما أعطينا عنوانًا لهذه المعجزة!

فالذي جاع في البرية، هو الذي أشبع الآلاف بالأرغفة القليلة في البرية أيضًا (مت4: 2، 15: 33).  والذي تعب من السفر وجلس على البئر هو الذي ينادي قائلاً «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (يو4: 6، مت11: 28).  والذي قال: «أَعْطِينِي لأَشْرَبَ»، هو الذي نادى «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ.  مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ» » (يو4: 7، 7: 37، 38).

لقد وردت هذه المعجزة في الأناجيل الثلاثة: متى ومرقس ولوقا.  ذُكرت في إنجيل متى كالمعجزة الخامسة، تالية مباشرة لأول مرة يُذكر فيها عن المسيح أنه ”ابن الإنسان“؛ «ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ».  وبعدها مباشرة يخبرنا متى أن الرب ركب في سفينة صغيرة مكشوفة (قارب)، ونام وسط بحر مضطرب هائج.  إنها المرة الوحيدة في حياته التي نقرأ عنه أنه أسند رأسه.  أما المرة الثانية فكانت بعد موته على الصليب «نَكَّسَ (أسْنَدَ) رَأْسَهُ» (يو19: 30).

هي المرة الوحيدة التي فيها أسند رأسه ليستريح قليلاً في سفينة مكشوفة، وسط بحيرة هائجة، بعد نهار مضني.  فهل تركوه ليستريح؟  كلا.  لقد تقدم تلاميذه وأيقظوه!

أما مرقس - وهو البشير الوحيد الذي ذكر هذه المعجزة في وضعها التاريخي الصحيح، فقد ذكرها بعد المَثَل الذي انفرد مرقس بذكره، مثل المزارع النائم، الذي أوضح الرب فيه أنه بعد أن ألقى البذار على الأرض، ينام ويقوم، وكأنه غير مبال.  لكن أ لعله حقًا غير مبال؟!  أليس هو المسيطر على كل الأمور؟!

ولهذا فإنه بعد أن أعطاهم الدرس نظريًا، قال لهم في المساء لنجتز إلى العبر.  أي لندخل إلى المعمل لإجراء التجربة.  ونام في السفينة.  واستغل العدو الفرصة وأهاج الرياح والبحر.  لكن ثبت أن الرياح المعاكسة والبحر الهائج، ليسا إلا فرصة ليتمجد بها الرب، إذ يجعلانا نلجأ إليه، ونقترب منه أكثر، ونعرفه أكثر.

أما في إنجيل لوقا، فقد جاء ذكر هذه المعجزة تاليًا مباشرة لقول الرب: «أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا».  هذه هو تقدير الرب للمؤمنين به.  لكن تُرى ما هي الظروف التي سيمرون بها؟  أ لعلهم معفون من الصعوبات؟  على العكس، إنهم هدف لمضايقات العدو.  لكنهم في حمايته هو شخصيًا.  ولهذا يرد القول: «دَخَلَ سَفِينَةً هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ» وهذا حدث «فِي أَحَدِ الأَيَّامِ».  فرحلة الحياة مليئة بالتقلبات والاضطرابات.  لكن طالما نحن للمسيح ومعه، فما الذي يرعبنا؟  أيمكن أن أحدًا من المؤمنين الحقيقيين يهلك، طالما أن الرب بنفسه معنا؟!  حقًا ما أشر فكر كهذا!

إن المياه تصور لنا «شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ» (رؤ17: 15).  والبحر المضطرب صورة للأشرار (إش57: 20، مز65: 7).  وعليه فإن السفينة التي فيها التلاميذ مع المسيح هي صورة لبني الملكوت، وهم مجتازون في هذا العالم المضطرب، ولا سيما في الفترة العصيبة المزمع أن تأتي على العالم بعد اختطاف الكنيسة، حيث «اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ» (لو21: 25، 26؛ مز93: 4).  لكن الرب سيستمع إلى صرخات استغاثة البقية (مز10: 12، 17: 13، 44: 33، 74: 22، ...).  ولا بد أن يقوم ليهدئ عواصف البحر، ويؤسس ملكوت السلام السعيد (مز68: 1، 30؛ إش33: 3، 10).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com