(يو5:
24)
- هل انتقلت من الموت إلى الحياة؟
*
ماذا تقصد؟ هل تقول إني ميّت؟ ها أنا أحيا وأتحرك وأتنفس وأمارس حياتي اليومية
بشكل طبيعي. أستيقظ كل صباح، أذهب إلى
عملي، أقوم بدوري في المجتمع الذي أعيش فيه. أتحلى بصفات طيبة، لا أُسيئ إلى أحد، محبوب من
الجميع، عضو نشيط ونافع لأسرتي وللمجتمع، وليّ تأثير إيجابي على كل من حولي،
ليكونوا هم أيضًا نافعين ومؤثرين. لديَّ
الكثير من شهادات التقدير من جهات عديدة، ناجح في كل ما أقوم به، ولديّ من المال
ما يكفيني وأكثر، أدخّر للمستقبل، أساعد الفقراء والمحتاجين، وأشعر بالسعادة
والرضا بما أقوم به.
أبعد كل هذا تقول لي أني ميّت؟! ربما قلت هذا لأنك لا تعرفني جيدًا، ولكن بعدما
أخبرتك بكل هذا عن نفسي، فبالتأكيد الآن ستغير كلامك عني، صح؟
-
لا يا عزيزي، ما تقول ليس صحيحًا، فأنا مازلت على كلامي: أنت ميّت.
*
ماذا تقول؟!
-
نعم، مازلت عند رأي.
*
ماذا تقصد؟
-
ما أقصده هو ليس رأيي أو كلامي أنا، بل إنه تقرير الله في الكتاب المقدس، الذي هو
كلام الله، عندما قال لآدم: «يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ» (تك2: 17).
لقد أكل آدم من الشجرة، وسقط في خطية
العصيان، وانفصل روحيًا عن الله، فأصبح ميّت روحيًا «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ
كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ،
وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ،
إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ» (رو5: 12).
ويُقرر الرسول بولس في أفسس 2 أننا
أموات بالذنوب والخطايا التي نسلك فيها، نسلك بحسب سلطان إبليس، الذي هو الروح
الشرير الذي يعمل في الإنسان العاصي لله، الذي انفصل عن الله بالخطية، فأصبح ميتًا
روحيًا، حتى وإن بدت عليه كل علامات الحياة والنشاط الذي ذكرتها في وصفك لنفسك.
دعني أوضح لك قليل من كثير مما فعلته
الخطية في الإنسان، وهو ما نجده في رسالة رومية الأصحاح الثالث، والجميع سواءٌ
فيه، كما يُقرر الكتاب المقدس:
«كَمَا هُوَ
مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ.
لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ
مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ.
حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ
الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ. وَفَمُهُمْ
مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ
سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي
طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ
السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ
خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ»
(رو3: 10-18).
هذا بعض مما فعلته الخطية في
الإنسان.
* لكن هذا الكلام لا ينطبق عليّ.
- لا يا عزيزي، لا يوجد إنسان واحد، منذ أن سقط آدم إلى يومنا
هذا، مُستثنى من أن يكون له حتى ولو واحدة من هذه الصفات، وأنا أتكلَّم هنا عن
نظرتنا الإنسانية لحالة الإنسان، فنحن ننظر إلى الإنسان من الخارج ونحكم عليه بحسب
الظاهر من تصرفاته، وأعماله، فيبدو لنا أن فيه حياة، ولكنه في الحقيقة ميّت
بالذنوب والخطايا «إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله» (رو3:
23).
لقد أهان الإنسان الله بسقوطه في
الخطية، وذلك لأن الله «خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ
اللهِ خَلَقَهُ» (تك1: 27). لقد أعطى الله
الإنسان أيضًا السلطان على كل الخليقة، وجعله تاجًا لها، فبدلاً من أن يعيش
الإنسان ويتمتع بحضرة الله، والشركة معه، وينعم بكل ما وهبه الله له في خليقته،
ويعيش في طاعة وخضوع لله. لكنه، بكل آسف، سقط في العصيان، وفَقَدَ مركزه الذي
ميّزه به الله، وانفصل عن الله، وهذا هو الموت الروحي.
وهكذا نتعلَّم من المكتوب:
«هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ،
يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى
شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ» (تك5: 1).
ونقرأ عن آدم بعد سقوطه أنه «وَلَدَ
وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ» (تك5: 3).
فآدم خُلِقَ على شبه الله، لكنه لم
يحفظ ذلك المركز وسقط. وعندما عرف آدم
امرأته ولد ولدًا على شبهه وصورته، أي مولود بنفس طبيعة آدم الساقطة. أي أن الإنسان، المولود من آدم، مولود وفي
داخله الطبيعة الساقطة (الخاطئة) التي ورثها منه.
وعلى مرّ التاريخ والأزمنة المتعاقبة ظهر شرّ وفساد الإنسان، وتفنن كيف
يعيش بالانفصال عن الله، واخترع لنفسه اختراعات ليجد لنفسه سُبُل الراحة
والاكتفاء، ليولد لديه الشعور بالرضا عن النفس والاستقلال التام عن الله.
وكما يقول أيوب عن الإنسان وهو في
سَكرة الموت الروحي، وهو لا يدري بحالته أنه ميّت روحيًا «يَحْمِلُونَ الدُّفَّ
وَالْعُودَ، وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ. يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ ... فَيَقُولُونَ
ِللهِ: ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ. مَنْ هُوَ الْقَدِيرُ حَتَّى نَعْبُدَهُ؟ وَمَاذَا نَنْتَفِعُ إِنِ الْتَمَسْنَاهُ؟» (أي21:
12-15).
فهل فهمت يا صديقي المعنى الحقيقي
للموت؟ إني لست أقصد الموت الجسدي، ولكن
المقصود هو الموت الروحي، أي الانفصال عن الله.
* أنا لم أكن أفكر بهذه الطريقة من قبل. إذًا كيف أنتقل من الموت إلى الحياة؟
- عندي لك خبر سار، أن الله يقدم لك الحياة، بالولادة من فوق،
الولادة من الله بالروح القدس «إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ
وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (يو3: 5)، وأيضًا «بِهذَا
أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ
إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ» (1يو4: 9).
لقد اتى الرب يسوع كإنسان «أَخْلَى
نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ،
وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ» (في2: 7، 8). وإذ كنا أمواتًا بالذنوب والخطايا، أي عاجزين
عن أن نعمل أي شيء، فالميّت لا يستطيع إقامة نفسه «اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ
فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،
وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ، بِالنِّعْمَةِ
أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ - وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي
السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (أف1: 1-6).
فالله محبة، وأراد أن يُظهِر هذه
المحبة، ليس بالكلام، ولكن بالعمل، ولأنه غنيُّ في الرحمة، شاء أن يمنع عنّا
العقاب والدينونة الأبدية التي نستحقهما.
(1) «أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ»؛ أي
أعطانا حياة، وهذه الحياة هي في ابنه.
(2) « أَقَامَنَا مَعَ الْمَسِيحِ».
(3) «أَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي
السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ».
وهكذا «اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ
بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا» (رو5: 8).
«لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ،
وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.
لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ» (أف2: 8، 9).
فأعمالي لا تُعيد ليّ الحياة، ولا ترجع ليّ الشركة المقطوعة
مع الله بسبب الخطية. ولكننا عندما
نَقبَل، بالإيمان، ما قدَّمه الله، ونؤمن بابن الله، تكون لنا حياة، لأن «الَّذِي
يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ
لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ الله» (يو3: 36).
ومما تقدم نرى أن الله يُقيم من الموت ويعطي حياة، لكي نكون
شركاء الطبيعة الإلهية، ولأن «كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ
لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى» (2بط1: 3). إن قدرته الإلهية تهبنا أن نعيش بالتقوى،
ونستطيع أن نهرب من الفساد الذي في العالم بالشهوة، ونصير خليقة جديدة في المسيح. «لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي
الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ
نَسْلُكَ فِيهَا» (أف2: 10).
ليتك يا عزيزي تكون قد فهمت المعنى الصحيح للحياة التي يهبها
الله، وعندئذ تظهر أعمالك أنها بالله معمولة.
فأعمالي لا تعطيني حياة، ولكن نوالي الحياة يُعطيني أن أعمل ما يُرضي الله
ويُسِّر قلبه. لقد جاء ربنا ككلمة الحياة،
وأُظهِرَت هذه الكلمة لتُعطينا حياة من نوع مختلف، أعظم بكثير مما كانت لآدم وهو
في الجنة، لكي تكون لنا شركة مع الله الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
أشرف صبحي