عدد رقم 5 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
بَيْتُ عَنْيَا  

«يُوجَدْ مُحِبٌّ أَلْزَقُ مِنَ الأَخِ» (أم18: 24)

(3)

قبل الفصح بستة أيام (مر11:1112، 19-20؛ يو1:12-8):

كان الجمع يهتف له « أوصنا مبارك الآتي باسم الرب» بينما كان داخلاً إلى أورشليم.  ولكن بالرغم من هذه الحفاوة التي استقبله بها الشعب، لم يفتح أحد في المدينة المقدسة بابه ليقبله.  لذلك « لما نظر حوله إلى كل شيء إذ كان الوقت قد أمسى خرج إلى بيت عنيا مع الاثني عشر» (مر11:11). هناك كان مأوى له (ع19،20)، حيث استطاع أن يقضي بضع ساعات أُخَر، بعيداً عن البغضة التي كانت تحيط به.

هناك في بيت عنيا، قبل الفصح بستة أيام صنعوا له عشاء.  كان هذا هو اليوم الأول من الأسبوع، اليوم الذي قُدس فيما بعد، الذي تمت فيه قيامته من الأموات، وظهوره وسط تلاميذه المجتمعين. «  فصنعوا له هناك عشاء».  " ومهما بدت شخصية لعازر بارزة في أعين الكل، لكن العشاء لم يعمل تكريماً له، بل تكريماً لذاك الذي أقامه من الأموات.  ويغفل الروح القدس ذكر من هم الذين صنعوا العشاء.  أن النشاط البشري الذي أعد العشاء قد سُتِر؛ لكي تلمع تلك الحقيقة العظيمة أنه كان هناك عشاء صنع له وحده"(3).

كان التلاميذ هم الذين أعدوا الفصح « أين تريد أن نمضي ونعد لتأكل الفصح» (مر12:14)، لكن ألم يكن في الواقع هو الذي أعد عشاء بيت عنيا الذي يذكرنا بمائدة الرب؟

أن لعازر ومرثا ومريم " يقدمون لنا في ثلاث شخصيات المبادئ الثلاثة التي تكوِّن الحياة المسيحية في بيت الله، وهي الشركة والخدمة والسجود"(3).

« وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه» (يو2:12) " فمع أنه حاز حياة جديدة بالقيامة من الأموات لكنه يبقى « الميت». من جهة حياته السابقة  انتهي بالموت، وهاهو الآن يعيش حياة لا علاقة لها بحياته القديمة"(3).  كان أحد المتكئين معه، وبدونه لم يكن له أي حق في أن يشترك في عشائه.  يالها من شركة ثمينة للنفس مع مخلصها تحققت على مائدته!  لاشك أن هناك أيضاً التمتع بشركة القديسين، تلك الرابطة العظيمة التي توحِّد جميع أولاد الله، لكن هنا في المقام الأول تبرز لنا الشركة معه.  ياله من نصيب مبارك أن نكون متكئين معه - ربما بدون كلمة - متمتعين بشخصه وبمحضره والشركة معه!

« كانت مرثا تخدم».  قديماً كانت خدمتها لها المكان الأول، لم تكن قد تعلمت أنه قبل أن تعطي للرب يجب أن تأخذ منه.  أما في ذلك الوقت فكانت في المكان المناسب.  لم يقل عنها إنها كانت تخدمه هو أو تخدمهم هم مثل حماة بطرس (مت15:8،31:1).  لاشك أن خدمتها كانت للرب ولمن معه.  وفي الوقت الحاضر، كيف نخدمه إن لم يكن في ذويه، وفي النفوس التي لازالت بعيدة عنه وتحتاج إليه كالمخلص؟

كانت مريم ملآنة بالمحبة لشخصه، ودون أن تقول كلمة أخذت أثمن ما تملك « مناً من طيب ناردين خالص كثير الثمن» وسكبته على قدمي يسوع.  كان ثمنه « ثلاثمائة دينار» تعادل أجر العامل في سنة كاملة. أما هي فلم يكن لديها شيء تعزه على الرب.  وفي الأناجيل الأخرى نراها تسكب الطبيب على رأسه، رأس الملك في إنجيل متى، ورأس الخادم في إنجيل مرقس، أما هنا في إنجيل يوحنا فسكبته على قدمي ابن الله، فامتلأ البيت من رائحة الطيب.  لقد كان مزمعاً أن يموت، وكانت هي في محبتها تشعر بذلك مسبقاً.  لقد جاءت في صباح يوم القيامة نساء « حاملات الحنوط الذي أعددنه» (لو1:24).  ولكن كان الوقت قد تأخر، لأنه سبق وقام.  أما مريم فكان في الوقت المناسب، كما يقول الرب « إنها ليوم تكفيني قد حفظته» (ع7).

في يوم مجده، سيحيط جميع المفدين بالخروف المذبوح، وسيرنمون الترنيمة الجديدة، ولكل واحد قيثارات (أو قيثارة) وجامات من ذهب مملوءة بخوراً (رؤ8:5-9).  لن يخفت صوت أحد في هذا الترنيم، في حين أنه الوقت الحاضر مرفوض، وكثيرون من ذويه (مثل التسعة رجال البرص في لوقا 17) ينصرفون مكتفين بأنهم قد خلصوا، ناسين أنه يجب عليهم أن يأتوا عند قدميه ليشكروه!  ألا يُقدِّر هو بصفة خاصة هذا التسبيح وهذا السجود الذي يتدفق من قلوب شاكرة، فيعطر كل البيت، كما أفاح ناردين مريم رائحته؟

إنه الوقت الآن على الأرض الذي نستطيع فيه أن نخبر بموته وأن نذكره كما طلب هو.  أما في السماء فسيكون الوقت قد فات  لتحقيق رغبة قلبه هذه.

ياله من بلسان لقلب الرب أن يجد في بيت عنيا مرة أخرى، وإلى حد كبير، الرقة والفهم اللذين قلماً وجدا في طريقه (مز20:69).

الصعود (لو 50:24-53):

لماذا اختار الرب بيت عنيا ليقضي فيها اللحظات الأخيرة من الأربعين يوماً التي كان يظهر خلالها علي فترات متقطعة في وسط تلاميذه على الأرض؟  لم يصعد إلى السماء من أورشليم مدينة الملك العظيم التي مع ذلك قد رفضته، ولا من الجليل التي كانت شاهدة لخدمته، والتي طلب أن يذهب إليها التلاميذ (إخوته) ليروه هناك ويؤكد لهم حقيقة قيامته. بل من بيت عنيا حيث لمع مجده بصورة ملحوظة.  « ورفع يديه وباركهم» إنها الرؤية الأخيرة والسامية التي كانت ستبقى تذكاراً لمخلصهم المحبوب لأنه « فيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء».

وماذا يبقى لهم ليعملوا؟  « فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله».

ونضيف إلى ذلك أنه هناك على جبل الزيتون هذا سيظهر في يوم نصرته « وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون» (زك14: 4) (الذي تقع بيت عنيا في سفوحه).  فحيث بكى وحيث تألم وحيث لمع مجده في وسط البغضة والمقاومة، هناك سوف يأتي ثانية.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com