مريم هي واحدة من جماعة قليلة كانت
تنتظر وتترقب وصول المسيا إلى العالم. هذه
الجماعة تكلمَ عنها ملاخي آخر أنبياء العهد القديم "حينئذ كلم متقو الرب كل
واحد قريبه والرب أصغى وسمع وكُتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في
اسمه" (ملا 3 : 16 ). ومرت أربعمائة
عامٍ، وهناك أتقياء ينتظرون وصول المسيا. إلى أن نصل إلى العهد الجديد، وهناك
يطالعنا إنجيل لوقا في أول أصحاحين من بشارته بأسماء سبعة منهم بالتحديد، وهم:
زكريا وأليصابات، ثم الابن يوحنا المعمدان، و يوسف ومريم، وسمعان البار وحنة
النبية.
إذا كانت مريم أم يسوع، رغم صغر سنها،
واحدة من هؤلاء الأتقياء، وقد تحلّت
حياتها بمجموعة من الصفات الروحية الجميلة التي حري بنا أن نتعلمها:
ü
مريم
الفتاة الفقيرة:
لا نعرف كثيرًا عن أسرتها سوى أن اسم
أبيها هو هالي (لو3 : 23 )، و كانت من سبط يهوذا ومن نسل الملك داود، ومع ذلك، فقد
عاشت في الناصرة المحتقرة من اليهود وخُطبت لرجل من بيت داود اسمه يوسف كان يعمل بالنجارة، وعلى أغلب الظن كانا كلاهما
من الطبقة الفقيرة البسيطة في
المدينة. وعلى الرغم من تقواها، لكنها
كانت متضعة، إذ كانت تشعر في أعماق نفسها
بأنها لا شيء أمام إلهها العظيم.
ü
مريم
المؤمنة الواثقة:
كانت مريم عذراء لم تعرف رجلاً. وهذا معنى الاسم بالعبري "عالما" و
تترجم في الترجمة السبعينية إلى بارثينوس، باليونانية
(parthenoy) و
هذه الكلمة تعني عذراء لم تعرف رجلاً.
وقد حاول البعض أن يطعنوا في هذه
الحقيقة، فادعوا أن الكلمة هي في العبري "بتولاه" وتعني امرأة صغيرة
السن (أي أنه من الممكن أن تكون متزوجة وبالتالي أن يسوع المسيح جاء نتيجة حبل
بشري). لأنهم يرفضون عنصر المعجزة الإلهية. لكن كلمة "عالما" في كل مرة
ذُكرت في العهد القديم تُرجمت فتاة عذراء لم تتزوج برجل، (انظر: تك 24: 16؛ خر 2:
16؛ مز 68: 25؛ أم 30: 19؛ نش 1: 3، نش 6: 8؛ إش 7: 14)، 7 شواهد جاءت فيها كلمة
"عالما" أي "عذراء" بالعبري.
جاءها الملاك جبرائيل وحيّاها بالقول:
"سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب
معكِ. مباركة أنتِ في النساء". نعم، لقد اختارتها نعمة الله لتكون أُما للرب
يسوع حسب الجسد، لذا أكّد لها الملاك: "لا تخافي... لأنكِ وجدتِ نعمة عند
الله".
القول: " مباركة أنتِ في
النساء"، لأن الرب شرّفها بهذا الشرف العظيم، أن تكون هي الإناء المُختار لمجئ
المسيا. وأيضًا لإيمانها العظيم بالرب الذي ارتفع فوق الصعاب واستند على قدرة الله
العظيم. تسأله مريم عن كيف يكون الكلام الذي بشرها به جبرائيل، ولم يكن تساؤلها
سوى استفسار عن الكيفية، لكنه لم يشوبه أي عدم إيمان. ويا للفارق بين مريم وبين سارة التي عندما سمعت
من فم الرب أنها ستحبل بالابن الموعود إسحق.. ضحكت في باطنها ولم تصدق، أو زكريا
الكاهن الذي لم يصدق. أما مريم فقد
استفسرت وآمنت!!
ü
مريم
الخاضعة والمسلمة:
سمعت مريم من فم جبرائيل الملاك أنها
ستحبل بطريقة معجزية بواسطة حلول الروح القدس عليها وأن قوة العلي سوف تظللها
لحفظها في فترة الحبل، لأنه أمر يفوق العقل والقدرة البشرية أن رب المجد سيكون له
جسد في أحشائها، ثم عرفت حقيقة الشخص المولود منها، فهو القدوس المدعو ابن
الله. ثم ليشجع إيمانها، أخبرها أن
أليصابات نسيبتها هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها. ثم ختم حديثه معها معلنًا أنه "ليس شئ غير
ممكن لدى الله".
تجاوبت مريم مع هذا الكلام الذي يفوق العقل
بإيمان عظيم، قادها أن تسلم نفسها بالتمام للرب، قائلة: "هوذا أنا أمة الرب.
ليكن لي كقولك".
لكن ألم تفكر مريم في المصاعب التي
ستواجهها؟! فكيف سيراها أهل بلدتها الناصرة؟!!
وكيف سيكون موقف يوسف خطيبها منها؟!! لقد تعرض يوسف خطيبها البار لشكوك وحيرة وارتياب
عما حدث معها. حتى أنه كان يفكر في أن
ينهي علاقته بها.
ü
مريم
المبتهجة المرنمة:
اتجهت مريم مسرعة إلى نسيبتها أليصابات
الساكنة في مدينة من يهوذا في الجبال. وبمجرد
دخولها وسلامها على أليصابات، ارتكض الجنين في بطن أليصابات، وامتلأت من الروح القدس
وصرخت بصوت عظيم قائلة لمريم: مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. ثم أردفت: فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي". نعم، فمريم هي أم يسوع حسب الجسد، ويسوع هو رب الكل
وربها أيضًا.
لقد أخطأ البشر، فأطلقوا عليها: "والدة
الإله" ، علمًا بأن الإله ليس له أب ولا أم.
ولكنها أم يسوع الإنسان، وهكذا سمّاها الكتاب دائمًا.
}راجع يو 3،1:2 – مت 46:12 – يو 19
:25-27 – أع 14:1 {، ثم أخبرتها قائلة: "فهوذا حين صار صوت سلامك في أذنيّ ارتكض
الجنين بابتهاج في بطني". ثم مدحتها قائلة: " فطوبى للتي آمنت أن يتم ما
قيل لها من قبل الرب".
عندئذ ترنمت مريم بترنيمتها المشهورة
والمدونة في لوقا 1: 46-55 وفي هذه الترنيمة نلاحظ الآتي:
· إن مريم كانت رغم صغر سنها على معرفة جيدة
بكلمة الله التي بين يديها وهذا يظهر في اقتباسها الكثير من عبارات العهد القديم،
من تسبحة حنة أم صموئيل ومن سفر المزامير ومن أسفار الأنبياء.
· تردد على لسانها أسماء متعددة لله مثل:
الرب يهوه، الله: إلوهيم، القدير: إيل شداي، القدوس، وعن صفاته وأعماله: فهو
المخلص، و هو صانع العظائم، وهو الرحيم، وهو كلي السلطان وكلي القوة، و هو الثابت
غير المتغير وهو المتمم لعهوده ومواعيده.
ü
مريم
المفكرة المتأملة:
يسجّل لنا الكتاب المقدس مرات عديدة
عنها أنها - في أقوال كثيرة قيلت لها عن يسوع المسيح - أنها كانت تحفظ جميع هذا
الكلام متفكرة به في قلبها. فعند زيارة
الرعاة لها، أخبروها عما قيل لهم من الملاك عن الصبي يسوع (لو 18:2 ). ثم لما بلغ
الرب يسوع سن الثانية عشرة وذهب مع يوسف ومريم إلى أورشليم في عيد الفصح، وعند رجوعهما
بقي هو بمفرده في أورشليم وهما لم يعلما. وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالسًا
في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم، وعندما سألاه عن السبب لهذا، إذ كانا معذبين في
البحث عنه، أجابهما: "لماذا كنتما تطلبانني، ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون
فيما لأبي؟. ولم يفهما الكلام الذي قاله
لهما". ويسجل لوقا: "و كانت أمه
تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (لو 51:2 ). من جهة كل الأحداث السابقة
المسجلة في الأصحاح الثاني.
ü
مريم
المتألمة:
رافق الألم مسيرة حياة مريم، فمنذ
البشارة بولادة يسوع، تعرّضت بلا شك لشكوك
أهل بلدتها كما ذكرنا، ثم لما ذهبت مع يوسف إلى الهيكل لتقديم الذبيحة عن كل فاتح
رحم كما ذكرت الشريعة وكيف أن سمعان البار
قال لها إنه سيجوز في نفسها سيف.
ثم لما بدأ خدمته وجاءت هي مع إخوته
يطلبونه. قال مشيرًا إلى تلاميذه: ها أمي وإخوتي..." (مت 12 :46 – 50).
ثم عند الصليب، من يمكنه أن يتصور ألم
نفسها الرهيب وهي ترى ابنها الخارج من أحشائها معلقًا كأشر المجرمين على الصليب، وجسده
كله ينزف دمًا والجموع تستهزئ به وتجدف عليه، وهي ترى على وجهه الحزن الرهيب وتسمع
أناته وعباراته المؤثرة جدًا، لقد كان قلبها يعتصر ألمًا، ثم تعرف أنه أسلم الروح
ومات!! لا شك أنها امتلأت بالتساؤلات المقترنة بالألم الشديد: أين ما قيل عنه من
الملاك لها: أنه سيكون عظيمًا و ابن العلي يدعى وأنه يعطيه الرب الإله كرسي داود
أبيه، بل هو الملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. أين كل هذا؟!
وكيف سيتحقق كل هذا؟!! ولهذا السبب، فإن الرب يسوع العالم بما يجول في خاطرها والعارف
بكسرة قلبها، أودعها إلى يوحنا الحبيب ليعتني بها كأمه.
لكن دعونا لا ننسى أن الرب يوم قيامته،
بدّد كل أحزانها وأحزان بقية المريمات والتلاميذ، إذ جميعًا رأوه حيًا أمامهم.
ü
مريم والرب
يسوع في حياته وخدمته:
مواقف كثيرة مدونة في البشائر تظر لنا
موقف المطوبة مريم من الرب يسوع وموقفه منها في خلال حياته.
v مثلاً
الرب يسوع ويوسف ومريم في الهيكل لما كان للرب يسوع اثنا عشر عامًا:
في
لوقا 41:2 كما ذكرنا سابقًا، لما قالت له مريم بعد رحلة بحث شاقة لمدة ثلاثة أيام:
"يا بنيَ لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين!!" وكأنها
تعاتبه عتابًا شديدًا. أما هو فبكل حزم ولطف،
قال لها: "لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما
لأبي؟". فلقد ذكرها أن أباه ليس
يوسف، كما أعلن لها جبرائيل منذ اثنتي عشرة سنة، لكنه الآب السماوي. ثم يذكر لوقا
بعد ذلك: "ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما!"، يا للروعة! يا
للكمال الأدبي! يا للجمال الإنساني!
والعبارة السابقة للرب يسوع تلقي الظل
على بقية السنين حتى معموديته من يوحنا، فقد كان هنا على الأرض ليكون متممًا
لإرادة أبيه، وخضوعه ليوسف ومريم كان متضمنًا في إرادة أبيه. وهكذا كانت كل حياته حتى نهايتها لأنه كان في
كل حين يفعل ما يرضيه (يو 8 :29).
v في عرس
قانا الجليل
في يو 2: 1-5 يقول يوحنا إنه لما فرغت
الخمر قالت أم يسوع له: "ليس لهم خمر" وأجابها: ما لي ولك يا امرأة؟ لم
تأت ساعتي بعد". فالرب يسوع مع كل
تقديره واحترامه لها، لم يقبل أن تتدخل في برنامجه الإلهي كابن الله. وهي فهمت ذلك.
ثم ذهبت للخدام وقالت لهم: "مهما قال لكم فافعلوه"، في إدراك تام
لسلطانه الإلهي.
ونلاحظ أن الرب لا يذكر عنه ولا مرة في
كل البشائر أنه خاطب مريم قائلاً لها: "يا أمي".
v أم
الرب وإخوته (مت 12 : 46-50):
كان الرب يسوع محاطًا من الجموع التي
كان يعلمها، وجاءت مريم مع إخوته ليكلموه.
ويبدو مما جاء في (مر 3: 31 -35 ؛ لو 8 :19 – 21) ،
أن الرب يسوع استغرقته الخدمة وكان يبذل كل طاقته فيها، حتى أن مرقس يسجل أنه لم
تتيسر لهم فرصة حتى للأكل، لهذا نرى مريم تبحث عنه، طالبة أن تراه وتطمئن عليه. ويسجل لنا مرقس: "ثم نظر حوله إلى
الجالسين وقال: "ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي و أختي وأمي"
(مر 3 : 34- 35).
وبهذه الكلمات، أوضح الرب أنه أصبح لا
يعترف بالربط الطبيعية التي تربطه بالشعب اليهودي وأنه أيضًا ارتبط بتلاميذه في
أوثق العلاقات.
ü مريم
واقفة عند صليب يسوع (يو 19 : 25-27):
عند الصليب كانت مريم في أحلك لحظات
حياتها. فمن يتصور مشاعرها وهي ترى ابنها
الغالي يعاني الآلام الرهيبة، وترى الواقفين المتهكمين عليه، وتسمع كلمات التجديف
عليه. لكن كلمات الرب لها كانت بمثابة
شعاع نور يشرق عليها وبلسان يعالج جروحها العميقة: "يا امرأة هوذا ابنك"،
ثم قال للتلميذ: "هوذا أمك" ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته. يا
لروعة كمال الرب يسوع الإنساني! إنه لم ينسها في تلك اللحظات المرة، وأودعها إلى
من كان الإناء المناسب للعناية بها.
ü
الإشارة
الأخيرة لمريم في الكتاب المقدس:
في (أع 1 : 13) يسجل لنا لوقا أن مريم
أم يسوع وإخوته والنساء كن مع تلاميذ المسيح في العلية في أورشليم، وأنهم جميعًا
كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة.
وهكذا يسدل الستار على المطوبة مريم أم
يسوع.
(تم)