عدد رقم 2 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ  

«لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا»

(2كو4: 7).

في الأصحاح الرابع من رسالة كورنثوس الثانية، نرى بولس الخادم، بانحنائه الجسدي والنفسي.  وللأسف، ما أكثر المرات التي فيها - كخدام للرب - نُقدّم أنفسنا للمخدومين باعتبارنا عمالقة.  ولكن قيل عن إيليا: «كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا» (يع5: 17)، ففي يوم من الأيام انحنى واكتئب ومضى لأجل نفسه (1مل19: 3 )، بالرغم من شجاعته في مواجهة أَخْآبُ وإيزابل.  ويوحنا المعمدان أيضًا الذي واجه هيرودس أنتيباس المشهور بشراسته ونجاسته، ولكن المعمدان نفسه جاء وقت وانحنى وعثر في الرب.

قبل أن يتكلَّم بولس عن نفسه كأنية خزفية، تكلم باتضاع عن أن حياته كانت مثل الأرض الخربة الخالية في تكوين 1: 1، ولكن «اللهَ الَّذِي قَالَ: أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ » (2كو4: 6).  وكأنه يقول إن أي نور يظهر في حياته هو نور المسيح، ولكن حياته قبل الإيمان كانت ظلمة.  وهو قد شهد عن حياته فقال: «أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا» (1تي1: 13).

والأمر الثاني أنه – باتضاع شديد - أشار إلى محدوديته كإناء خزفي، فقال: أنا إناء خزفي، لكن رغم هشاشته ومحدوديته وضعفه، لم يُعطل إعلان حياة المسيح ومجد الإنجيل.  أن المسيح، بقوته وحياته، بالينابيع التي تفيض منه، هو الكنز داخل هذا الإناء الخزفي «تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ» (يو7: 38).

كم من المرات نقول للرب: يا رب هل أنت لست راضيًا عن تكريسي أو عن خدمتي؟  هل أنت تريدني التوقف؟  ونجد أن الرب يقنعنا مع الأيام أن الصعاب هي غذاء الإيمان.  فالكنعانية التي كانت تعاني من تجربة ثقيلة بخصوص ابنتها الوحيدة التي صرخت إلى الرب لأجلها، هي التي سمعت من الرب: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ» (مت15: 28).  فبالتجارب تثقل شخصياتنا ومواهبنا وتخرج البركات لنا ولشعبه الرب العابر.

الإناء الخزفي يذكرني بقصة الجرة المشروخة، حيث وجد ساقي الملك أن هناك جرة من الجرتين مشروخة ويُفقَد جزء من الماء بسبب الشرخ الذي فيها، لكنه لم يتخلص منها، بل زرع في اتجاهها بذورًا وورودًا، وهي التي نمت وصارت لها قيمة، ومظهر جميل ورائحة عطرة، لدرجة أنها تصلح أن توضع في مائدة الملك نفسه!

تكلم بولس عن الانحناء النفسي، فقال: «مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ» (2كو4: 8)؛ أي هناك مواقف نمر بها تخنقنا، لكن الرب يعطينا رحابة صدر واحتمالاً، بل ويعطي طاقة للاحتمال «مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ»؛ أي تسمح حكمة الله بأن نمر بأمور لا أمل فيها، ولا يوجد حل ظاهر، لكن الرب يعطي رجاء «سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1كو10: 13).  قد لا يكون هذا المنفذ بحسب طموحاتنا لنخرج من التجربة، بل قد يكون طاقة من النور وشعاع أمل يُشعرنا الرب من خلاله أن الدنيا ليست بالسواد الذي يصوره لنا العدو.

«مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ»، حتى في مقاومة خدمتنا التي قد تصل للاضطهاد، نختبر معية الرب العظيمة لنا وحفظه ونختبر القول: «يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ» (مز91: 15).  فإن كان لا يوجد خادم لم يتعرض لمقاومة وهذا ما وضحه استفانوس في خطابه في أعمال 7 عندما برهن عن مقاومة إخوة يوسف له، ورفض الشعب لموسى، وصولاً لرفض الرب نفسه عندما جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو1: 11).  وعندما قال كاتب العبرانيين عن الرب: «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» (عب2: 18)، كان يتكلَّم عن معاناة الرب مع خاصته ورفضه منهم، لهذا هو يقدّر تمامًا عمق هذه النوعية من الألم.

«مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ»، قد نظن أنها النهاية، لكن الرب يبقينا ونأخذ معونة من الرب لنكمل الرحلة، كما قال بولس في موضع آخر: «فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ» (أع26: 22).

والخادم يستمر في عمل الخير.  وعليه أن يخرج خارج دائرة أحزانه وآلامه «فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ، (ويستمروا) فِي عَمَلِ الْخَيْرِ» (1بط4: 19)، فلا نقول لو كان الرب راضيًا عن خدمتنا، يسهل لنا الطريق!  لكن لنخرج خارج دائرة أوجاعنا والرثاء للنفس، ونخدم الرب فيمن حولنا.

وفي بقية الأصحاح سجل بولس عبارات تؤكد الفكرة أنه يُسلَّم للموت، وكلما عمل الموت في الخادم، عملت الحياة في المخدومين، وحتى ولو وصلت للموت الجسدي، ليست هي النهاية فهناك قيامة من الأموات.

«حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا.  لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ.  إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا، وَلكِنِ الْحَيَاةُ فِيكُمْ.  فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب: آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا.  عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ.  لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِكَيْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ، تَزِيدُ الشُّكْرَ لِمَجْدِ اللهِ» (ع10-15).

فإذا كان الرب ضحى بالثمين، فليتنا نضحي بالزهيد.  أحيانًا نخاف على صحتنا من الإتلاف وننسى أن الرب لم يقدم صحته أو شبابه فداء لنا، بل قدم نفسه!  فالواقع يقول إننا لن نبقى للأبد شبابًا، فسيأتي وقت نقول فيه: أيام ما كنا شباب، «لأَنَّ الْحَدَاثَةَ وَالشَّبَابَ بَاطِلاَنِ» ( جا11: 10)، ولن نحتفظ بصحتنا للأبد.

هناك قصة تقول عن جندي جاهد باستماتة في حرب لنصرة بلاده، ولكنه جُرِحَ جرحًا غائرًا، فالملك رغبة في تكريمه، أمر بعلاجه من الأطباء الخاصين به، وشُفِي.  وبعد ذلك حدث حرب أخرى ولم يكن فيها، فسأل عنه الملك وظن الملك أنه مات، لكن كانت المفاجأة أنه غير موجود لأنه ابتدأ يخاف على صحته، وهكذا حال الكثيرين منا يدخرون الصحة، ظانين أنه من الممكن الحفاظ عليها للأبد.

وفي الجزء الأخير من هذا الأصحاح (2كو4)، يوضح الرسول أن الإنسان الداخل، والشخصية تلمع يومًا وراء الآخر، حتى وإن كان الخارج يفنى.

ومن التشجيعات للمؤمن المتألم: إن الضيقة حتى وإن كانت ثقيلة، فهي خفيفة في ضوء ثقل المجد.  والضيقة حتى وإن طالت فهي وقتية في ضوء المجد الأبدي.  والضيقة لا تصبح ضيقة في ضوء المجد المرتقب «لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا» (ع17).  ويَختم الأصحاح بنظارة الإيمان التي ترى ما لا تراه العين البشرية «وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ» (ع18).  قد يكون بالنظرة البشرية هناك خسائر، لكن نظرة الإيمان تراها مكاسب، مثلما قال بولس: «إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ» (في3: 8).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com