الأصحاح الثاني
(3)
تنوّع اللَّذات والملذات
ذكرنا فيما سبق أن هذا الأصحاح يُمكن تقسيمه بسهولة إلى 3 أقسام طبقًا لتكرار عبارة «الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع11، 17، 26).
وتحدثنا في عددنا السابق عن القسم الأول: بُطْل الإنجازات (ع1-11). ونتحدث في عددنا هذا عن:
القسم الثاني: بُطْل الحكمة
بسبب الموت
(ع12-17)
في هذا القسم يعود سليمان مرة أخرى إلى الحكمة، بمنظور منطقي وعملي، مُتكلمًا
عن أن الموت يُلقي بظله الكئيب على كل إنجازاته؛ فها هو ينتظر الموت الذي يحدث
للجميع بدون استثناء، فهكذا يقول: «اَلْحَكِيمُ ... الْجَاهِلُ ... عَرَفْتُ أَنَا أَيْضًا أَنَّ حَادِثَةً
وَاحِدَةً تَحْدُثُ لِكِلَيْهِمَا» (ع14).
فبعد أن أُحبِطَ وخاب أمله فيما وجده،
وفيما لم يجده،
في اختباراته مع مسرات الحياة، ومع الإنجازات والممتلكات، يتحول سليمان مرة أخرى
إلى استخدام حكمته وفهمه وإدراكه، فيقول: «ثُمَّ الْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الْحِكْمَةَ
وَالْحَمَاقَةَ وَالْجَهْلَ» (ع12).
ربما كان يفكر
في مراجعة ما فكر فيه
بالفعل عندما ”وَجَّهَ قَلْبِه
لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ“ (جا1: 17).
بينما يتأمل في كل ما فعله، يطرح على نفسه سؤالاً: «فَمَا الإِنْسَانُ الَّذِي يَأْتِي
وَرَاءَ الْمَلِكِ الَّذِي قَدْ نَصَبُوهُ مُنْذُ زَمَانٍ؟»، أو ”وَرَجَعْتُ أُمْعِنُ التَّفْكِيرَ فِي
الْحِكْمَةِ وَالْجُنُونِ وَالْحَمَاقَةِ، مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْمَلَ
الْمَلِكُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلْتُهُ؟“ (ع12).
لقد استنفد جميع
سبل البحث، ولن يكون لدى أي إنسان الحكمة والإمكانيات للذهاب إلى أبعد مما ذهب
إليه، أو التعمق أكثر مما فعل.
ويُقرّر سليمان أنه في حين أن الحكمة قاصرة وعاجزة عن أن تُقدِّم إجابات عن معنى
الحياة، إلا أنه يُسجل «فَرَأَيْتُ أَنَّ لِلْحِكْمَةِ
مَنْفَعَةً أَكْثَرَ مِنَ الْجَهْلِ، كَمَا أَنَّ لِلنُّورِ مَنْفَعَةً أَكْثَرَ
مِنَ الظُّلْمَةِ» (ع13)، وهكذا أكد هو أيضًا فيما بعد أن «اَلنُّورُ حُلْوٌ، وَخَيْرٌ
لِلْعَيْنَيْنِ أَنْ تَنْظُرَا الشَّمْسَ» (جا11: 7). في حين يُنظَر إلى الظلام على أنه ينذر بالشر «ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مُدَّ يَدَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ
لِيَكُونَ ظَلاَمٌ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، حَتَّى يُلْمَسُ الظَّلاَمُ. فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ فَكَانَ ظَلاَمٌ
دَامِسٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» (خر10: 21، 22). كما أن الظلام أيضًا يُمثل عباءة أو رداء للشر: «وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى
الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ
أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً» (يو3: 19). ومن البداية «رَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ» (تك1: 4). وكما أنه هناك مفارقة هائلة بين النور والظلام، هناك أيضًا فجوة
هائلة بين الحكمة والحماقة (الجهالة)، واسعة مثل تلك التي بين الخلاص والهلاك.
ويسترسل سليمان في الحديث عن المفارقة بين الرجل الحكيم والرجل الجاهل «اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ،
أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ» (ع14).
يستخدم الرجل
الحكيم عينيه للاستكشاف والإدراك، لكن الأحمق يمضي كما في الظلام.
وكم هو محزن أن جميع البشر لا يستخدمون الحواس التي أعطاهم إياها الله
ليروا بوضوح الطريق الذي يسلكون فيه. كما أنهم لا يستخدمون كلمة الله كما فعل المرنم
الذي قال: «سِرَاجٌ
لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي» (مز119: 105).
ولكن المأساة المُحزنة هي أن جميع الرجال؛ الحكماء والجهال، على السواء، سوف
يختبرون حدثًا مشتركًا، ويلاقون مصيرًا واحدًا: الموت! فبسبب دخول الخطية، الموت هو تعيين إلهي ولا مفر منه «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا
بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ
الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ
الْجَمِيعُ» (رو5: 12)، وهكذا «وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً
ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ» (عب9: 27). إن الموت لا يحترم الأشخاص سواء كانوا حكماء أو جهال «فَقُلْتُ فِي قَلْبِي: كَمَا يَحْدُثُ لِلْجَاهِلِ كَذلِكَ
يَحْدُثُ أَيْضًا لِي أَنَا. وَإِذْ ذَاكَ، فَلِمَاذَا أَنَا أَوْفَرُ
حِكْمَةً؟» (ع15). في اكتئابه يقول سليمان مرة أخرى استنتاجه القلبي: «قُلْتُ فِي قَلْبِي: هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ» (ع15).
والحقيقة الصارخة عن عمومية الموت وحتمية الموت، ستكون موضوعًا متكررًا في فكر
سليمان، طوال السفر، وبالتالي لها تأثير كبير في بحثه عن معنى الحياة. ونلاحظ أن سليمان يتكلَّم عن حتمية الموت كثيرًا في سفر
الجامعة، وأن هذه المشكلة تؤرقه كثيرًا (جا1: 4؛ 2: 14-17؛ 3: 18-20؛ 5: 15، 16؛ 6: 6؛ 8: 8؛ 9: 2، 3؛ 12: 7، 8). وطالما أن كلا من الحكيم والجاهل سيموتان، فما قيمة الحكمة
إذن؟ هكذا يتساءل حكيم الدهور!
لقد بدأ الأصحاح بالاستنتاج المُتعلّق بالفرح والمتعة «هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ» (ع1).
وفيما يتعلَّق
بالممتلكات والإنجازات وما حصل عليه من عمله وتعبه، أكَّد سليمان نفس الاستنتاج «الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ،
وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع11).
وعندما فكر في عمومية الموت وحتميته، استخدم مرة أخرى كلمة ”بَاطِلٌ“؛ «هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ ... الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع15، 17). هذه الكلمة: ”بَاطِلٌ“، التي غالبًا ما تترجم ”بخار (HEBEL)“ أو ”فراغ“ أو ”هباء“ أو ”بلا طائل“، ها هي تتدفق الآن من قلمه بانتظام طوال
هذا الفصل، وتنتشر في بقية السفر (جا2: 19، 21، 23، 26؛ 3: 19؛ 4: 4، 7، 8، 16؛ 5: 7، 10؛ 6: 2، 4، 9، 11، 12؛ 7: 6، 15؛ 8: 10، 14؛ 9: 9؛ 11: 8، 10؛ 12: 8).
وكان سليمان قد لاحظ بالفعل أن ذاكرة البشرية قصيرة جدًا، فلا أحد يتذكر الذين
سبقونا، وكذلك الذين يأتون بعدنا لن يتذكرهم أحد من الذين يأتون بعدهم «لَيْسَ ذِكْرٌ لِلأَوَّلِينَ. وَالآخِرُونَ أَيْضًا الَّذِينَ
سَيَكُونُونَ، لاَ يَكُونُ لَهُمْ ذِكْرٌ عِنْدَ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَعْدَهُمْ» (جا1: 11). والآن يدرك أن مثل هذا النسيان سيؤثر على كل من الحكيم والجاهل،
فإن الحكيم كالجاهل، لا يدوم ذكرهما إلى الأبد، وفي الأيام الآتية كلاهما يُنسى. ويا للأسف، كيف يموت الحــكيم كالجاهل! «لأَنَّهُ لَيْسَ ذِكْرٌ لِلْحَكِيمِ
وَلاَ لِلْجَاهِلِ إِلَى الأَبَدِ. كَمَا مُنْذُ زَمَانٍ كَذَا الأَيَّامُ
الآتِيَةُ: الْكُلُّ
يُنْسَى. وَكَيْفَ
يَمُوتُ الْحَكِيمُ كَالْجَاهِلِ!» (ع16).
ربما كان من
المتوقع أن تستمر ذكرى الحكيم، ولكن بعد حياة قصيرة نسبيًا، سرعان ما يتم نسيان الجميع
الرجال.
مثل هذه الأفكار الحزينة ملأت سليمان بخيبة أمل مريرة ولذلك قال: «فَكَرِهْتُ الْحَيَاةَ» (ع17).
لقد رأى أن كل ما يُعمل تحت الشمس رديء في نظره، وكله بلا معنى، وكأنك تقبض
على الريح «لأَنَّهُ
رَدِيءٌ عِنْدِي، الْعَمَلُ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع17)، ولذلك كرَّر استنتاجه «أَنَّ الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ
الرِّيحِ» (ع17). يا لها من حالة ذهنية مروعة ومحبطة ، ومع
ذلك يبدو أنها تصيب أولئك الذين يفكرون بعمق في الحياة ومعناها، بدون معرفة الرب يسوع المسيح. وهكذا وكأن سليمان يُصرّح قائلاً: ”أنا أكره الحياة، ومع ذلك أخشى الموت“.
وللحديث بقية ... إن شاء
الرب وعشنا.