قانونية قصة المرأة الزانية
(يو8)
في
الآونة الأخيرة ارتفعت تبرة الطعن والتجريح والتشكيك في كلمة الله. فلم يكتفِ المتطاولون بالتعدي على كلمة الله
فقط، ولكنهم تجاوزا في حقها بصورة أكبر، إذ قاموا بالتشكيك في أصالتها ومصداقيتها.
لكننا بملء الثقة واليقين نردد قول الكتاب:
«صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول» (١تي٤: ٩).
ومن
ضمن ما طالته تشكيكات المشككين، قصة رحمة الرب وغفرانه للمرأة التي أُمسِكت في ذات
الفعل (يو8)، إذ ادعوا بعدم أصالتها، وعدم ورودها في أقدم مخطوطات الكتاب.
وللرد
نقول :
القصة والترجمات المختلفة:
من
المعروف أن من أشهر الترجمات العربية؛ ترجمة ”كرنيليوس فاندايك“، وهي من أوائل
الترجمات العربية وأكثرها سيطًا وانتشارًا.
وعلي الجانب الآخر، من أشهر الترجمات الإنجليزية؛ ترجمة الملك جيمس (King James)، بطبعاتها المختلفة؛ القديمة منها والمُنقحة. وهاتان الترجمتان هما الأكثر توزيعًا وقراءةً في
كل أنحاء العالم. وهاتان الترجمتان قد ذكرتا
قصة المرأة الزانية (يو7: 53-8: 11)؛ وهناك أيضًا عدة ترجمات
ذكرت هذه الفقرة الكتابة منها ترجمة تفسيرية مشهورة مثل كتاب الحياة والترجمة العربية المبسطة، والترجمة الإنجليزية لرجل
الله يوحنا داربي. ولكن هناك ترجمات أخرى شككت في أصولية هذا النص
منها ترجمات مرموقة مثل: الترجمة العربية المشتركة التي جاء في نصها: لا نجد هذا
النص في المخطوطات القديمة وفي الترجمات السريانية واللاتينية وبعض المخطوطات تضع
هذا المقطع في نهاية الإنجيل. وأيضًا الترجمة العربية عن ترجمة روما لم تذكر
النص. وهناك أيضًا علي الجانب الأجنبي ترجمة ESV التي قالت: بعض المخطوطات لا تحتوي علي
النص، وغيرها يضع النص في أماكن أخرى، كمثل من يضعه قبل إنجيل لوقا ٢١: . وهناك ترجمات شككت في أصولية هذا النص مثل ترجمة
طائفة شهود يهوه - المنتسبة للمسيحية كذبًا - والتي قالت: لا تورد مخطوطات
المجلد السينائي ولا الفاتيكاني النص، وهي متباينة (مختلفة) في مختلف النصوص
اليونانية والترجمات. وللأمانة فهناك
ترجمة مهمة كانت قبل ترجمة فاندايك العربية وهي ترجمة موثقة ومعتمدة من الناحية
التحقيقية للمخطوطات ومن ناحية الكتابة الأدبية وهي تسبق ترجمة فاندايك بحوالي ٩
سنين، وتتفوق عليها، وقد تم إصدارها سنة ١٨٥٧ وهي ترجمة المعلم فارس الشدياق وهو
من أشهر الأدباء اللبنانيين الذي صدرت ترجمته كاملة في سنة ١٨٥٧م، وقد أقرت بالنص
كما هو دون تلاعب.
فوسط هذا الكم من الترجمات التي بعضها
يوافق، والآخر يعارض، لدينا الشيء الذي هو أهم من الترجمات الحديثة أو القديمة وهو
المخطوطات نفسها التي كتبت عليها الكلمة المقدسة التي ترجع لأولي قرون المسيحية. فهل هذه المخطوطات تؤيد أم تعارض وجود النص؟
المخطوطات:
إذا
نظرنا للكتب التي تتكلَّم عن الخلفية الحضارية للكتاب المقدس، فسنجد من هذه الكتب
ما يقول كالآتي: هذه القصة كانت محذوفة في المخطوطات المبكرة؛ ومن المتفق عليه
أنها أضيفت للإنجيل الرابع فيما بعد، بالرغم من اتفاق الكثير من العلماء علي أنها
قصة حقيقية، فيجب أن تقرأ علي أنها جزء من سياق إنجيل يوحنا. وإذا نظرنا لكتب النقد النصي وهو علم دراسة
مخطوطات الكتاب المقدس، فسنجد الأقوال الآتية: القصة ليست جزءً أصيلاً من إنجيل
يوحنا، وهي محذوفة تمامًا من المخطوطات الأولي، ولا توجد في المخطوطات الفاتيكانية
والسينائية، وحتي حين تظهر هذه القصة في المخطوطات القديمة، فإن موقعها متغير ، ففي
أحيان تجدها بعد يوحنا ٧: ٣٦ وأحيانًا تجدها في نهاية إنجيل يوحنا. وأيضًا يقول المدافع المسيحي ف. ف. بروس: هذه
القصة مستقلة عن إنجيل يوحنا، ولها طابع خاص، ولا يستطيع أي شخص أو مجتمع أن يصدر
حكمًا موثوقًا فيه بخصوص سؤال هل ينبغي اعتبار هذه القصة جزءً من ضمن الأسفار
القانونية الكتابية، وأنها تاريخيًا صحيحة لدرجة تُعامل معاملة القانونية. وأيضًا أحدث كتب النقد النصي التي صدرت في
مكتبتنا العربية تقول: هذه القصة توجد في النص البيزنطي؛ وتوجد في النص المستلم؛ ولكنها موضوعة بين قوسين
مزدوجين في النص النقدي؛ مما يعني أنها ليست بيد
القديس يوحنا لكنها قديمة وتاريخية بما فيه الكفاية لاعتبارها كتابية، وهذه الفقرة
معروفة لآباء القرن الثالث والرابع بالرغم من أنها ليست موجودة في المخطوطات حتي
القرن الخامس أو السادس الميلادي فربما قد انتشرت في صيغة شفوية (التسليم)أولاً، ثم كتبت وأضيفت إلي
نص إنجيل القديس يوحنا أو أول لوقا 16.
و
من الطبيعي - عزيزي القارئ - بعد كل هذا قد أصابتك الحيرة والدهشة والقلق وأنت
الآن علي مشارف إنكار أصولية الكتاب المقدس، وأنه قد تم تحريفه، وستقر بهذا الآن،
لكن قبل أن تسقط من شلل التفكير دعني أقودك إلي الخلاصة، و إلي الدليل الذي يهدم
كل ما جاء سابقًا من كلام جعلك تشك في كلمة الله الحية.
دعنا
نلخص ما قلناه سابقًا في نقاط وهي:
(1)
القصة تاريخيًا صحيحة؛ هذه النقطة صحيحة، ولن نناقشها لأنه تم إثباتها فيما سبق.
(2) القصة لم
توجد في المخطوطات إلا بعد القرن الخامس أو السادس؛ هذه النقطة غير صحيحة وسوف نوضحها.
(3) هذه
القصة ليست من الإنجيل؛ هذه النقطة غير صحيحة، وسوف نوضحها في الرد علي النقطة
الثانية.
(4) هذه
القصة ليست بقلم يوحنا الحبيب؛ سوف نوضحها.
(5) هذه
القصة متعارف عليها لدى آباء القرن الرابع والثالث، رغم أنها لم تكن موجودة في
مخطوطات هذه الحقبة. سوف نوضح هذه النقطة
الهامة لأنها مربط الفرس.
ثم
إن إنجيل يوحنا الأصحاح الثامن موجود بالكامل في النص السكندري، وهو يعود للقرن
الثالث مخطوطة 18صفحة 39. وتوجد في
المخطوطات التي هي أقدم من مخطوطات القرن الرابع: الفاتيكانية والسينائية، وهي
مخطوطات النسخة الممفيسية “(memphitic version) ، والنسخة
الحبشية والأرمينية، وأقر العالم جرايز باخ
(greisbach) أنه وجدها بحالها
في ١٠٠ مخطوطة و يعود العالم ألفرود(Alford) ، ويقول أنه وجدها في ٣٠٠ مخطوطة و خاصة النسخ
اللاتينية. وهذه القصة في إنجيل يوحنا ذكرها القديس جيروم
في ترجمته ونسخته اللاتينية التي تسمي الفولجاتا. ونسخة الفولجاتا هي نسخة كما قال عنها خادم
الرب يوسف رياض: إنها ترجمة محترمة من النقاد المعتبرين، وأنها كانت الترجمة
المعمولة في أوروبا لما يزيد عن الألف عام. وهذه القصة موجودة أيضًا في النسخ اليونانية
القديمة والمهمة مثل مجموعة المخطوطات البيزنطية التي تعد بالآلاف، وهي توجد في
القراءات الكنسية التي تعود للقرن الأول والثاني الميلادي. فهذه القصة ليست بغير القانونية، بل هي قانونية
وأصيلة في كلمة الله بشهادة النقد النصي.
ولا
عزاء لمن لا يبحث بالقدر الكافي لأجل إثبات شيء من عدمه، فالبشر والأساتذة
والعلماء الذين ذكرتهم سابقًا، لم يكملوا الحقيقة بالشكل الكافي، ففهموا خطأ لأنهم
لم يكملوا صورة المخطوطات الكاملة للقصة فهذه القصة ذكرت في حقبة متقدمة قبل فترة
اختفائها في القرن الرابع والخامس لأسباب مهمة سوف نذكرها في النقاط الأخرى.
ومن
المتعارف عليه أن إنجيل يوحنا كتب بواسطة الرسول يوحنا الحبيب المسيح، وهذا ليس
كلام مرسل بلا دليل، بل أن هذا مثبت عند تقليد الكنيسة القديمة منذ بدايتها، وحتي
بداية القرن التاسع عشر، وكان مثبت لدي الجميع أنه كتب بواسطة الرسول يوحنا. والتشكيك غير المبني علي أدلة بدأ بعد بداية
القرن التاسع عشر حتي أن قديسين القرون الأولي للمسيحية كانوا يقتبسون من إنجيل
يوحنا علي أساس أن كاتبه هو تلميذ المسيح وحبيبه يوحنا، ومن هؤلاء القديسين القديس
إيريناوس وأكليمنس السكندري وترتليانوس.
والنقطة
الخامسة والأخيرة في هذا المقال، تعتبر مربط الفرس، ولكن نريد أن نرسخ بعض الحقائق
قبل أي شيء و هذه الحقائق هي:
يجب
أن نرجع بالذاكرة والزمن إلي الوراء إلي عهد قدماء الأغريق وإلي الفيلسوف اليوناني
أفلاطون الذي كان آباء الكنيسة الشرقية القدماء يأخذون عنه الفلسفة والتعليم،
وتأثروا بوجهة نظره في كثير من الأشياء (ولكنها لم تكن المحرك الأساسي لفكرهم)، ومن هؤلاء الآباء كان
أوريجانوس الذي يلقب بالعلامة، وهو من الآباء الشرقيين الذين جحدوا قصة المرأة
الزانية، ليس لأنها خطأ، بل لأنه تأثر بوجهة نظر أفلاطون عن الإنسان، وتقسيم نفس
الإنسان إلي نفس شهوانية وغضبية أو حماسية، ونفس عاقلة. وكذلك كان الجنس عند أفلاطون بالشيء غير المهم،
والأهم منه هو الحب المطلق الذي بدون مصالح ولا جنس، فكان يرى أن الجنس هو ضد
العفة، وضد مبدأه في الحب وجحد الجنس، ويسمي حبه بالحب الأفلاطوني و هذا الحب هو حب الجمال
والحكمة وهو غير الرومانسية، لكنه هو توجيه العقل لحب الاله والابتعاد عن الاهتمام
بجمال الجسد. وللأسف تأثر الآباء الشرقيين
بفكر أفلاطون، فجحدوا القصة برمتها، ولم يتطرقوا لشرحها بالأساس. ومن الذين جحدوا هذه القصة: أوريحانوس ويوحنا
ذهبي الفم وكبريانوس. وقد صرح القديس أوغسطينوس
- و هو من مؤيدي القصة - أن الآباء أخفوها من كثير من المخطوطات بسبب خوفهم علي أن
تسبب هذه القصة انحلالاً أخلاقيًا. ولكن
دعونا نتفق علي بعض النقاط بعد أن عرفنا هذه الحقائق:
(1) ليس من
حق أحد أن يحكم علي كلمة الله، مهما كانت مكانته.
وأن تهاون في حق كلمة الله، أو جحد قصة أو كلمة من كلمة الله، فيجب ألا يؤخذ
برأيه مهما كانت مكانته.
(2) هذه
القصة موافق عليها من كثير من آباء الكنيسة الكبار مثل أغسطينوس والعلامة جيروم
والقديس أمبروسيوس، وكثير غيرهم من آباء الكنيسة الغربية، الذين جحدوا تأثير
الفلسفة علي كلمة الله المقدسة. وهذه
القصة ذكرت في كتب الآباء الأوائل، ومنها كتاب تعاليم الرسل بالتأكيد علي صحتها
وقانونيتها.
(3) أوريجانوس
لديه الكثير من المشاكل مثل أنه خصي نفسه، وأنه حُرم من الكنيسة بسبب أفعاله
وتعاليمه الخطأ في كثير من الأشياء، وهكذا فشهادته لا يُؤخذ بها
في الكلمة.
(4) يوحنا
ذهبي الفم معروف بآرائه العدائية للمرأة والمتعارضة مع كلمة الله؛ وبسبب الاضطهاد
عليه اضطر لإنكار هذه القصة. فالقصة سليمة، ولكن يوحنا ذهبي الفم أنكرها
بسبب الاضطهاد. وغير ذلك أنه قد حلل الكذب
والخداع بطريقة غير مباشرة في كتابه الكهنوت المسيحي وخاصة في الكتاب الأول، وهذا
قد ظهر في خداعه لصديقه المقرب.
وقد
ذكرنا بجانب كل ما سبق الأدلة القوية والمعتمدة علي صحة هذه القصة من آباء الكنيسة
والمخطوطات والتاريخ، فليس هناك مجال لقبول أي شهادة من الذين طعنوا في صحة هذه
القصة الموثوقة.
و
في الختام أثبتنا صحة هذه القصة و أن مهما كان الهجوم علي كلمة الله و محاولة تزويره
وتحريفه حتي من أهل العلم، فإن الكتاب المقدس صامد وثابت، ونستطيع أن نطمئن من كل
كلمة به بالعلم والبحث والدليل الأكبر وهو المخطوطات.
فادي ياسر
(عين شمس)