«هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ
السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ
الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ»
(رؤ1:2)
(4) كنيسة ثَيَاتِيرَا (رؤيا
18:2ـ29)
معناها النبوي ”مسرح تمثيل“ أو ”تياتروا“
ومدتها عصر البابوية (من سنة 590م إلى مجيء الرب)
«وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي
ثَيَاتِيرَا: هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ
نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ
وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ
الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى. لكِنْ
عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي
تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا
وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ. وَأَعْطَيْتُهَا
زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ. هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ، وَالَّذِينَ
يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ
أَعْمَالِهِمْ. وَأَوْلاَدُهَا
أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ
الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ
أَعْمَالِهِ. وَلكِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ
وَلِلْبَاقِينَ فِي ثَيَاتِيرَا، كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا
التَّعْلِيمُ، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ، كَمَا
يَقُولُونَ: إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، وَإِنَّمَا الَّذِي
عِنْدَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ أَجِيءَ.
وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ
سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ
آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي، وَأُعْطِيهِ
كَوْكَبَ الصُّبْحِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ
فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ» (رؤيا 18:2ـ29).
وإن كان الرب يَذكر لهذه الكنيسة أعمالاً حسنة من
محبة وخدمة وإيمان وصبر، لدرجة أنه يذكر لها أن أعمالها الأخيرة أكثر من الأولى،
إلا أنه يَذكرها أيضًا بالشر العظيم الموجود فيها المُعَبر عنه ”بإيزابل“. فالشرور وبقايا الوثنية التي سمح لها بالدخول
إلى الكنيسة، قد تركز وأخذ شكلاً نظاميًا ”ثياتيرا“ وأصبح له نفوذ وسيادة، ويشبهه
الوحىّ بالمرأة إيزابل التي ادعت أنها نبيّة. والنتيجة كانت السقوط في الزنى الروحي، أي عبادة
الوثنيّة المستترة داخل الأنظمة الدينيّة. ولهذا السبب يظهر الرب نفسه لهذه الكنيسة في
صورة القضاء «الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ
النُّحَاسِ النَّقِيِّ». ولكنه مع ذلك
يُعتَرف بوجود بقية أمينة؛ «كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا التَّعْلِيمُ،
وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ»، إنه سيُعطيهم ”سُلْطَانًا
عَلَى الأُمَمِ“، وأيضًا يُعطيهم ”كَوْكَبَ الصُّبْحِ“. وهنا نجد الوعد بمجيء الرب يبدأ من هذه
الكنيسة، ويستمر في الثلاث الكنائس التي بعدها، حيث نرى في آخرها عرش الملكوت يوعد
به من يغلب.
ونلاحظ أيضًا أن عبارة «مَنْ لَهُ أُذُنٌ
فَلْيَسْمَعْ»، تأتي ابتداء من هذه الكنيسة بعد الوعد للغالبين، بخلاف ما اتبع
ذكره في الثلاث كنائس التي قبلها، مما يدل على كثرة السامعين الغالبين في عصور
الكنيسة الأولى، وقلّتهم في الأخيرة.
ويمتاز عصر هذه الكنيسة بترعرع البابوية وسيادتها
العالمية، فقد كانت إمبراطورية كنسية داخل الإمبراطورية المدنية. وحتى قبل سقوط روما بزمان طويل اتخذت شكل مملكة
كنيسة ”إكليريكية“ على مثال ملكي. وكان
لهذه المملكة الروحية ما كان للمملكة الزمنية من الرتب التي كان أهمها رتب الشماس
والكاهن والأسقف. وإذا اجتمع الأساقفة كان
ذلك ما يعرف بمجمع الأساقفة. وكانت درجات هؤلاء الأساقفة أربعًا (1) أساقفة
الأرياف (2) وأساقفة المدن (3) وأساقفة العواصم (4) والبطاركة.
وفي آواخر القرن الرابع كان يوجد خمس بطريركيات ـ
ويراد بالبطريركية ما تحت سلطة البطريرك من الأبروشيات والبلاد - وكانت مراكز هذه البطريركيات الخمس هى: روما
والقسطنطينية والإسكندرية وإنطاكية وأورشليم.
وكان لبطاركة روما بوجه يكاد يكون عامًا التقدم على
سائر البطاركة رتبة وشرفًا. وكانوا يدعون
فوق ذلك تفوقًا في السيادة والقضاء، وكان للظروف الجارية أثر في تثبيت ادعاءاتهم،
وأعانهم كثيرًا في تثبيت سلطاتهم في روما. وقد كانوا يعتقدون أن الرب خول بطرس الرسول
شيئًا من الرياسة على الرسل، ويبنون دعواهم هذه على أن المسيح ائتمنه على مفاتيح
ملكوت السماوات، ومنحه حقوق المعلم والمفسر للكتاب بقوله له: «ارْعَ خِرَافِي ... ارْعَ
غَنَمِي» (يو21: 15-17)، وبذلك ائتمنه أيضًا على قطيع الكنيسة كله! وصاروا يعتقدون بأن بطرس هو الصخرة التي تأسست
عليها الكنيسة! وأن بطرس نفسه كان أول
أسقف لكنيسة روما، وأنه كان هناك، واستشهد مع بولس الرسول في أيام نيرون.
فهذه الاعتقادات وهذه التأويلات التي جعلت من
أساقفة روما خلفاء أول الرسل والقائمين مقامه، عملت كثيرًا ولا مراء في زيادة
شهرتهم وادعائهم بالسلطة العليا في الكنيسة، وقد كان ما يدعيه الأساقفة الرومان،
يعضده في أول الأمر تأثير روما الملكية وشهرتها اللذان أثرَّا في العالم تأثير
السحر. فقد تعود الناس أن تصدر إليهم
الأوامر من روما، فيما يتعلق بالزمنيات. ولذا بالطبع ينتظر أن تصدر إليهم الأوامر من
روما أيضًا فيما يتعلق بالروحيات. وكان
وجود الأساقفة الرومان في روما، قصبة العالم جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا في ذلك
الوقت، امتيازًا كبيرًا لم يكن لغيرهم من الأساقفة والبطاركة. والهالة التي كانت طيلة قرون عدة من تاريخ
العالم مجتمعة حول ”المدينة الأزلية“، تحولت بالطبع إلى دائرة من الشعاع تحيط برأس
”البابا“! وبعد أن انتقل مصير روما إلى يد
إمبراطور الشرق في القسطنطينية، صار أساقفة روما أعظم الناس سلطانًا في غرب
أوروبا. ولسبب بعدهم عن مركز الإمبراطور
والحكومة في القسطنطينية، انتقلت ليدهم سلطة الحكم حتى على الملوك، لأنهم أصبحوا -
بطبيعة مركزهم - الحكم فيما يقع من النزاع في العالم المسيحي غرب أوروبا بين المدن
والولايات والحكام والملوك. فصارت لهم
سلطة تتويج الملوك وحرمانهم من عروشهم أيضًا، وإذلالهم باستعمال سلطان الحرم ضدهم،
وأمر رعاياهم - باعتبارهم أعضاء الكنيسة - بعدم تقديم فروض الطاعة لملوكهم هؤلاء
حتى يأتوا خاشعين ساجدين عند أقدام الباباوات، فيصفحوا عنهم، ويعيدوا لهم سلطانهم
واعتبارهم، والتاريخ خير شاهد بذلك.
وبعد أن ظهر الإسلام في جزيرة العرب سنة 622م ”أول
تاريخ الهجرة“ وامتدت فتوحاته في الشرق حتى إلى أبواب القسطنطينية، وتم لهم في
القرن السابع امتلاك كل مدن الشرق العظيمة، مُحيَّت إنطاكية وأورشليم والإسكندرية
محوًا جوهريًا من خريطة العالم المسيحي في الشرق، وبقيَّت القسطنطينية خصمًا لروما
البابوية. فما نزل بالعالم المسيحي الشرقي من البلاد، زاد في سيادة الحبر
الروماني، وازدادت هذه السيادة على مدى الأجيال. ففي القرون الوسطى المُسماة
بالعصور المظلمة، كان الباباوات يثَبِتون الأمراء الفرنسيين، ملوكًا وأباطرة.
وهؤلاء الملوك اعترافًا بالجميل، كانوا يحمون الباباوات من أعدائهم ويقطعونهم
مدنًا وولايات مما أسس لهم ملكهم الزمني.
وفي المدة من 1096 إلى 1212م كان الباباوات يؤيدون
ويباركون ما يسمى بالحرب المقدسة؛ الحروب الصليبية الأولى، ضد المسلمين مدة جيل من
الزمان، بدعوى حماية القبر المقدس في أورشليم.
والحروب الصليبية الثانية ضد السلاف الوثنيين في أوروبا، وما لازمها من
الفظائع التي يأباها الدين. والحروب
الصليبية الثالثة ضد الهسيين أتباع يوحنا هس، الذين أذاعوا الإيمان الحقيقي، ونبذوا
الخرافات، وظهروا بين سنة 1384 وسنة 1415م، وكان نصيبه الموت حرقًا.
وإن نظرة واحدة إلى تاريخ هذه الحروب بالتفصيل
كفيلة لأن تبرهن أنها كانت بعيدة بالمرة عن روح المسيحية الصحيحة، التي قوامها
التسامح ومباركة الأعداء وإيجاد السلام وعدم استعمال السيف كيفما كان الحال.
وبعد أن أطلنا في الشرح التاريخي لهذه الكنيسة
لنرجع إلى كلام الوحىّ عنها، فنجد ما يشير إلى ”إيزابل“ امرأة أخآب الشريرة في
أيام إيليا التشبىّ سنة 900 ق. م. وما كانت تقوم به من التدخل في أمور الشعب
الروحية، حيث أدخلت الوثنية واضطهدت الحق وأنصاره، كما تدخلت في شئونه السياسة، إذ
اغتصبت الأملاك، وسفكت بالمكر الديني دماء الملاك (1مل19، 21). وليس عسيرًا أن نوفق بين ”إيزابل“ في هذه
الرسالة، وبين البابوية، كما وبين نهاية الاثنتين المريعة (2مل9: 30-37؛ رؤ17،
18).
«وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ»، وقد تم ذلك
حرفيًا في مجازر الصليبين وأولادهم، مما هو مذكور في كتب التاريخ، وما يتم روحيًا
كل يوم عن الشباب المنساق وراء شهواته، نتيجة التعاليم الفاسدة، ونهايتهم العذاب
الأبدي.
أخيرًا نأتي إلى الوعد لمن يغلب. فإذ نرى أن
البابوية كانت جل رغبتها أن تملك على العالم بدون المسيح، وقد تمّت لها شهوتها، فإن
المؤمنين الحقيقيين الذين يغلبون العالم وكل شهواته لهم الوعد المطمئن أن يأتيهم
الرب «كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ»، وأنهم سيملكون معه، لأنه «إِنْ كُنَّا
نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ» (2تي2: 12)، وسيكون سلطانهم على الأمم،
فيرعونهم «بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ».
حليم
أرسناوي