عدد رقم 2 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
ليلة الميلاد  

وُلد الرب يسوع المسيح في عصر خاص، لكنه تخطى كلَ العصور، وسيطر على الزمن، وفصل التاريخ.  عاش في مكان واحد، لكنه صار ملكًا لكل وطن.  لم يحمل معه طعامًا، لكنه صار خبزَ الحياة.  لم يحمل معه مصباحًا، لكنه أضحى نورَ العالم.  لم يـَنظُمْ نشيدًا، لكنَّ أبدعَ الألحان تــُنشَدُ يومَ ذكراه.  لم يحيَ إلا جيلاً واحدًا، لكنه فتح بابَ الحياة أمام كلِ جيل.  لم يحفر لنفسه عينًا واحدة، ولكنَ قلبــَه ينبوعُ عزاء لكل عينٍ باكية.  قوتــُه الظافرة مستمدة من محبته الغافرة.

نعم في تلك الليلة الفاصلة، وبينما الأرض غارقة في نومها وظلمتها الروحية، في يوم كان عابرًا للناس، سكت البشر، وانقطع تغريدُ الطيور، وكأن الأرضَ نفسَها وقفت عن الدوران لحظة لأن الله تكلم، أطل طفلٌ في الظلام وولد يسوع.  جاءنا كلمةُ الله طفلاً مولودًا في مذود!

لقد سجل لنا لوقا الطبيب قصة ميلاد المخلص في إنجيله في الأصحاح الثاني.  هذا الأصحاح هو السجل التاريخي الدقيق لولادة المسيح، مرتبطة بسجل الدولة الرومانية.  ولكون لوقا طبيبًا، فهو يهتم أكثر من سواه بالروح القدس في أمور ولادة المسيح وموته، ويتحدث ببعض الإسهاب في الموضوع.

قبل الدخول في التفاصيل لا بد من رسم صورة لخلفية الأحداث.  قلنا إن إنجيل لوقا كُتِب لليوناني المُفكر، وبيّن السرد التاريخي الدقيق للأحداث، ولكن كان له هدف روحي أيضًا، وهو تقديم المسيح الإنسان الكامل.  قال أحد القديسين: ”عند مولد المسيح ثلاثة شعوب شاركت في الحدث كلٌ بطريقته: اليهود من الناحية الدينية، اليونان من الناحية الأدبية، والرومان من الناحية السياسية“.  من هذا المنطلق كتب كل إنجيل لواحدة من هذه الفئات، اليونان تميزوا بأنهم كانوا مُمثلين للمنطق والبشرية في العالم القديم. كانوا ينظرون لأنفسهم كحاملي مهمة تكميل البشر؛ صنعوا آلهتهم على هيئة البشر، وبولس ذهب إلى أثينا وحدّث اليونان عن الإله المجهول، الذي كانوا قد صنعوا له نصبًا.  أصبحت اللغة اليونانية القناة المُوصلة لكلمة الله، فقد كتب الإنجيل في هذه اللغة، ونُقِل إلى العالم بهذه اللغة أيضًا، وهذا بفضل الإسكندر الكبير.  قيل عن الإسكندر: ”إنه أخذ خيوط شبكة الحضارة التي كانت تقبع بدون ترتيب في أطراف الشواطئ الآسيوية، ونشرها في كل البلاد التي اجتازها بحملاته الرائعة، وفجأة اجتمع الشرق بالغرب، والتمت القبائل المتفرقة تحت حكومة واحدة، وشيُدت مدن جديدة كمراكز للحياة السياسية، قنوات جديدة من التواصل فتحت عبر المبادلات التجارية، وانتشرت اللغة اليونانية في أرجاء العالم، حتى إنها سمعت في مستعمرات اليهود في بابل. وبنى الإسكندر مدينة عريقة دعاها باسمه وهي الإسكندرية في مصر.

أرجو - عزيزي القارئ - أن تبقي هذه الخلفية في فكرك بينما نتأمل في أحداث ميلاد الرب يسوع المسيح. من أجل تأملاتنا نقرأ الآيات السبع الأولى من الفصل الثاني من لوقا:

«وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ.  وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ.  فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ.  فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى.  وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ.  فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ».

في سرده لتفاصيل مولد المسيح يُشير لوقا إلى الخلفية التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بهذا الحدث العظيم، فيقول إن أغسطس قيصر هو الذي أصدر الأمر بالاكتتاب، أي إجراء التعداد السكني لغرض دفع الضرائب.  ويضيف أن حكم أغسطس قيصر واكب ولاية المدعو كيرينيوس على سوريا.  وهذه طبعًا حقائق تاريخية مُثبتة تجيء للتأكيد على صحة مولد يسوع المسيح.  من هو أغسطس قيصر؟  هو ابن تبناه يوليوس قيصر، كان اسمه الحقيقي أكتافيوس، ولكن اتخذ لنفسه اسم قيصر.  أغسطس قيصر هذا حاول أن يجعل من نفسه إلهًا، وأراد العبادة له، فأمر باكتتابٍ حمل نجارًا بسيطًا، مع خطيبته الحامل، أن يقوما برحلة مشقة إلى بيت لحم ليُكتتبا؛ رحلة تصعب على أقوى الجبابرة.  بما أن يوسف ومريم هما من نسل داود،  فلا بد لهما أن يذهبا إلى بيت لحم للاكتتاب.  حاول أغسطس أن يحصل على كل التبجيل كإلهه، ولكن اليوم لا أحد يذكر اسمه.  أما الطفل الذي كان في أحشاء المباركة مريم، فهو موضوع عبادة الملايين اليوم.

ولا بد من وقفة تأمل مهمة في هذه المرحلة. إن الله هو الذي يُسخر التاريخ لتتميم مقاصده ومشوراته الأزلية.  فالنبوات التي سبقت على مولد المسيح، وبالتحديد نبوة في سفر ميخا، تُشير إلى أن المسيح سيُولد في بيت لحم: «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ» (مي5: 2).  والله تعالى واقف من وراء كلمته لكي يجريها، فيُسخر التاريخ، ينصب ملوكًا ويعزل آخريين، لكي يُحقق مشورته المحتومة.  وهنا نرى توقيت الله الدقيق! 

لاحظ التفاصيل التي يُقدّمها لنا لوقا بقوله إن مريم كانت تلف الطفل بالأقمشة، كم كان إنسانًا كاملاً الله الظاهر في الجسد!  وُلد المسيح في مذود، ليس فقط لأنه لم يكن له موضع في المنزل، بل وُلد في المذود رمزًا لاتضاعه الفريد.  يتبع مولد المسيح مباشرة حدث عجيب آخر نتابع القراءة من العدد الثامن الأصحاح الثاني من لوقا.

«وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا.  فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ.  وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ.  وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ  ِللهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ.  وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ.  فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ.  فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ.  وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ.  وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا.  ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ».

كثيرون يطرحون هذا السؤال: متى ولد يسوع؟  لا نعرف ما إذا كان في الشتاء أم لا، المهم أن الكتاب لم يقل لنا ذلك، فهذا يعني أن الأمر ليس مهمًا؛ المهم أنه وُلد.  كم هو مدهش أن ترى طفلاً يُولد إلى هذا العالم، هكذا الله دخل العالم.  كان بإمكانه أن يدخل بكل قوة ومجد، لكنه اختار أن يأتي وديعًا متواضعًا.  لم يتخلّ عن لاهوته، لكنه أخلى مجده. كان يجب أن يكون هناك لتحيته أكثر من مجرد بضعة رعاة وملائكة، كان يجب أن تكون الخليقة كلها في استقباله، ولكن الرب يسوع تخلى عن مظاهر مجده، وأتى طفلاً صغيرًا ضعيفًا: «وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ».  الله جاء بشرًا أو كما قال أحدهم: ”وُلِد الحب إنسانًا”.  الله يعرفنا جيدًا، ويعرف بماذا نشعر لأنه جاء في شبه الناس، وهذا يعني أيضًا أنه نستطيع أن نعرف شيئًا عن الله.

ثم رنم الملائكة قائلين: «الْمَجْدُ ِللهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».  أين هو هذا السلام؟  نحن نعيش اليوم في عالم يتخبط بحثًا عن السلام ولا يجده «لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَارِ» (إش57: 21).  عالمنا شرير ويحكمه الشيطان؛ عالم يائس ميؤوس منه، ولكن هناك على الأرض السلام للناس الذين سُرَ الله بهم.  هذا ما قاله الملائكة هناك؛ سلام للذين عرفوا المسيح، وأعطوه مكانًا في حياتهم.  وإذا كنت يا أخي قد قبلت المسيح في حياتك، فيُمكنك أن تحصل على سلام الله «فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (رو5: 1)، هذا ما يقوله لنا الرسول بولس. عندما أتى المسيح في مجيئه الأول أرسى هذا النوع من السلام، وفي مجيئه الثاني سيأتيك رئيس السلام، ويُخمد كل ثورة وعدم بر، ولكن إلى أن يعود لن يكون سلام على الأرض.  حقًا إن عجزَ الإنسان أن يُعطي المجد لله فعلى الأرض السلام بمعنى أنها صارت في طريقها إلى الزوال.

أسرع الرعاة إلى بيت لحم ووجدوا الطفل مع أمه، لربما كانت هذه أول زيارة لوليد بيت لحم.  تذكر أن المجوس أتوا بعد الحدث بنحو سنتين «وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا».  كانت مريم تحفظ كل هذه الأمور في قلبها، وخوفًا على الطفل هربت العائلة المقدسة إلى مصر.

صديقي: لقد كانت رسالة الملاك للرعاة: «أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ»، وهي رسالة إليك، عزيزي.  الرعاة ذهبوا وتعرفوا إلى المسيح، ورجعوا يبشرون بما رأوا، فما هي البشارة التي تحملها شفتاك؟  هل قبلت خلاصه؟  هل تقبله اليوم؟  هي فرصة لا تعوض صدقني!

فيرنر ماكي

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com