عدد رقم 2 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
زَرُبَّابِلُ بْنُ شَأَلْتِئِيلَ  

كان لزَرُبَّابِل دورًا هامًا في فترة الرجوع من السبي، واختاره الرب ليكون قائد الفوج الأول، ورجع معه ما يقرب من 50000 شخص وذلك سنة 538 ق. م تقريبًا.  قال عنه الرب ”عَبْدِي“، و”الَّذِي اخْتَرْتَهُ“ (حج2: 23).  ولأهمية دوره نجده يُذكر في أسفار عزرا، ونحميا، وحجي وزكريا.  كما يُذكر انتسابه لداود في 1 أخبار 3 من النسل الذي جاء منه المسيح حسب الجسد (مت1؛ لو 3).

معنى اسمه ”مولود في بابل“ أو ”مُشتَّت في بابل“.  واسم ابيه ”شَأَلْتِئِيل“ يعني ”سألت الله“.  والاسم يُعطي انطباعًا عن البقية التي تمسكت بوعد الرب لهم بالرجوع من السبي وسألت ذلك، مثلما فعل دانيآل (دا9: 1- 19).

بمقارنة نسبه المذكور في 1 أخبار 3: 17-20، مع المواضع الأخرى التي ذُكر فيها اسمه يبرز السؤال: هل هو ابن فَدَايَا (1أخ3: 17)، أم ابن شَأَلْتِئِيل كما يُذكر في باقي المواضع؟  ربما يكون هو ابن فَدَايَا بحسب المولد ثم مات أبوه فتبناه عمه شَأَلْتِئِيل.  أو يكون قد صاهر عمه فانتسب إليه بحسب عادتهم.

كما أنه من نسل يَهُويَاكِينُ الملك(يَكُنْيَا) وهذا لا يُناقض إرميا 22: 30 حيث المقصود بكلمة ”عقيمًا“ المذكورة في أول الآية ما هو مذكور بعدها «لأَنَّهُ لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَحَاكِمًا بَعْدُ فِي يَهُوذَا».  

يُعتقد أيضًا أنه هو نفسه ”شِيشْبَصَّر“ المذكور في عزرا 1: 8، وإنما هذا هو الاسم الكلداني له ويعني ”فرح في الضيق“ أو ”عودة الفرح” (قارن أيضًا عزرا 5: 14- 16)

عمل زَرُبَّابِلُ وآخرين مع الله في «يَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ» (زك4: 10)، لكن الأمانة كانت وفيرة، والبركات غزيرة.  نتعلم من سيرته دروساً عن العمل مع الرب ولأجله، كما نرى فيه رمزًا للمُخلِّص والمسيَّا.

زَرُبَّابِلُ قائد الرجوع:

يُقيم الله رجالاً ليستخدمهم في إتمام مقاصده لشعبه وكان زَرُبَّابِلُ أحدهم.  في فترة الرجوع من السبي كان الشعب يحتاج لقاده ومرشدين، وكم نشكر الرب لأجل وجودهم: «لأَجْلِ قِيَادَةِ الْقُوَّادِ فِي إِسْرَائِيلَ، لأَجْلِ انْتِدَابِ الشَّعْبِ، بَارِكُوا الرَّبَّ» (قض5: 2).  كان هذا تشريفًا إلهيًا له، ولكنه في ذات الوقت تكليفًا خطيرًا.  لم يستعف من المهمة ولم يطلب مكانه أعظم باعتباره وارث لعرش داود فهو كان يعلم أنه «يَوْمِ الأُمُورِ الصَّغِيرَةِ» (زك4: 10)، وهو عمل مع الله في ذلك اليوم (1صم14: 45؛ 1كو3: 9)

يستوقفنا أيضًا في عزرا 1: 8؛ 5: 13- 15 أمانته على آنية بيت الله.  الآنية تتكلَّم عن المقدسات،  ومن زاوية أخرى عن المُقدَّسين.  وأمور الله وشعب الله هم وكالة، وأهم ما يجب أن يميز الوكيل هو الأمانة (1كو4: 2).  قُدَّمت فيما بعد تقدمات من ذهب وفضة وآنية من الملك أَرْتَحْشَسْتَا في عودة الفوج الثاني، بقيادة عزرا، وكان تحريض عزرا للاثني عشر شخصًا الذين استؤمنوا عليها: «فَاسْهَرُوا وَاحْفَظُوهَا حَتَّى تَزِنُوهَا أَمَامَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ وَرُؤَسَاءِ آبَاءِ إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ، فِي مَخَادِعِ بَيْتِ الرَّبِّ» (عز8: 29).  وهذا نفس ما يحرضنا عليه الكتاب، الأمانة حتى وقت تقديم الحساب أمام كرسي المسيح.

هناك أيضًا درس آخر، وهو العمل الجماعي، فلا نجد عادةً اسم زَرُبَّابِل يُذكر بمفرده، لكن غالبًا بالارتباط بيَشُوع (يَهُوشَع) الْكَاهِن الْعَظِيم، أو اللاويين أو الرؤساء ثم الأنبياء، حَجَّيِ وَزَكَرِيَّا.  من الجميل أن نرى وحدة الشعب في هذا المرحلة: «كَرَجُل وَاحِدٍ ... جَمِيعُ الْقَادِمِينَ مِنَ السَّبْيِ ... مَعًا ...  وَكُلُّ الشَّعْبِ» (عز3: 1، 8، 9، 11).  وهذا هو احتياج شعب الله، أشخاص لهم خدمة يؤدونها في توافق وانسجام مع باقي أعضاء الجسد الواحد، بحسب ما أخذ كل واحد.  لا يمكن لخدمة الرجل الواحد أن تخلق مناخًا للوحدة بين شعب الله.

نتعلم أيضًا من هذه البقية الراجعة درس ترتيب الأولويات، والأولويات في عمل الله ليست هي الأمور الأهم بحسب رؤيتنا، بل بحسب فكر الله.  كان أول شيء عملوه هو بناء المذبح” (عز3: 2)، لأن المذبح هو أساس العلاقة مع الله، وأساس قبول الله للشعب ولعمل أيديهم.  لكن ليس ذلك فقط، فقد «أَقَامُوا الْمَذْبَحَ فِي مَكَانِهِ» (عز3: 3)، ورجعوا في باقي الأمور للمكتوب والمرسوم والترتيب الذي أعطاه الله قبلاً في المكتوب (عز3: 4، 10).  تظهر ايضًا فطنتهم الروحية في إصعاد المحرقات أولاً (عز3: 6)، التي تكلمنا عن نصيب الله وشبعه بما عمله المسيح، ثم قدموا فيما بعد ذبائح الخطية عن جميع إسرائيل (عز6: 17)، ثم عملوا الفصح والفطير في ميعاده (عز6: 19- 22).

يُعطينا زَرُبَّابِلُ في عزرا 4: 1-3 درسًا في عدم المساومة.  جاءه عرض مغرى - بحسب الظاهر - من أهل السامرة ليشاركوهم العمل، ولكن زَرُبَّابِلُ ورؤوس الآباء، رفضوا ذلك بوضوح وحزم.  كانوا قليلين والعمل كبير، ويأتي آخرون منتسبين أو ذوي علاقة بشعب الله، يريدون أن يشاركوا، ثم إنهم أتوا من ذواتهم عارضين المشاركة، لم يطلب منهم أحد.  لكن زَرُبَّابِلُ والرؤساء يرفضون لأن هؤلاء لا يعبدون الرب كما يجب، وهذا واضح من قولهم إلهكم، وليس ”إلهنا“ (عز4: 2). كان أهل السامرة «يَتَّقُونَ الرَّبَّ وَيَعْبُدُونَ آلِهتَهُمْ كَعَادَةِ الأُمَمِ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ مِنْ بَيْنِهِمْ ... يَتَّقُونَ الرَّبَّ، وَيَعْبُدُونَ تَمَاثِيلَهُمْ، وَأَيْضًا بَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ.  فَكَمَا عَمِلَ آبَاؤُهُمْ هكَذَا هُمْ عَامِلُونَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ» (2مل17: 33، 41).

من عزرا 5: 1-2 وحَجَّيِ 1، 2، نجد تجاوب زَرُبَّابِل والشعب مع الكلمة النبوية المُوبخة والمُشجعة.  القائد المؤثر هو من يعرف أن يتضع أمام كلمة الله ويطيعها، مُقدمًا نفسه قدوةً لشعب الله في هذا الأمر.

عندما يوجد رجال لله وسط شعبه، تستقيم حالة شعب الله وسلوكياتهم طيلة وجودهم.  نقرأ ذلك في نحميا 12: 47 عن زَرُبَّابِل ونَحَمْيَا حيث لم يكن شعب الرب يُقصِّر في أداء أنصبة اللاويين في أيامهما، وهو نفس ما قيل - بشكل آخر - في قضاة 2: 10 عن تأثير جيل يشوع والشيوخ على قداسة شعب الله التي تأثرت كثيراً بعد غيابهم!

يستوقفنا في سفري حَجَّيِ وَزَكَرِيَّا المشجعات الإلهية التي قدمها الرب لزَرُبَّابِل.  في حَجَّيِ 1: 13 نرى ”المعية الإلهية“؛ «أَنَا مَعَكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ».  وهذا أول ما يحتاجه من يعمل عمل الرب.  بهذا التشجيع يُختم إنجيل مرقس، إنجيل العمل والخدمة: «وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ» (مر16: 20).

في حَجَّيِ 2: 4 نرى ”القوة الإلهية”؛ «فَالآنَ تَشَدَّدْ يَا زَرُبَّابِلُ، يَقُولُ الرَّبُّ ... وَتَشَدَّدُوا يَا جَمِيعَ شَعْبِ الأَرْضِ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَاعْمَلُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ».  ومن المُلفت أنه في بدايات كثيرة أعطى الرب هذا الوعد ومتَّع عبيده وشعبه بهذا ”التشديد الإلهي الخاص“ مثلما نقرأ عن موسى (عب11: 27)، ثم يشوع (4 مرات في يشوع 1)، وجدعون (قض7: 11)، وسليمان(1مل2:2)، والكنائس في بداياتها (أع 16: 5).  تمتَّع عزرا لاحقًا بذات الأمر كما كتب في عزرا 7: 28 «وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ تَشَدَّدْتُ حَسَبَ يَدِ الرَّبِّ إِلهِي عَلَيَّ».  والذي شدَّد زَرُبَّابِل في المرحلة الأولى، شدَّد عزرا في المرحلة الثانية، لأن معونات قوته لا تنضب.

يعمل الرب فينا، ويعمل أيضًا معنا، لكنه كذلك يعمل لأجلنا مُمتعًا إيانا باختبار ”النُصرة الإلهية“. أعطى الرب لزَرُبَّابِل وعدًا مشجعًا في زكريا 4: 6، 7: «هذِهِ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى زَرُبَّابِلَ قَائِلاً: لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ.  مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟  أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلاً!».  وأيضًا في حَجَّيِ 2: 7، 22: «وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ ... وَأَقْلِبُ كُرْسِيَّ الْمَمَالِكِ، وَأُبِيدُ قُوَّةَ مَمَالِكِ الأُمَمِ ».  نعم لا يخلو طريق العمل لأجل الرب من صعاب كالجبال تتحدى في المسير، لكن لنا ربنا القدير.  الأمر يحتاج إلى الإيمان «فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ.  وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ» (مت21: 21، 22).

عندما نكون في مشيئته ومُتكلين عليه بقلوب كاملة، فإن الرب يمتعنا بوافر ”العناية والحراسة الإلهية“.  يظهر ذلك في تقرير الروح القدس في عزرا 5: 5: «وَكَانَتْ عَلَى شُيُوخِ الْيَهُودِ عَيْنُ إِلهِهِمْ فَلَمْ يُوقِفُوهُمْ».  من جهة الشعب، الرب يرى عبيده الأمناء، وعيناه تجولان في كل الأرض، ليتشدد مع الذين قلوبهم كاملة نحوه.  ومن جهة أعدائهم فالرب يرى ويحفظ وأحيانًا يُعمي عيونهم، حتى لا يتعرضوا لشعبه ويطمئنهم لدرجة أنه يقول: «لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ» (زك2: 8).  إن عينيه تلاحظ كل شيء وهذا مصوَّر بالحجر ذي السبع أعين المذكور في الرؤيا الواردة في زكريا 3: 9، والذي يتكلَّم عن ربنا - له المجد - في كمال إحاطته بأحوال شعبه وعملهم وما حولهم.  ألا يطمئننا ذلك ونحن نعمل؟  أحد الأسماء المذكورة في سفر عزرا هو ”أَلِيهُوعِينَاي“ (عز8: 4)، و”أَلْيُوعِينَاي“ (عز10: 22، 27)، ومعناه ”إلى يهوه عيني“ أو ”إلهي هو عيني“.  وهذا ما تمتع به زَرُبَّابِل والشعب فعلاً.

في المستقبل سيختبرون ذلك أيضًا بحسب زكريا 12: 4 الوعد: «وَأَفْتَحُ عَيْنَيَّ عَلَى بَيْتِ يَهُوذَا، وَأَضْرِبُ كُلَّ خَيْلِ الشُّعُوبِ بِالْعَمَى».  إن الراعي الصالح يرعى شعبه، وينصحهم بعينه التي هي عليهم.  ولكن ليس كذلك الراعي الباطل، الذي يتكلَّم عن النبي الكذاب الذي ستقبله الأمة مستقبلاً، التارك الغنم والذي عينه اليمني تكل كلولاً! (زك11: 17).  والقادة، متى كانت لهم الرؤية الإلهية، يستطيعوا أن يمارسوا دورهم في الملاحظة كنُظَّار وسط شعب الله ببصيرة روحية ثاقبة ودون كلل مثل موسى (تث34: 7).

 يكشف إلهنا عن عيوننا، قدر ما تستطيع أن تبصر، بمشاهد عن ”المجد الإلهي“ الذي سيُضفيه الرب على مسكنه في المستقبل، ليشجعنا ونحن نعمل في الحاضر.  لذلك شجع الرب زَرُبَّابِل بالمجد الأخير للبيت (حج2: 9 بحسب ترجمة داربي وترجمات أخرى).  وهذا ما سيتم على الأرض عندما يملك الرب ويبني هيكله ويحل فيه بمجده (زك6: 12، 13؛ حز 43: 2، 5).  هو يرى النهاية من البداية، وليس هذا عجيبًا في عينيه، حتى وإن كان عجيبًا في أعين شعبه (زك8: 6).  لا يُختم الكتاب إلا ويصف لنا الكنيسة بالقول: «لَهَا مَجْدُ اللهِ، وَلَمَعَانُهَا شِبْهُ أَكْرَمِ حَجَرٍ كَحَجَرِ يَشْبٍ بَلُّورِيٍّ» (رؤ21: 11).  حتى وإن كان اليوم يوجد ”دَنَس أو غَضْن» (أف5: 27)، فلن يكون كذلك غدًا، فلنتشجع ونعمل!

مُحِّفز آخر في طريق العمل نجده في حَجَّيِ 2: 23 وهو ”السلطان الإلهي“ المُمَّثل في كون زَرُبَّابِل “خَاتِم“ بمعنى  خَاتِم التوقيع الملكي“.  وهذا عادةً يبرز في الهيبة والتأييد الإلهي والذي يعطيه الرب لعبيده سواء أمام شعب الرب أو أمام أعدائهم.

هذا لا يعني ألا يكون هناك مقاومات ومعوقات للعمل. بمجرد أن شرع زَرُبَّابِل والشعب في بناء بيت الرب، ثار الأعداء (عز4: 6- 24).  وبالرغم من وجود مرسوم كُورَش الذي كان لصالحهم، لكن لم يلتفت مَنْ جاء بعده؛ أَحَشْوِيرُوش أو قمبيز (عز4: 6)، لهذا المرسوم أولاً.  وهكذا توقف العمل لما يقرب من 15 سنة.  لكن الرب له الكلمة الأخيرة . كان الرب قد أصدر الأمر من خلال كُورَش قائلاً: «عَنْ كُورَشَ: رَاعِيَّ، فَكُلَّ مَسَرَّتِي يُتَمِّمُ. وَيَقُولُ عَنْ أُورُشَلِيمَ: سَتُبْنَى، وَلِلْهَيْكَلِ: سَتُؤَسَّسُ» (إشِ44: 28).  فلا بد أن يتم العمل.  وبعدما استؤنف العمل - ليس بسلطان مرسوم ملكي آخر، لكن بسلطان الكلمة النبوية (عز5، حج1)، ثار الأعداء مرة أخرى، ولم يوقفوهم هذه المرة، وبكل شجاعة يجيب الشيوخ: «نَحْنُ عَبِيدُ إِلهِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» (عز5: 11)؛ أي صاحب السلطان المُطلق.  ولم يخز رجاؤهم في إلههم، فاستصدر لهم مرسومًا من دَاريُوس بعدم التعرض لهم، بل وتُعط نفقة البناء عاجلاً من مال الملك، وإمدادهم بما يحتاجون من ثيران وكباش وخراف لمحرقات وحنطة وملح وخمر وزيت حسب قول الكهنة، تُعط لهم يومًا فيومًا! والعقاب لأي شخص يُغَّير هذا الكلام (عز6: 1- 12). ومن الغريب أن ترى دَاريُوس ملك فارس يعترف بسلطان الله بالشكل الذي ذكره في عز6: 12: «اللهُ الَّذِي أَسْكَنَ اسْمَهُ هُنَاكَ يُهْلِكُ كُلَّ مَلِكٍ وَشَعْبٍ يَمُدُّ يَدَهُ لِتَغْيِيرِ أَوْ لِهَدْمِ بَيْتِ اللهِ هذَا الَّذِي فِي أُورُشَلِيمَ».  ويطلب من شعب الله الصلاة لأجل حياته وحياة بنيه (عز6: 10)!

كان إكراماً من الرب لزَرُبَّابِل أن يداه ليس فقط تؤسسا البيت، بل تتمانه أيضًا (زك4: 9)؛ ”الإتمام الإلهي“.  لا يسير العمل دائمًا هكذا في خدمة الرب.  فقد يكون دور أحدهم أن يؤسس، وآخر بعده يكمل وآخر يُتمم.  قال الرب ليشوع: «أَنْتَ قَدْ شِخْتَ. تَقَدَّمْتَ فِي الأَيَّامِ. وَقَدْ بَقِيَتْ أَرْضٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا لِلامْتِلاَكِ» (يش13: 1).

زَرُبَّابِلُ رمز للمسيح يسوع:

عندما نقرأ حَجَّيِ 2: 20-23، وزَكَرِيَّا ٤:٤- ١4، لا بد أن نستنتج أن زَرُبَّابِل رمز للمسيح.  قيلت نبوات بالارتباط بزَرُبَّابِلُ لا تجد إتمامها إلا في المسيح فقط .  في حَجَّيِ 2: 23: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، آخُذُكَ يَا زَرُبَّابِلُ عَبْدِي ابْنُ شَأَلْتِيئِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ، لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ».  ما هو ذلك اليوم؟  الإجابة نجدها في الآيات السابقة، هو اليوم الذي فيه يزلزل الرب السَّماوات والأرض، ويقلب كرسي الممالك ويبيد قوة ممالك الأمم، أي اليوم الذي ينهي فيه الرب سيادة الأمم، أو أزمنة الأمم.  وما هو إلا يوم الرب الذي تحدثنا عنه النبوات.  في ذلك اليوم أيضاً بحسب حَجَّيِ 2: 6-9 يزلزل الرب السماوات والأرض والبحر واليابسة، ويزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم، ويملأ مجد الرب بيت الرب والمجد الأخير للبيت يكون أعظم من المجد الأول، ويعطي الرب السلام في مكان البيت. وعبرانيين 12: 26، 27 يؤكد لنا الإتمام المستقبلي لهذه النبوة.  ومن الواضح أن هذا لم يتم في عودة الشعب من السبي بقيادة زَرُبَّابِل.  والسؤال من الذي سُيعطَى السلطان بعد انتهاء سيادة الأمم؟  في دانيال 2: 34- 45 نقرأ عن الحجر الذي قُطع بغير يدين وضرب التمثال وصار جبلاً كبيرًا، وملا الأرض كلها، وهي مملكة ابن الإنسان التي لن تنقرض أبدًا، بل تثبت إلى الأبد.  وعندما تُكَمَّلَ أزمنة الأمم يأتي ابن الإنسان في سحابة بقوةٍ ومجدٍ كثير (لو21: 24-27).  يقول له رب الجنود: «وَأَجْعَلُكَ كَخَاتِمٍ، لأَنِّي قَدِ اخْتَرْتُكَ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ» (حج2: 23).  والمقصود كخاتم في إصبعي، والخاتم يعني السلطان، لأنه خاتم التوقيع الملكي.  الأرض اليوم مُسلمة ليد الشرير، وقد استطاع الشيطان أن يقول للمسيح، عندما أراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان: «لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ» (لو4: 6).  وفي هَامَان عندما أعطاه أَحَشْوِيرُوش خَاتَمَه ليفعل ما يشاء، نرى صورةً لذلك.  لكن لن يظل الوضع كذلك إلى ما لا نهاية، فقد قال الرب قبل أن يترك الأرض: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ» (مت 28: 18)، وقريبًا سيستلم هذا السلطان، ويتسلط لا على إسرائيل فقط (مي5: 2)، بل على كل الأرض، ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض (مز72: 8)، وهذا ما نراه في يوسف عندما خلع فرعون خَاتَمَه من يده، وجعله في يد يوسف (تك41: 42).  كان سليمان أيضًا رمز للرب يسوع المسيح في هذا الأمر، عندما قيل عنه أنه كان متسلطًا على جميع الممالك (1مل4: 21).

وبالإضافة لهذا، فإنه يُذكر عن زَرُبَّابِل أنه ”عَبْد الرب“ وأنه ”مُختار“ (حج2: 23)، وهو في هذا أيضاً رمز لمن قيل عنه: «هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ» (إش42: 1).

هناك المزيد مما يمكن أن نراه في زَرُبَّابِل كرمز للرب يسوع المسيح.  من ذلك، أنه كان قائد شعبه في الرجوع، وربنا اسمه «يسوع” لأنه " يُخلِّص شعبه.  كما أنه في يوم آتٍ سيُرسل ملائكته فيجمعون مختاريه (مت24: 31).  بنى زَرُبَّابِلَ بيت الرب، والمسيح هو باني البيت الأعظم، سواء كان الكنيسة (مت 16: 18)، أو الهيكل الألفي (زك6: 12، 13).  وقيل عنه أيضًا إنه يؤسس ويُتمم (زك4: 9)، حجر الزاوية هنا تعني حجر الرأس أو تاج البناء، وهذا إشارة للمسيح (إش28: 16؛ مز118: 22).

يُذكر زَرُبَّابِلَ عادةً بالارتباط بيَهُوشَع الْكَاهِن الْعَظِيم، والشخصيتان معًا يمثلان المُلك والكهنوت اللذان سيجتمعان في شخصه المجيد حيث سيجلس على كرسيه (عرشه كملك) وسيجلس كاهنًا على كرسيه (زك6: 13)

وعد الرب زَرُبَّابِل بأنه عندما سيتم ذلك سوف ”يُعطي السلام“ (حج2: 9)، وعندما سيجلس المسيح «كَاهِنًا عَلَى كُرْسِيِّهِ» ستكون «مَشُورَةُ السَّلاَمِ بَيْنَهُمَا كِلَيْهِمَا»، أي بين المُلك والكهنوت (زك6: 13).

كان زَرُبَّابِلُ ممسوحًا من الرب، ويُلَّقب مع يَهُوشَع الْكَاهِن الْعَظِيم: ”ابْنَا الزَّيْتِ“ (زك4: 14)، وهو في ذلك صورة باهتة للممسوح من الآب (عب1: 9؛ مز2: 2، 6؛ أم8: 23؛ إش 61: 1-3).

كان زَرُبَّابِلُ من النسل الملكي لكنه لم يكن مِلك، وهو يرمز للمسيح ابن داود الذي لم يجلس على عرشه عندما جاء متضعًا أولاً.

عندم نقرأ أيضًا عن سمات زَرُبَّابِل الشخصية، ليس فقط وضعه الرسمي، نرى فيه مشابهات مع الرب يسوع المسيح.  كان زَرُبَّابِلُ أمينًا على آنية بيت الله، والروح القدس يقول صراحةً عن ربنا أنه "أمينًا" للذي أقامه.  لكن يفوق موسى وزَرُبَّابِلَ وكل الأمناء في بيت الله، إذ إنه «ابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ » (عب3: 1- 6).  لا يمكن أن يُفقد شيء أو شخص من المسيح (يو10: 29).  وكما كان زَرُبَّابِلُ يحافظ على قداسة شعب الله، هكذا المسيح هو الذي يقدس شعبه، ويطهر كنيسته (أف5: 26)

وكما رأينا سابقًا زَرُبَّابِل في طاعته للمكتوب والعمل بحسب كلمة الله والخضوع لها، وهو في ذلك صورة للطائع الكامل (مز40: 8)، وكذلك في معية الرب له وتشديده له نرى ما تمتع به الإنسان الكامل من معية الآب له (أع10: 38؛ يو16: 32؛ مز 89: 21).

عماد ثروت 

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com