عدد رقم 2 لسنة 2025
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (22)  

الأصحاح الخامس

ثانيًا: الثروة وسرعة زوالها

(ع8-17)

سبق وأن ذكرنا أن الموضوع  البارز في هذا القسم الثاني من الأصحاح (ع8-17)، هو “زيادة الثروات“، فنقرأ عن:

«َمَنْفَعَةُ الأَرْضِ» (ع9).

«يُحِبُّ الْفِضَّةَ ... يُحِبُّ الثَّرْوَةَ ... دَخْل» (ع10).

«كَثُرَت الْخَيْرَاتُ ... مَنْفَعَة» (ع11).

«وَفْرُ الْغَنِيِّ» (ع12).

وهكذا كان ازدياد الثروات هو الموضوع الماثل أمام ذهن سليمان في هذه الفقرة، ولكن نُلاحظ أيضًا حديثه عن وقتية الثروة، طبيعتها العابرة، وسرعة زوالها «كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَانًا يَرْجعُ ذَاهِبًا كَمَا جَاءَ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ تَعَبِهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فِي يَدِهِ» (ع15).  وهكذا فمن الواضح أن هذه الآيات تهتم بالثروات والممتلكات، وسرعة زوالها.

وفي هذه الأعداد يعود سليمان إلى موضوعات سبق أن تناولها في الأصحاحين الثالث والرابع: تعويج القضاء (جا3: 16؛ 5: 8)، الظلم والمظالم (جا4: 1؛ 5: 8)، بُطْل الثروات (جا4: 8؛ 5: 10).  وهنا قد ينشأ السؤال: إذا كان الله صارمًا في مسألة النذور والأقسام (جا5: 1-7)، فكيف يتسامح مع التصرفات الظالمة غير العادلة؟! 

وهنا تظهر ومضة من إيمان سليمان، لترفعه فوق المنطق البشري الطبيعي، عندما يقول: «إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا» (ع8).  فالظلم ونزع الحق وتعويج القضاء، لا يجب أن تكون موضوعات اندهاش أو ارتباك أو ارتياع!  ولا يجب أن يقترن هذا بالخوف.  ولقد وجد سليمان قدرًا من الراحة في حقيقة أن كل الأمور تحت المراقبة الساهرة، والتدقيق الشديد للسلطة العليا.  شيء يخضع للتدقيق اليقظ من قبل السلطات العليا.  ويُترجم ”داربي“ العبارة على النحو التالي: ”إن فوق المسؤول من هو أعلى منه يراقبه، وفوقهما من هو أعلى منهما يراقبهما “.  وهكذا يرى البعض أن الأعلى هو الله، وهو فوق الملك وجميع الحكام، فيجب أن يرتاع الإنسان من وجود الظلم ونزع الحق، لأن الله يملك بالعدل والحق، ويعرف كل شيء، ويُجازي كل إنسان حسب أعماله.

ولكن بحسب النص العبري، يرى البعض في هذه الآية ثلاث رتب من الحكام؛ أي حاكم، وحاكم أعلى منه، وحاكم فوقهما (وبالعبري ”حُكام فوقهما“)، وكلهم ظالمون.  ففوق العالي من هو أعلى منه يحميه، وفوقهما من هو أعلى منهما يحميهما.  فلا فائدة من رفع الدعوى إلى حاكم أعلى.  وبدلاً من أن يُستَمع بعدل إلى شكوى الفقير، تضيع قضيته في دهاليز البيروقراطية، والحق الذي كان يجب أن يذهب إلى الفقير، يذهب إلى جيوب المسؤولين.  وهكذا فمعنى الآية «وَمَنْفَعَةُ الأَرْضِ لِلْكُلِّ. الْمَلِكُ مَخْدُومٌ مِنَ الْحَقْلِ» (ع9)،  أن كل الحُكام ظالمون، ويأخذون منفعة الأرض كلها.  والملك يأخذ منفعة الحقل، فلا يبقى شيء للفلاحين.

وتُقدّم لنا ترجمة NIV شرحًا للآية 8 على هذا النحو: ينظر أحد المسؤولين إلى مسؤول أعلى منه، وكلاهما ينظر إلى الأعلى منهما.  وبدلاً من أن يجد الفقير مَن يسمع لشكواه، بطريقة عادلة وأمينة، وبلطف وسعة صدر، يضيع المطلب الجوهري، والقضية والمسألة، بسبب الروتين والتعقيدات الإدارية.  ويضع المسؤولون، في جيوبهم، الأموال التي كان يجب أن تذهب للفقير البريء.  وهكذا فغالبًا ما يُضطهد الفقراء لكي يحصل الأغنياء على المزيد، وعادة ما يحصلون على أكثر مما يحتاجون.

وهكذا على مر العصور، وفي جميع الأجيال، يوجد مَن يُجادل مُحاولاً إثبات المميزات العظيمة والكثيرة أن يمتلك الإنسان الأموال، ويكتنز الثروات.  ولكن في الآيات المتبقية من هذه الفقرة (ع10-17)، يتكلَّم سليمان عن المشاكل التي تُجلبها كثرة الأموال، وعن سبعة مساوئ للثراء والغنى:    

أولاً: المال لا يُعطينا الاكتفاء: الإنسان الذي يُحبّ جمع المال لا يشبع منه أبدًا «مَنْ يُحِبُّ الْفِضَّةَ لاَ يَشْبَعُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَمَنْ يُحِبُّ الثَّرْوَةَ لاَ يَشْبَعُ مِنْ دَخْلٍ.  هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ» (ع10).  ولا يوجد مَن يستطيع أن يُشبع القلب البشري سوى الرب يسوع المسيح الذي قال: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ.  مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا» (يو6: 35).

ثانيًا: المال يجذب عددًا كبيرًا من المنتفعين: «إِذَا كَثُرَتِ الْخَيْرَاتُ كَثُرَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا، وَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِصَاحِبِهَا إِلاَّ رُؤْيَتَهَا بِعَيْنَيْهِ؟» (ع11).  فقد ينجح الإنسان في سعيه وراء الفضة، وتتكون لديه ثروات ضخمة، ولكن هناك ما قد يُسبب المرارة إذ سيكتشف ازدياد عدد الطامعين الآكلين لهذه الثروة التي تعب فيها، وما هو إلا متفرج عليها.  ولا ننسى قول الحكيم: «أَيْضًا مِنْ قَرِيبِهِ يُبْغَضُ الْفَقِيرُ، وَمُحِبُّو الْغَنِيِّ كَثِيرُونَ» (أمثال14: 20).

ثالثًا: المال يُسبب القلق في الليل: «نَوْمُ الْمُشْتَغِلِ حُلْوٌ، إِنْ أَكَلَ قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا، وَوَفْرُ الْغَنِيِّ لاَ يُرِيحُهُ حَتَّى يَنَامَ» (ع12).  فالعامل الفقير يعمل ويكدّ ويكدح، ويحصل على القليل من المال، ولكن تعبه الجسماني يجعل نومه يأتي سريعًا.  وأيضًا لأنه فقير فهو لا يعاني من أمراض الجشع والقلق التي للأغنياء، لذلك فهو ينام مستريحًا بلا هم.  والعجيب أن الأطعمة الكثيرة والثروة العظيمة كلها تفشل فيما يحققه نوم المشتغل. 

رابعًا: المال يُسبّب الأذى لصاحبه الذي يذخّره: «يُوجَدُ شَرٌّ خَبِيثٌ رَأَيْتُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ: ثَرْوَةٌ مَصُونَةٌ لِصَاحِبِهَا لِضَرَرِهِ» (ع13).  ثروة ضارة!  يا للعجب!  لماذا؟  إن المال، ولا شك، يرفع عن الكاهل بعض الهموم، ويحلّ بعض المشكلات، ولكنه يجلب معه همومًا أخرى موازية للتي رفعها؛ فالتعب يُرافق عملية الحصول عليه، والقلق يُلازم محاولة الحفاظ عليه، كما أن استخدامه لا يخلو من تجارب، وسوء استعماله يقود إلى الشعور بالذنب، وفي خسارته حزن وأسى، وكيفية إنفاقه واستثماره تصحبها الحيرة، ومحبته أصلٌ لكل الشُّرُورِ (1تي6: 10)، فهي تفجر الطمع، والحسد، والأنانية، والتنافس البغيض، والنزاعات والخلافات.  والناس في سعيهم المحموم وراء المال يُهملون الأمور الروحية، ويُصبح خلاصهم وإيمانهم أمورًا يُشكُّ فيها.

خامسًا: المال من الممكن أن يُفقد ويضيع فجأة: «فَهَلَكَتْ تِلْكَ الثَّرْوَةُ بِأَمْرٍ سَيِّئٍ، ثُمَّ وَلَدَ ابْنًا وَمَا بِيَدِهِ شَيْءٌ» (ع14).  ويا له من تحذير موَّجه لكل مُولع بالكسب، أو مَنْ يظن أن في زيادة ثروته ضمان لمستقبل آمن له ولأولاده مِن بعده.  فكم مِنْ غني ضاعت ثروته في مشاريع خاسرة، أو ضاعت بسبب أي مصيبة أو مشكلة: حرب، زلزال، سرقة، حريق ... إلخ.  «فَهَلَكَتْ تِلْكَ الثَّرْوَةُ بِأَمْرٍ سَيِّئٍ».  ولم يترك لابنه شيئًا «ثُمَّ وَلَدَ ابْنًا وَمَا بِيَدِهِ شَيْءٌ».

ما أرعب أن يضيع المرء الجهد كله لكي يوفر لأولاده ثروة، ثم يكتشف أن هذا الجهد ضاع مع الريح.  ولكن ما هو أكثر إيلامًا ألا يترك الإنسان لأولاده الطريق السليم؛ طريق الإيمان والاتكال على الرب.  وما أروع إعلان الكتاب المقدس:

«فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ ثِقَةٌ شَدِيدَةٌ، وَيَكُونُ لِبَنِيهِ مَلْجَأٌ» (أم14: 26)،

«أَيْضًا كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا.  الْيَوْمَ كُلَّهُ يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ، وَنَسْلُهُ لِلْبَرَكَةِ» (مز37: 25، 26).

سادسًا: المال لا يُؤخذ أي شيء منه إلى العالم الثاني بعد الموت: «كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ عُرْيَانًا يَرْجِعُ ذَاهِبًا كَمَا جَاءَ، وَلاَ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ تَعَبِهِ فَيَذْهَبُ بِهِ فِي يَدِهِ.  وَهَذَا أَيْضًا مَصِيبَةٌ رَدِيئَةٌ، فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ هَكَذَا يَذْهَبُ، فَأَيَّةُ مَنْفَعَةٍ لَهُ، لِلَّذِي تَعِبَ لِلرِّيحِ؟» (ع15، 16).  فالإنسان لن يأخذ معه شيئًا من جميع الأمور الأرضية التي أُعطيت له لكي يتمتع بها وقتيًا وإلى حين، ولذلك يجب أن يتحفظ إزاءها، فلا يضع قلبه عليها.  وحقيقة الأمر أن الإنسان لن يستطيع الخروج بشيء من هذا العالم الذي لم يدخل إليه بشيء (أي1: 21؛ مز49: 17؛ 1تي6: 7).

سابعًا: محبة المال تُفقد الإنسان البصيرة الروحية: «أَيْضًا يَأْكُلُ كُلَّ أَيَّامِهِ فِي الظَّلاَمِ، وَيَغْتَمُّ كَثِيرًا مَعَ حُزْنٍ وَغَيْظٍ» (ع17).  إن محبة المال تجعل الإنسان الجشع لا يشعر بعناية الله، ولا يرى يد الله الحانية عليه، ويعيش محرومًا من نور طلعته، يأكل بلا فرح، بل في غيظ وحزن وغم، خوفًا مِمَنْ قد يأكلون أمواله، أو مَنْ يتربصون به مِنْ السرَّاق واللصوص.  

أحبائي: ليتنا نصحو ونتعقل ونعلم أن:

«اَلْقَلِيلُ الَّذِي لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِنْ ثَرْوَةِ أَشْرَارٍ كَثِيرِينَ» (مز37: 16).

«اَلْقَلِيلُ مَعَ مَخَافَةِ الرَّبِّ، خَيْرٌ مِنْ كَنْزٍ عَظِيمٍ مَعَ هَمٍّ» (أم15: 16).

«اَلْقَلِيلُ مَعَ الْعَدْلِ خَيْرٌ مِنْ دَخْلٍ جَزِيلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» (أم16: 8).

«بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ الرَّبُّ مَعَهَا تَعَبًا» (أم10: 22).

«وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ ... فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا ... لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ» (1تي6: 6-10).

قارئي العزيز: «لاَ تَتْعَبْ لِكَيْ تَصِيرَ غَنِيًّا.  كُفَّ عَنْ فِطْنَتِكَ» (أم23: 4).  وإن أردت أن تشعر بالغنى الحقيقي، فما عليك إلا أن تُعدّد البركات التي شملك بها الله، والتي لا تُقتنى بالمال.

وإنْ كانَ للغيرِ رِبحٌ ومالْ
فَعُدَّ المرَاحِمَ ليستْ تُنالْ

 

ففي وعدِ فادينا مِلءُ الغِنَى
سماءٌ بمالٍ ولا تُقتَنَى

وللحديث بقية ... إن شاء الرب وعشنا.


© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com