«مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا،
وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟
نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ
وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ
وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ
بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا
تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا
مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ
مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ
وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا» (إش٥٣: ١-٦).
«مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟»؛ يستخدم بولس
هذا السؤال الوارد في إشعياء ٥٣: 1-3 أثناء حديثه
في رومية ١٠: ١٦، تدليلاً على عدم إيمان إسرائيل، الشعب نفسه الذي انتظر
بنوه مجيء مسيّاهم قرونًا عدّة، ولكنهم لما جاء أتمّوا كتابهم المقدّس برفضهم له. فقد فاتهم أن ينظروا في يسوع ”ذِرَاعُ الرَّبِّ“
وقد امتدّت لخلاصهم، شأنهم في ذلك شأن غالبيَّة البشر اليوم. وغالبًا ما يقول المؤمنون إنهم في الأيام
السابقة لتجديدهم كانوا يرون الرب «كَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ»، ثم
أصبح الآن كليَّ البهاء والجمال في أنظارهم. لكن هذا التعبير لا يُوحي الافتقار إلى اللياقة
أو الجمال، وإنما بأن الرب يسوع نبت قدّام الله كفرخٍ أو غصن جديد. هذا هو الإنسان الذي ”الغصنُ“ اسمه، فرخٌ يطلع
في أرض إسرائيل المتمسِّكة بالمظاهر، نبتةً فريدة الجمال يتفرّس فيها الرب بملء
الرضى، حتى إنه يفتح السماوات له ويقول له: ”هذا هو ابني الحبيب الذي سُررت به كل السرور“
”بحسب ترجمة داربي“.
فهذا ما كانه ربُّنا
المبارك في نظر الله؛ فرخًا طريًّا، نبتةً بالغة الروعة والجمال، طالعًا في أرض
إسرائيل اليابسة، بل في أرض البشرية قاطبة. لقد كان ثمينًا عند الله بما يفوق الوصف؛ ولكنه
عند غير المؤمنين من البشر، لم يكن له صورة ولا جمال ولا منظر بهيج. أي أن الناس لم يتبيّنوا ذلك الجمال الأدبي
الذي جلّل مُحياه كل حين. وقد فات بعضَ
مُعلِّمي المسيحية فهمُ التعبير «لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ»، حتى
اعتقدوا أن الرب يسوع المسيح وهو إنسان كان غير جذّاب المنظر بحيث لا يُرغِّب
أحدًا في النظر إليه. لكن هذا يخالف المواضع الكتابية الأخرى. ففي مزمور ٤٥: ٢ نقرأ عن ربنا المبارك: «أَنْتَ
أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ»، وثمة كلُّ الأسباب التي تحملنا على
الاعتقاد أن الرب يسوع المسيح - لكونه وحدَه الذي بلا خطية بين جميع مَن وَلدوا في
هذا العالم كله - قد جاء أرضنا في جسدٍ بشريٍّ كامل وفريد الجمال بلا أي عيب. وفيما هو ينمو إلى طور الشباب فالبلوغ، لا شك
أنه كان ذا منظر بهيٍّ جليل جميل، إلا أن مَن سمعوا تعاليمه لكن أحبُّوا خطاياهم،
فأغضبهم، لم يروه ذا جمالٍ ليشتهوه. وليست
المسألة هنا مسألة صفاتٍ جسمانية، لأن الآلام التي تحملَّها جعلت «مَنْظَرُهُ كَذَا
مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ»
(إش52: 14). لكنه لما كان إنسانًا على هذه
الأرض، فإن الإنسان الثاني، آدم الأخير، كان من حيث صورته البشرية ومحيّاه وملامحه
كامل الجمال على الإطلاق. غير أن الناس
رمقوه بنظرات الهزء والاحتقار، لكونِ تعاليمه طالت الحياة التي أحبّوا أن يعيشوها.
وهكذا قالوا: ”إذا نظرنا إليه، لا نجد فيه
جمالاً يستهوينا!“ ولذلك يُتابع النبي
الفكرة فيما يلي. ثم هذا كله في أثناء
أيام خدمة ربنا هنا على الأرض. وقبل ذلك،
لا نجد أي تلميحٍ يُفيد أنه احتُقر أو خُذل. والقليل الذي يُقال عنه: «كَانَ يَتَقَدَّمُ
فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ» (لو2:
52). فقبل بدء خدمته، لا ريب أنه كان
مقبولاً ومرحبًّا به حيثما ذهب: فقد كان قارئًا في مجمع الناصرة ـ فيما يبدو ـ
لأنه ذهب إلى هناك وأخذ يقرأ علنًا من سفر إشعياء هذا، بحيث أنه كان واجدًا نعمةً
لدى مواطنيه. حتى إذا انطلق لإتمام
مأموريّته العظمى، أخذ الناس يتحوّلون عنه، فصار محتقرًا ومخذولاً عندهم؛ رجل
أوجاع ومختبِر الحزن، وكمن ستَّرنا عنه وجوهنا، كان محتقرًا فلم نعتدَّ به. لكنه
كان يتألم بدلاً منا، وفي مكاننا. وإذ كان
مرفوضًا ومحتقرًا، احتمل بصبرٍ كلَّ الخزي الموضوع عليه.
حسب الشعب أن الأحزان والأوجاع
التي احتملها المسيح هي دينونة من الله على خطاياه الشخصية، استحقَّها لأجل ما كان
عليه في ذاته، وكأن الله كان غاضبًا عليه. أما الحال، فهو أنه كان يغوصُ في لجَّة أحزاننا،
ويُكابد الآلام التي جلبتها الخطية على جنس البشر. وطوال حياة أتضاعه، عاين الشقاوة التي جّرتها الخطية.
وقال قوم عنه إن به شيطانًا ونعتوه بالسامريّ، وعزلوه باعتباره مُضِلاً، معتبرين أن
الآلام التي كابدها كان يستحقُّها.
هذا الكلام يأتي بنا إلى الصليب،
حيث احتمل الرب بالنيابة عنّا تلك الدينونة التي استحقَّتها خطايانا، حتى نُشفى بجراحه.
فهناك على الخشبة، كان هو أعظم ذبيحة خطية وذبيحة سلامةٍ أيضًا، إذ هناك صنع سلامًا
بدم صليبه (كو١: ٢٠). ومن المؤكّد أننا نجد
هنا حديثًا عن الكفّارة النيابية. ويعترض بعضهم
على هذا أحيانًا بحجَّة عدم ورود كلمة بدالة أو نيابة في الكتاب المقدس، ولكن عندما
يحل واحدٌ محلَّ آخر، وينال ما يستحقّه الآخر، فهذا عمل بديلي. ونجد هنا هذه العبارة الواضحة المحدّدة: «لكِنَّ
أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا … وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا،
مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا»، والتأديب الذي يقتضيه سلامُنا قد وقع عليه فكانت
النتيجة أننا «بِحُبُرِهِ شُفِينَا!».
وفي الآية السادسة - إذا جاز
التعبير - نجد الله يضبط حسابات العالم في قيدي دَين وقيدِ وفاءٍ واحد. أما قيدا الدّين
فهما: «كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا»؛ وهنا إشارة إلى سقوط الجنس البشري كافة. وأيضًا: «مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ»؛
وهنا إشارة إلى خطية كل إنسان بمفرده. وأمّا
قيد الوفاء الذي يسدُّ كل دينٍ في دفاتر الله، فقط لو قبل الناس الأمر، فهو «وَالرَّبُّ
وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا». نجد
ها هُنا موجزًا لأخبار الكتاب المقدّس كلِّها: فساد الإنسان بحسب الطبيعة والعمل معًا،
وعلاج الله العجيب الكليّ الكفاية. فالآية
تبدأ وتنتهي بضمير المتكلِّمين ”نا“ في ”كُلنا“ و”جميعِنا“. وقد هدى الله نفسًا راغبة
إلى هذه الآية فوجدت السلام. وبعد ذلك قال
صاحبُها: «انحنيت إلى الأسفل كثيرًا ودخلت باب أولِ ”نا“، ثم انتصبت واقفًا وخرجتُ
من بابِ آخرِ ”نا“! فالباب الأول هو الاعتراف
بحاجتنا الماسَّة؛ والباب الثاني يبيّن لنا كيف يلبّي صليب المسيح تلك الحاجة تلبيةً
تامة. فيا لغبطة مَن يُحسب في عداد الموافِقين
على هذا، ويجد الخلاص بالعمل الكفاري الذي اُكمل على الصليب! وعندي أن الآية السادسة هي أعجب آية في الكتاب المقدس.
فقد مضى عليَّ ستون عامًا وأنا أكرز بالإنجيل، وقد كانت هذه أول آيةٍ بشّرت بالاعتماد
عليها. إذ كنت ابن أربع عشرة سنة، لما بدأت
الكلام على هذه الآية في أحد شوارع لوس أنجلوس بصحبة جيش الخلاص. شرعت أتحدَّث وفي نيَّتي أن أنتهي بعد خمس دقائق،
ولكن بعد نصف ساعة مال القائد إلى أذني وهمس قائلاً: ”كان علينا أن نكون في القاعة
منذ عشرين دقيقة، فدع ما تبقّى لمرة أخرى أيها الفتىى!“ ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول
أن أقول ما تبقّى، ولكني طوال السنين ما كُنت لأفرغ من هذه الآية.
هنري
أيرونسايد