(1) أزلية المسيح: المسيح كأقنوم أزلي، لم يكن بدايته الميلاد العذراوي، لأنه «فِي الْبَدْءِ
كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ
... وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يو1: 1، 14). فقبل خلق الإنسان، وفي الأزل، يقول الوحي عن المسيح: «كُنْتُ عِنْدَهُ
صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ. فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ،
وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ» (أم8: 30، 31).
وهو الذي أُوكل إليه إعادة تجديد الخليقة في تكوين 1، 2. وهناك الكثير من الإشارات عن ملاك الرب في
العهد القديم هي ظهورات صريحة للابن، لكن بالتجسد اكتسب الابن جسدًا وهو ما جاء
عنه الإشارة: «هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا» ( عب10:
5 ).
(2) مجيئه في الزمان: في ملء الزمان «أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ» (غل4:
4)، بعدما تبرهن فشل الإنسان تمامًا في كل التدابير، واحتياجه لمخلص، جاء الرب
يسوع في الجسد. ولو فطن اليهود بحسابات
دقيقة، لتوقعوا الوقت التقريبي لولادته من خلال أسابيع دانيآل السبعين وربما حنة
بنت فنوئيل والمنتظرين له في الهيكل حسبوا هذه الحسبة، فنبوة دانيآل (دانيآل 9)
حددت الوقت الذي سيُقطع فيه المسيح (أي يموت)، من وقت أمر أرتحشستا ببناء السور
حتى صلب المسيح، وبطرح منها نصف أيام عمر الإنسان 35 سنة حيث المتوسط 70 كما قال
موسى، وحيث أن المسيح مات في نصف أيامه،
يمكن حينذٍ توقع التوقيت الذي تتحقق فيه النبوة الخاصة بولادته.
(3) غير المحدود في جسد محدود! بالتجسد قَبِلَ محدودية الزمان
والمكان. فالله سماء السموات لا تسعه (
1مل8: 27 )، لكنه بالتجسد قَبِل محدودية الزمان والمكان، فلكي يصل للسامرة ربما
مشى على قدميه حتى تعب من السفر وجلس هكذا على البئر (يو4)، لم يخطفه روح الله
ليصل به بسرعة مثلما عمل مع فيلبس المبشر في سفر الأعمال (أع8). فكلمة ”أخلى نفسه“ معناها وارى مجد اللاهوت في
الناسوت، ولم يستخدم إمكانياته الإلهية في خدمة نفسه، كما قيل عنه: ”إن أعظم معجزة
عملها المسيح أنه عاش كإنسان على الأرض ولم يعمل لنفسه شيئًا واحدًا“.
(4) عاش بيننا:
تجسد لكي يتواصل معنا، فتكلم بلغة البشر ومشى في شوارعنا وعاش في أرضنا وفي
تعاليمه قدم تشبيهات وأمثالاً يفهمها البشر وفي عظاته كان يقدم التعاليم في بساطة،
للدرجة التي يفهمه فيها الصغير والكبير.
(5) البشارة بميلاد المسيح: بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بميلاد المسيح، ولا عجب! فالملائكة ظهرت لتخدم الرب في البشارة به، وفي
الهتاف يوم ميلاده، وفي خدمته بعد مواجهة إبليس في البرية في بداية خدمته، وفي وقت
صلاته في البستان، جاء ملاك من السماء ليقويه. وفي مشاهد قيامته وفي مشهد صعوده، فإذا كانت
الملائكة أرواحًا مرسلة لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص (عب1: 14)، فكم بالأحرى تكون خادمة لابن الله!
(6) الغني المُفتقر: لم يولد المسيح في مزود، بل قُمط وأُضجع في مزود، ففي وقت ولادته، وكان
هناك أمر إلهي أنه لا بد أن يولد في بيت لحم وليس في الناصرة، وسلطان الله على
قلوب الملوك هيمن على إصدار قانون الاكتتاب الذي أصدره قيصر، الذي بتنفيذه يكون
يوسف ومريم في بيت لحم وقت ولادة الطفل يسوع ولم يكن لهما مكان في المنزل
(الفندق)، لزحمة المكان، فكان لهما مكان في حظيرة المواشي ولما ولد، ولد في ظروف
لا يولد فيها أفقر البشر!
(7) قصة الميلاد في البشائر: قصة حياة المسيح جاءت في أربع
بشائر: متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لكن لم ترد حوادث الميلاد في بشارة مرقس ولا
يوحنا، لأن مرقس تكلم عنه كالعبد، والعبد لا يهمنا نسبه ولا مولده. ويوحنا كتب عنه كابن الله وهو الأزلي الذي لا
بداية أيام له ولا نهاية حياة. أما متى
فتكلم عنه لليهود كالملك ويهمنا معرفة سلسلة النسب، إنه أتى من نسل داود. ولوقا تكلم عنه للأمم باعتباره ابن الإنسان،
فجاء بالنسب لناثان بن داود الذي جاءت منه مريم، فكان التركيز في متى على يوسف وفي
لوقا على مريم.
(8) قصة الميلاد في متى: في متى 1 ، 2 ترد حوادث الميلاد والتركيز فيها على يوسف خطيب مريم الذي لم
يكن له خيار ثالث، أما فضح مريم وبعدها يتم رجمها أو تخليتها أي تطليقها سرًا، ولم
يكن يدري أن الرب له بديل ثالث لم يكن ذهنه مهما تخيل سيصل إليه!
(9) قصة الميلاد في لوقا: يتكلم لوقا في بشارته عن حادثة الميلاد (لو1، 2) والتركيز فيها على
العذراء مريم والبشارة لها بميلاد المخلص. وسبق الحوار مع العذراء، قصة زكريا وأليصابات
ومولد يوحنا المعمدان الذي كان أسبق من المسيح (كإنسان) بستة شهور. وفي لوقا 2 تأتي قصة هتاف الملائكة: «الْمَجْدُ
للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ». ولماذا هتفت الملائكة؟ لأنها لم تكن تقدر على رؤية أقنوم الابن قبل
التجسد، فكانت تغطي بجناحين وجوهها في محضره، لكن عندما تجسد «تَرَاءَى
لِمَلاَئِكَةٍ» (1تي3: 16).
(10) متى ذكرَ قصة المجوس تالية للميلاد
بسنتين تقريبًا، أما لوقا فذكرَ موضوع الرعاة والبشارة لهم وكانت يوم الميلاد نفسه. ومن الملاحظ أن الرعاة متبدون (بدو)، كانوا
ساهرين على رعيتهم والذين يُبشرون هم الساهرون، وليس الكسالى. أما المجوس، فهؤلاء هم علماء فلك من أرض إيران
فلقد كلمهم الرب باللغة التي يفهمونها، فظهر لهم نجم مميز يتحرك معهم إلى أن وصل
حيث الصبي يسوع ووقف فوقه، فنجم مضى كل الوقت ويتحرك في اتجاه المولود ولأن وسائل
السفر لم تكن مثل أيامنا هذه، فربما قطعوا المسافة من بلاد الشام حتى فلسطين سيرًا
على الأقدام وقصة المجوس ترينا أن للرعاة البسطاء نصيبًا في
الرب، كما العلماء.
(11) ختان
الطفل يسوع وتقدمة الفقراء: عندما خُتن المسيح، قدموا
عنه تقدمة الفقراء وهي فرخا حمام أو يمام، فلم يقدما ثورًا أو خروفًا، فهذا لم يكن
في طاقتهما المادية، هكذا نشأ المسيح في وسط أسرة فقيرة في ظل بيت يمتهن بمهنة
محدودة بحسب تقييم أيام الميلاد وليس أيامنا طبعًا.
(12) نبوة
سمعان البار: كان قد أوحى لسمعان أنه لن يرى الموت
قبل رؤيته للمخلص، فلما رآه، قال عبارته الشهيرة: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا
سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ،
الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ
إِسْرَائِيلَ» (لو2: 29-32). ولقد تنبأ
سمعان بالصليب عندما قال للعذراء مريم: «وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ
سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ» (ع35).
(13) المجوس
قدموا له ذهبًا ولبانًا ومرًا؛ الذهب للمَلك، واللبان للكاهن، والمر للمتألم. والعجيب أنه كان لهم التمييز لمن يقدمون، مع أن
الصبي يسوع لم يكن عمره يتجاوز سنتين، وكان في رفقة أمه ويوسف النجار.
(14) هيرودس
وقتل الصبيان: قتل هيرودس الصبيان من ابن سنتين فما دون وكان المقصود من هذه
الإبادة هو المسيح وهكذا دائمًا، فإبليس يستهدف التخلص من المُخلِّص مُبكرًا بحرب
استباقية، وهذا ما حدث مع يوسف وهو غلام ومع موسى وهو طفل ومع يوآش وهو طفل وهنا
في قصة الميلاد مع الرب نفسه وعادة يستهدف أولادنا في مراحل صغرهم، لئلا يصيروا
سهامًا بيد جبار كأبناء الشبيبة.
(15)
سيُدعى ناصريًا: عندما أُرجع المسيح من مصر، عاش في الناصرة المحتقرة من البلاد
المجاورة لها، فتمت فيها النبوة: «إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا» (مت2: 23). فهذه النبوة المشار إليها لم ترد بالنص في
العهد القديم، لكن روح العهد القديم كله تخبرنا أنه سيكون محتقرًا ومخذولاً من
الناس (إش53: 3).
في
ختام هذه الخواطر، يُثار هذا السؤال: إذا كان المسيح قد أتى للعالم لكي يخلص
البشرية، فكل طفل يولد لكي يعيش والمسيح ولد لكي يموت، هل كان هناك لزوم لرحلة
التجسد؟! وإن كان هناك لزوم، هل كان هناك
داعٍ لرحلة النمو من الطفولة للصبا، للرجولة ويموت سن 33 سنة، فكان من الممكن كما
أن الميلاد عذرواي معجزي، يأتي المسيح رجلاً ويموت لأجل خلاص البشرية؟!!
عن
لزوم رحلة التجسد كان لا بد أن يصير في الهيئة كإنسان، لكي يفدي الإنسان وأن
يشابهنا في كل شيء ما عدا الخطية. وهكذا
أيضًا تبرهن من خلال حياته واحتكاكاته مع البشر أنه بلا خطية، كما أنه جُرِب في كل
شيء مثلنا، بلا خطية، فمن ثم يقدر أن رثي ويُشفق ويتحنن عل المُجرَّبين؛ يرثى من
واقع تجربة، وليس فقط من واقع علمه باعتباره الله العالم بكل شيء. وهو - تبارك اسمه - لا يعين من واقع قدرته فقط
باعتباره القادر على كل شيء، لكن يقترب من المؤمن المجرب باعتباره جُرَّبَ بمشاعر
إنسانية كاملة اجتاز فيها ولا يوجد نوع تجربة إلا واجتاز فيه رب المجد وأخذ منه
جرعات تفوق كل ألام يجتاز فيها إنسان على الأرض.
قبل
أن نختم هذه الجولات عن الميلاد، اسمح لي أن أسألك - عزيزي القارئ: هل استفدت من مجيء
المسيح للعالم؟ لقد سعت قدماه لخلاصك،
فجاء من المجد للأرض وسار من المذود للصليب، لكي يُعلن محبته لك، ولكي
يُخلصك. فهل قبلته مُخلِّصًا شخصيًا
لك! ليتك تكون فعلت!