عدد رقم 1 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
المسيح وكَفْرَنَاحُوم (2)  

 خامسًا: شخصية المسيح في كَفْرَنَاحُوم:

على أنه ليست فقط أقواله وليست فقط قواته هي التي تجتذبنا، بل شخصه قبل كل شيء يجتذب القلب.  في يوحنا 12: 41 نقرأ أن إِشَعْيَاء «رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ (عن شخصه)».  فماذا لو أن إِشَعْيَاء كان بالرؤيا استطاع أن يرى مجد الرب يسوع، ويتقصى أثر طريقه، سائرًا من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية في أرض مولده، فأي سجود كان سيُقدِّمه له!، فلقد رآه على كرسيه العالي المرتفع وأذيال ثيابه تملأ الهيكل، والسرافيم تغطي الوجوه من بهاء مجد لاهوته، ونحن نحتاج أن نتعرف على شخصه ونستشعر مجده المستور خلف حجاب أسمك من أجنحة السرافيم؛ حجاب الجليلي المتضع المرفوض من العالم.

وبأية عواطف كتب الرسول الشيخ الذي كان يسوع يُحبه حين يقول في أخريات أيامه «الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ ... الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ ... لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً» (1يو1:1-4).  ونحن لا نستطيع أن نسمعه أو نراه أو نشاهده أو نلمسه كما فعل الرسول، لكن تستطيع عيون إيماننا أن تتثبت عليه - له المجد - على صفحات الأناجيل الأربعة وتشاهد مجده.  وأي موضوع آخر يستطيع أن يملأ قلوبنا فرحًا وشبعًا نظيره؟

وبطرس في كلمات قليلة يصف خدمته بالقول: «يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ» (أع10: 38).

لنتأمله ذاهبًا من مكان إلى مكان، ثم في الصبح باكرًا جدًا يمضي إلى موضع خلاء ليصلي، ولما جاءه سمعان وبعض من التلاميذ، وقالوا له: «إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ.  فَقَالَ لَهُمْ: لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا، لأَنِّي لِهذَا خَرَجْتُ.  فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ الْجَلِيلِ وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ» (مر1: 38).

وعندما طاف في الناصرة «وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ»، لم يكل من أن يستمر في خدمته «وَصَارَ يَطُوفُ الْقُرَى الْمُحِيطَةَ يُعَلِّمُ» (مر6: 6).  ولوقا أيضًا يُقدِّمه لنا كمن «كَانَ يَسِيرُ فِي مَدِينَةٍ وَقَرْيَةٍ يَكْرِزُ وَيُبَشِّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (لو8: 1).  وبالرغم من المعارضة التي قابلها، كان يقول للفريسيين: «يَنْبَغِي أَنْ أَسِيرَ الْيَوْمَ وَغَدًا وَمَا يَلِيهِ» (لو13: 33).

لم يكن يُرى فقط ذاهبًا من مكان إلى مكان، لكن أيضًا كان يُرى في الأماكن المختلفة التي كان يقضي فيها أوقات النهار.  ومرة عندما سُمع أنه في بيت «وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ» (مر2: 2).  وبعد ذلك «أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ.  فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ» (مر3: 19، 20)، ومع ذلك فكان يحرص على أن يكون مع تلاميذه في البيت، ليحدثهم على انفراد.  نقرأ عنه بعد شفاء الصبي الذي كان به روح أخرس أصم يصرعه «وَلَمَّا دَخَلَ بَيْتًا سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ عَلَى انْفِرَادٍ: لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟» (مر9: 28).

وإذ كان يجتاز في الجليل كان يتحدث إلى تلاميذه عن الآلام التي كانت تنتظره؛ أما هم فبدلاً من أن يفهموا ماذا سيكون للمعلم، كانوا يتحاجون في الطريق بعضهم مع بعض في من هو أعظم!  لم يتدخل الرب يسوع إلا فقط «إِذْ كَانَ فِي الْبَيْتِ»، فسَأَلَهُمْ: «بِمَاذَا كُنْتُمْ تَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الطَّرِيقِ؟  فَسَكَتُوا، لأَنَّهُمْ تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ.  فَجَلَسَ وَنَادَى الاثْنَيْ عَشَرَ»، وكلَّمهم عن التواضع (مر30:9-37).  وهكذا نراه يسير ويدخل البيت، ويسأل وينتظر بصبر أن تتحدث ضمائر التلاميذ إليهم، ثم يجلس ويدعوهم إليه ليوبخهم وينصحهم بوداعة وحزم.

وفي متى 13: 36 انتظر الرب حتى عادوا إلى البيت ليفسر لتلاميذه الأمثال التي نطق بها.

أما على شاطئ البحر بصفة خاصة، فكان يُمارس خدمته العامة «وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِيًا عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ ... فَقَالَ لَهُمَا: هَلُمَّ وَرَائِي ... ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ ... فَدَعَاهُمَا.  فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ» (مت4: 18؛ مر1: 16).  ثم بعد ذلك «خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِ ... وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي» (مر2: 13، 14).

وحين تشاور عليه الفريسيون والهيرودسيون لكي يُهْلِكُوهُ (مر6:3) «انْصَرَفَ يَسُوعُ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْبَحْرِ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ ... فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ أَنْ تُلاَزِمَهُ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ لِسَبَبِ الْجَمْعِ، كَيْ لاَ يَزْحَمُوهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَفَى كَثِيرِينَ، حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِ لِيَلْمِسَهُ كُلُّ مَنْ فِيهِ دَاءٌ.  وَالأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!» (مر7:3-11).

ما أجمله مشهدًا!  إنها النعمة العاملة التي لا تكل، والملآنة بالرحمة.  في متى 13 نراه يخرج من البيت ويجلس عند البحر، ويدخل السفينة، ويجلس ويتكلَّم بأمثال إلى الجموع الكثيرة الواقفة على الشاطئ.  وعند شاطئ البحر أيضًا جاء يايرس وخرَّ عند قدميه، وطلب إليه كثيرًا من أجل ابنته.

كان الرب يُحب أن يُكلِّم الجموع عند شاطئ البحر، ولكن ذلك لا يعني أنه كان يخشى أن يدخل المجمع.  بل هناك في المجمع شفى رجلاً به روح نجس (مر1: 23).  ودخل أيضًا ليشفي الرجل ذا اليد اليابسة، دون أن يبالي بعداوة من كانوا يحيطون به (مر1:3-5).

وعندما كان الرب يريد أن يكون منفردًا مع تلاميذه، كان يذهب إلى الجبل.  وهناك دعا الاثني عشر (مر3: 13، 14).  وهناك نطق بالتطويبات (مت5: 1-12).  وهناك أيضًا، في مساء يوم عمل، صعد منفردًا ليُصلي بعد أن أشبع الجموع، وألزم التلاميذ أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر (مر6: 45، 46).

وفي مرقس 9: 2-8 نقرأ «وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ»؛ ألا توجد بركة خاصة في الانفراد معه، حيث لا نرى أحدًا إلا يسوع وحده (ع8)؟  وفي السكون عند قدميه، حيث نقضي الساعات في الاستماع إليه ورؤية مجده؟  لا شك أنه من النافع لنا أن نجلس عند قدميه كل يوم، وبقدر الإمكان في الصباح الباكر، ومن المهم أيضًا من وقت لآخر - إن أمكن ذلك - أن نقضي عدة ساعات، أو يومًا أو يومين في انفراد معه، والاستماع إليه في صمت.  هو نفسه كان - تبارك اسمه - يحضّهم قائلاً: «تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً» (مر6: 31).  ونقرأ في مرقس 1: 35: «وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ، وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ».

ومع أنه كان يعرف أن يختلي عندما يكون وقت الاختلاء، فإن صفحات الإنجيل تسجل خدمته التي كانت بلا كلل، بصفة خاصة في الجليل.  في مرقس 1: 33 «كَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ»، وكما سبق ورأينا عندما جاء إلى البيت في كَفْرَنَاحُوم «لِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ (البيت) يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ» (مر2: 2).  وعند شاطئ البحر كان كل الجمع يأتي إليه، ومرة أخرى ««أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ.  فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ» (مر3: 19، 20).  وفي يوم آخر «إِذْ كَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا جِدًّا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ، دَعَا يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ» (مر8: 1، 2).

وعند نزوله من جبل التجلي، وجد حول التلاميذ جمعًا كثيرًا، وكتبة يحاورونهم، وقال لهم: «أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟  إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟»، ومع ذلك فقد شفى المريض ورده إلى أبيه (مر9: 14-27).

ولا شك إن كل ذلك كان يسبب له تعبًا شديدًا.  ومثالاً لذلك نقرأ في مرقس 4: 36 أن التلاميذ صرفوا الجمع، ثم «أَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ».  وبالرغم من نوء الريح العظيم، والأمواج التي كانت تضرب إلى السفينة «كَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا» (مر9: 38).  كان هناك كعامل تاعب يلذ له النعاس. هذه كانت الصورة التي يظهر بها.  ولكن تحت هذا الستار، كان هو ”صورة الله“؛ وكمَن جمع الريح في حفنتيه وصر المياه في ثوب (أم30: 4)، «قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: اسْكُتْ!  اِبْكَمْ!  فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ» (مر9: 39).

أعجب به عبدًا كاملاً!  خادمًا لا يكل.  ولكن ما يزيد العَجَب أكثر هو طاعة هذا العبد.  إن الإنسان كخليقة الله، وكذلك المؤمن كمفدي الرب، هو عبد.  أما هو فقد أراد أن يصير عبدًا.  هذا ما أضفى على خدمته وطاعته مجدًا وجعل لهما من القيمة ما لا يُقدَّر.

ألا يؤثر ذلك في قلوبنا ونحن نسمعه يقول بصوت النبي في نهاية حياته على الأرض، عندما تركه الجميع - واحد أسلمه، وآخر أنكره، والباقون مضوا عنه - «أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: عَبَثًا تَعِبْتُ. بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي. لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي» (إش49: 4).  لكن ماذا كان الجواب الإلهي عليه؟ «قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (إش49: 6).  وهو نفسه استطاع أن يقول أيضًا: «إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يو12: 24).  ألا يذكرنا هذا بمزمور 126: 6 حيث نقرأ عن الذين يزرعون بالدموع، فيحصدون بالابتهاج، وعن الذاهب بالبكاء، ومجيئه بالترنم؟

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com