عدد رقم 1 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
شفاء حماة بطرس  

 (مت8: 14، 15؛ مر1: 31؛ لو4: 38، 39)

اختطاف من النار

في الأيام الباكرة لخدمة الرب التجوالية، وبعد أن حضر الرب المجمع في كفر ناحوم، يوم السبت، ذهب مع بعض تلاميذه إلى بيت بطرس، فوجد هناك حماته مضطجعة وقد أخذتها حمى شديدة، فشفاها الرب من الحمى التي كانت فيها، فتركتها الحمى حالاً فقامت وصارت تخدمهم.

والحمى مرض يصيب الإنسان نظرًا لرفض الجسم لأشياء غريبة وسامة، الأمر الذي ينتج عنه ارتفاع في درجة حرارة الجسم أثناء محاولته إيقاف تأثير هذه السموم.  وإذ تتجاوز حرارة الجسم * معدلها الطبيعي يحدث ارتباك في أجهزة الجسم، ويشعر المريض بالإعياء والانهاك وعدم الراحة .. ويزداد شعوره بالعطش .. فإذا اشتدت الحمى أكثر، يدخل المريض في حالة اللاوعي، ويصعب أن يذهب إلى الطبيب، بل يلزم أن الطبيب هو الذي يأتي إليه.

يا لها من صورة صادقة للخطية.  فإن كنا رأينا في البرص صورة لنجاسة الخطية، والموت الأدبي الذي تسببه، فإننا في الحمى نجد صورة أخرى لما تسببه الخطية من تعب، حاضرًا وأبديًا.

لماذا وجه الرب نداءه للمتعبين لكي يأتوا إليه فيريحهم؟  أليس لأن الخطية مثل الحمى تصيب صاحبها بالتعب؟  فهو لا يرتاح إذا لم يعمل الخطية، ولا يرتاح إذا عملها.  وتنتظره أبدية لن يكون فيها راحة نهارًا وليلاً (رؤ14: 11).

ومرتكب الخطية لا يرتوي أبدًا.  وليس فقط هو هنا دائم الإحساس بالعطش، بل وينتظره - بعد الموت - لهيب أقسى يطلب فيه قطرة ماء لتبريد لسانه، فلا يُجاب طلبه (لو16: 24).

ولقد وصف هوشع الشعب الخاطئ بالقول: «كُلُّهُمْ فَاسِقُونَ كَتَنُّورٍ مُحْمًى مِنَ الْخَبَّازِ ... كُلَّ اللَّيْلِ يَنَامُ خَبَّازُهُمْ، وَفِي الصَّبَاحِ يَكُونُ مُحْمًى كَنَارٍ مُلْتَهِبَةٍ.  كُلُّهُمْ حَامُونَ كَالتَّنُّورِ» (هو7: 4-7).

والخطية ألا تصيب صاحبها بالهذيان كالحمى؟  ألم نسمع كثيرًا خاطئًا يتكلم باستخفاف عن الأبدية والمخلص؟  إن صاحبنا هذا قد أخذته حمى شديدة، فدخل في حالة اللاوعي.

والحمى معدية، وهكذا الخطية «فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ» (1كو15: 33).

لكن جاء الطبيب العظيم إلى البيت، فهل يمكن أن يجتمع الرب والمرض معًا في نفس المكان؟  محال!  لكن تُرى كيف تعامل مع المرض؟ أية أشعات أو تحاليل طلبها؟  وأية أدوية أو عقاقير وصفها؟  لا شيء من ذلك على الإطلاق!

والعلاج من الحمى اليوم، ومع تقدم الطب الهائل، يحتاج إلى أسابيع وربما شهور، بعدها تبدأ الحمى في الاختفاء بالتدريج تاركة المريض منهكًا.  أما طبيبنا العظيم، فإن الأمراض تهرب هروبًا من أمام وجهه!

لقد انتهر الحمى ... إنه لم ينتهر المرأة المريضة، بالعكس لقد أمسك بيدها ... لكنه انتهر الحمى.  فالرب الذي يكره الخطية يحب الخاطئ.   لقد دان الله ”الخطية في الجسد“، لكنه لا يُسر بأن يدين الخاطئ، بل يريد أن جميع الناس يخلصون!

«وَفِي الْحَالِ قَامَتْ وَصَارَتْ تَخْدُمُهُمْ» (لو4: 39).  لقد أعطاها الرب الصحة والقوة، فاستخدمتها في خدمة الرب الذي أقامها، وفي خدمة تلاميذه.  ويا له من درس هام لنا!  لقد خدمها هو أولاً، فخدمته هي «فِي الْحَالِ».

هذه المعجزة وردت في الأناجيل الثلاثة الأولى: متى ومرقس ولوقا.  متى يقول في إنجيله إن الرب ”رَأَى حَمَاة بطرس“، بينما مرقس يقول «أَخْبَرُوهُ عَنْهَا»، وفي لوقا «سَأَلُوهُ مِنْ أَجْلِهَا».

ولا يوجد تناقض في هذه الروايات الثلاث: فهم أخبروه عنها، ثم سألوه حتى يشفيها، من ثم دخل حيث كانت مضطجعة ورآها ... لكن لأن متى يتكلم عن الرب كالمسيا، فهو لم يكن محتاجًا أن يقول له أحد عن شيء، إذ هو عليم بكل شيء.  لما عرف نثنائيل قبل ذلك، أن الرب رآه وهو جالس تحت التينة، أيقن أنه أمام ملك إسرائيل (يو1: 49).

لكنه كالخادم (بحسب بشارة مرقس) كان يجب أن يخبروه عنها.  لم يكن هناك داعٍ لأن يسألوه من أجلها، بل كان كل المطلوب أن يعرف احتياجها، وسواء سألوه أو لم يسألوه، كان سيقوم بخدمتها.  ويا للعجب من ملك يخدم الرعية! ما أعذب قوله لتلاميذه «أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدُمُ» (لو22: 27)!

إلا إنه كالكاهن (كما نراه في إنجيل لوقا) كان ينبغي أن يسألوه من أجلها.  والصلاة في إنجيل لوقا تحتل مكانًا بارزًا، حتى دعاه البعض إنجيل الصلاة.  وهنا نجدهم يسألون الكاهن العطوف من أجل هذه المريضة.

لاحظ هذه الثلاثية: لقد أخبروه عنها، لقد سألوه من أجلها .. ولا زالت هذه الأمور صحيحة حتى اليوم.  إنه يرى كل شيء، ويعلم عنك كل شيء، فلماذا لا تسأل منه ما لا يقدر على تحقيقه لك سواه؟!

ثم ما الذي عمله المسيح ليشفي حماة بطرس؟ إنها إذ كانت مضطجعة على الأرض تقدم منها ووقف فوقها (أي تجاهها) - حسبما ذكر لوقا.  ثم لمس يدها مجرد لمسة (كما يخبرنا متى) وفي فمه كلمات انتهار للمرض، فشُفيت في الحال.  لكنه ساعدها على النهوض وأقامها ماسكًا بيدها (كما يخبرنا مرقس).

فهو كالكاهن العطوف، كما يصوره لوقا، وقف أمامها، يرثي لها.  ثم كالمسيا، كما يصوره متى، لمسها.  فأي مرض لا يستلزم أكثر من لمسة فيهرب من أمامه.  لكنه كالخادم، كما في إنجيل مرقس، أمسك بيدها وساعدها على النهوض!

مجدًا له، فهو بعد أن بذل نفسه لأجلنا على الصليب ومضى إلى السماء، لا زال مستعدًا أن يمسك بنا «لأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ، بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ» (عب2: 16).

ينفرد لوقا بوصف الحمى أنها شديدة، ليس فقط لأنه طبيب (كو4: 16).  وقد تتبع كل شيء بتدقيق (لو1: 3).  بل بالأكثر لأن الروح القدس قصد أن يستخدمه ليوضح في إنجيله سمو نعمة الله في وصولها إلى أعماق بؤس الإنسان.  وكما رأيناه يصف الأبرص بأنه مملوء برصًا (5: 12)، هكذا هنا أيضًا يذكر عن حماة سمعان أنها أخذتها حمى شديدة.

لقد سبق أن حذر موسى بني إسرائيل بأنهم إن لم يسمعوا صوت الرب إلههم، ولم يعملوا بوصاياه وفرائضه، فإن الرب سيضربهم بالحمى والبرداء (تث28: 15، 22، انظر أيضًا لا26: 16). وإسرائيل في الوقت الحاضر نتيجة كسرهم الناموس، ثم رفضهم للمسيح، يشبهون امرأة أخذتها حمى شديدة.  فهوذا الصحف تطالعنا باستمرار عن القروض والمنح الأمريكية لإنعاش الحالة الاقتصادية وتغطية العجز في ميزان المدفوعات، بلا جدوى!  إنها تتدثر بالأغطية ولا تدفأ أو تنتعش أبدًا. وستظل كذلك في عدم الراحة «حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ» (لو21: 24).

لكن أليس بلسان في جلعاد أم ليس فيها طبيب؟ (إر8: 22).  هل الله إنسان فيكذب أو ابن إنسان فيندم؟! (عد23: 19).  ألا يعود الرب إلى ”البيت“ مرة ثانية؟  وألا يتذكر الروابط الطبيعية القديمة (حماة بطرس)، ووعوده مع الآباء (رو11: 28).

هذا ما سيحدث مع الأمة فعلاً.  سيشفيها الرب، وستقوم الأمة لتخدم سيدها وربها الذي شفاها، وعندئذ سيعم الشفاء العالم كله، في بداية الملك الألفي، الأمر الذي يذكره متى بعدها مباشرة «وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ» (مت8: 16).. وإذ ذاك ستتغنى البقية التقية من هذا الشعب بما ورد في إشعياء 53 فكم هو مناسب أن البشير متى (الذي يعني بإبراز التدابير المختلفة)، يقتبس في هذا المشهد إشعياء النبي «هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا».   نعم وقتها سيتم قول إشعياء في أوسع معانيه، إذ لن يكون المرض بصورة عامة في الملك الألفي (إش33: 24، 35: 5، 6 ؛ رؤ22: 2).



* إن كلمة الحمى مشتقة من نفس المصدر الذي يعني الحرارة المرتفعة.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com