عدد رقم 1 لسنة 2023
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (9)  

 الأصحاح الثاني

(2)

تنوّع اللَّذات والملذات

 في هذا الأصحاح يعرض لنا سليمان الخطوط العريضة لمختلف أنواع اللذات والملذات التي اختبرها، لعله يجد الاكتفاء والشبع، ومن بينها: الْفَرَحِ والخَيْر (المتعة - pleasure) (ع1)، الضحك (ع2)، والخمر والحكمة والحماقة (ع3)، والأعمال العظيمة؛ البيوت والكروم (ع4)، الجنات والفراديس (ع5)، وبرك المياه (ع6)، العبيد والجواري (ع7)، والممتلكات العظيمة من الماشية والغنم (ع7)، والثروة من الفضة والذهب (ع8)، والمغنين والمغنيات (ع8)، والحكمة والجنون والحماقة (ع12)، والتعب (ع18)، والأكل والشرب (ع24).

وهذا الأصحاح يُمكن تقسيمه بسهولة إلى 3 أقسام طبقًا لتكرار عبارة: «الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع11، 17، 26). 

القسم الأول (ع1-11): : بُطل اللذات والإنجازات

بعد أن أُصيب الجامعة بالإحباط في سعيه وراء المعرفة، وإذ لم يجد سوى البُطل والخواء، فإنه تحوَّل لكي يمتحن مسرات الحياة، لكنه وجد أن هذه أيضًا تقصر عن أن تُشبع الإنسان.

ونحن نجد في هذه الأعداد الأولى من هذا الأصحاح (جا2: 1-11)، الأشياء الرئيسية الثلاثة التي في العالم: شَهْوَةَ الْجَسَدِ (ع1-3)، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ (ع4-6)، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ (ع7-9).  لكنه وبعد التجربة وصف هذا كله مُستخدما كلمتي البُطل والحماقة «فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع10، 11).

تصريح سليمان (ع1، 2):

تبدأ كل من هاتين الآيتين الأوليتين بعبارة الحكيم: ”قُلْتُ أَنَا ... قُلْتُ”.  في ع1 يُشير سليمان إلى المكان الذي تكلَّم فيه: «قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي»بينما في ع2 يُشير إلى ما تكلَّم: «لِلضَّحْكِ قُلْتُ: مَجْنُونٌ، وَلِلْفَرَحِ: مَاذَا يَفْعَلُ؟»وبالتالي فهو ينوي التحقيق في مجالات أخرى من الحياة؛ الْفَرَحِ والخَيْر (المتعة - pleasure) (ع1)، الضحك (ع2).

لقد قال في قلبه؛ في إنسانه الداخلي، مما يدل على أن هذا لم يكن مجرد اختبار سطحي.  كان جادًا في محاولته استكشاف الأمور والتحقق منهاوأُثيرت تساؤلاته، بينما هو في أفضل ظروف مناسبة لفحص مشاعره.  ويُمكننا بسهولة تخيِّل بلاط سليمان، مع ولائمه وطعام مائدته، وأحادث اللهو والضحك التي يتردد صداها في كل القصركان طعام مائدته لليوم الواحد يؤكد أنه كان هناك تجمع كبير جدًا كل يوم، بكل ما يُصاحب ذلك من صخب ولهو وبهجة: «وَكَانَ طَعَامُ سُلَيْمَانَ لِلْيَوْمِ الْوَاحِدِ: ثَلاَثِينَ كُرَّ سَمِيذٍ، وَسِتِّينَ كُرَّ دَقِيق، وَعَشَرَةَ ثِيرَانٍ مُسَمَّنَةٍ، وَعِشْرِينَ ثَوْرًا مِنَ الْمَرَاعِي، وَمِئَةَ خَرُوفٍ، مَا عَدَا الأَيَائِلَ وَالظِّبَاءَ وَالْيَحَامِيرَ وَالإِوَزَّ الْمُسَمَّنَ (الطيور المعلوفة المُسمَّنة - fatted fowl)» (1مل4: 22، 23).  قدر البعض أن الأمر كان يحتاج أكثر من 30,000 ألف شخص لاستهلاك كميات الطعام التي كانت تُوضع على مائدة سليمان لليوم الواحد!

قال سليمان في قلبه: أجرب اللذة، وأمتع نفسي «قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي: هَلُمَّ أَمْتَحِنُكَ بِالْفَرَحِ فَتَرَى خَيْرًا».  ولكن استنتاج سليمان جاء عكس ما كان يتخيله الشخص العالمي، «إِذَا هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ.  لِلضَّحْكِ قُلْتُ: مَجْنُونٌ (جنون)، وَلِلْفَرَحِ: مَاذَا يَفْعَلُ؟»، أو فوجدت هذا أيضًا بلا معنًىوقلت: الضحك غباء وجنون، واللذة بلا فائدة “ (ع1، 2).  إنه يقول إن مثل هذه الحماقة هي مجرد مضيعة كبيرة للوقت، ولا تُحقق شيئًا

بحث سليمان (ع3):

«قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي» (ع1)، لكنه يعود ليقول: «اِفْتَكَرْتُ فِي قَلْبِي أَنْ أُعَلِّلَ جَسَدِي بِالْخَمْرِ، وَقَلْبِي يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَأَنْ آخُذَ بِالْحَمَاقَةِ، حَتَّى أَرَى مَا هُوَ الْخَيْرُ لِبَنِي الْبَشَرِ حَتَّى يَفْعَلُوهُ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ» (ع3)؛ جرَّب سليمان “اللهو البريء“، أو ما نُسميه نحن ”التفاهة“ أو ”الهيافة“، وهو ما أسماه سليمان هنا ”الْحَمَاقَةِ“، دون أن يتخلى عن الحكمة (ع3).  فمع أنه لم يترك الحكمة، لكنه حاول أن يُنعِش ويُطرب نفسه بالخمر، وجرَّب أشياء تبدو حمقاء، وكان قصده هو أن يرى ما هو نافع للناس ليعملوه في هذه الدنيا أثناء حياتهممرة أخرى، ليس من الصعب رؤية هذا في بلاط سليمان كل يوم.  لقد فعل ذلك مع أن عقله كان لا يزال يُرشده بالحكمةلم يكن أبدًا تحت تأثير الكثير من الخمر، وبالتالي لم يكن يكتب وهو مذهول مخمور

ويُعلّل سليمان مسلكه هذا بالقول: «حَتَّى أَرَى مَا هُوَ الْخَيْرُ لِبَنِي الْبَشَرِ حَتَّى يَفْعَلُوهُ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ» (ع3).  تجدر الإشارة مرة أخرى إلى تعبير «تَحْتَ السَّمَاوَاتِ» يؤكد أن مجال دراسته كان من وجهة نظر طبيعية وأرضية بحتة.

ومع ذلك ، يشق الملايين طريقهم إلى المسارح والعروض الكوميدية ودور السينما والمراقص والنوادي والحانات، بحثًا عن المتعة في أجواء عبثية وهمية خيالية تافهةولقد تبرهن لسليمان أن كل هذا لم ينجح في جلب السعادة الحقيقية للقلب البشريفي الواقع، في الأيام السابقة والأفضل، كان قد قال: «أَيْضًا فِي الضِّحِكِ يَكْتَئِبُ الْقَلْبُ، وَعَاقِبَةُ الْفَرَحِ حُزْنٌ» (أم14: 13).

ع4-6:  إنشاءات سليمان:

«فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًاعَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍعَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ» (ع4-6).  لم يُضيِّع سليمان وقته في اللهو والحماقة والتفاهة والهيافة، لكنه تحوَّل إلى الضد؛ إلى الإنجازات العظيمة والمشاريع العملاق الناجحة (ع4-6)، ولكنه لم يجد الاكتفاء، لا في الأولى ولا في الثانية!

لم يحرم سليمان نفسه من أي شيء ظن أن يُمكن أن يجعله راضيًا مكتفيًاومَن حظى بمركز مثل سليمان؟!  ومَن كان عنده مِن الإمكانيات لتكويم الغنى، وإقامة المشروعات العظيمة، التي يضع خططها الطموح البشرى؟!  وهكذا تبدأ كل من هذه الآيات الثلاث بنفس العبارة تقريبًا: «بَنَيْتُ لِنَفْسِي ... عَمِلْتُ لِنَفْسِي ... عَمِلْتُ لِنَفْسِي».  وفي الآيات 4-8 تتكرر كلمة لِنَفْسِي“ 6 مرات (ع4 (مرتين)، 5، 6، 8 (مرتين).  يبدو أنه يعكس صورة المزارع الغني الغبي، الذي تحدث عنه الرب يسوع عندما أوضح: «أَنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ» (لو12: 15).

وهكذا لم يضيع سليمان الوقت في التفاهات، بل انشغل بالأعمال العظيمة «فَعَظَّمْتُ عَمَلِي».  «بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا» (ع4)؛ ولم يُذكَر لنا عدد البيوت التي بناها، ولكن بعضها كان في منتهى العظمة: «أَمَّا بَيْتُهُ فَبَنَاهُ سُلَيْمَانُ فِي ثَلاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَكْمَلَ كُلَّ بَيْتِهِوَبَنَى بَيْتَ وَعْرِ لُبْنَانَ، طُولُهُ مِئَةُ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهُ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَسَمْكُهُ ثَلاَثُونَ ذِرَاعًا، عَلَى أَرْبَعَةِ صُفُوفٍ مِنْ أَعْمِدَةِ أَرْزٍ وَجَوَائِزُ أَرْزٍ عَلَى الأَعْمِدَةِوَسُقِفَ بِأَرْزٍ مِنْ فَوْقُ عَلَى الْغُرُفَاتِ الْخَمْسِ وَالأَرْبَعِينَ الَّتِي عَلَى الأَعْمِدَةِ » (1مل7: 1-3).  ونقرأ أيضًا عن «جَمِيعَ مُدُنِ الْمَخَازِنِ الَّتِي كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ، وَمُدُنَ الْمَرْكَبَاتِ وَمُدُنَ الْفُرْسَانِ، وَمَرْغُوبَ سُلَيْمَانَ الَّذِي رَغِبَ أَنْ يَبْنِيَهُ فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي لُبْنَانَ وَفِي كُلِّ أَرْضِ سَلْطَنَتِهِ»  (1مل9: 19؛ انظر أيضًا 2أخبار8: 4-6).

وتحدَّث سليمان أيضًا عن كرومه «غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا» (ع4)، وعن جناته وفراديسه «عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرِ» (ع5)، وعن بِرَك مياهه «عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ» (ع6). 

ع7: عبيد سليمان:  

كانت أعداد هائلة من الوكلاء والرؤساء، والعبيد والجواري الخدم في خدمة سليمان، ليتمكن من خلالهم من السيطرة على مملكته المتسعة جدًاونحن نذكر أنه «لَمَّا رَأَتْ مَلِكَةُ سَبَا كُلَّ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، وَالْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ، وَطَعَامَ مَائِدَتِهِ، وَمَجْلِسَ عَبِيدِهِ، وَمَوْقِفَ خُدَّامِهِ وَمَلاَبِسَهُمْ، وَسُقَاتَهُ، وَمُحْرَقَاتِهِ الَّتِي كَانَ يُصْعِدُهَا فِي بَيْتِ الرَّبِّ، لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ.  فَقَالَتْ لِلْمَلِكِ: «صَحِيحًا كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُهُ فِي أَرْضِي عَنْ أُمُورِكَ وَعَنْ حِكْمَتِكَوَلَمْ أُصَدِّقِ الأَخْبَارَ حَتَّى جِئْتُ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، فَهُوَذَا النِّصْفُ لَمْ أُخْبَرْ بِهِ. زِدْتَ حِكْمَةً وَصَلاَحًا عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي سَمِعْتُهُطُوبَى لِرِجَالِكَ وَطُوبَى لِعَبِيدِكَ هؤُلاَءِ الْوَاقِفِينَ أَمَامَكَ دَائِمًا السَّامِعِينَ حِكْمَتَكَ» (1مل10: 4-8). 

وليس ذلك فحسب، بل كان له أيضًا قِنْيَةُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا فِي أُورُشَلِيمَ قَبْله“.  كان إبراهيم وأيوب ثريين من حيث الغنم والبقر، لكن سليمان كان لديه أكثر من كل الذين كانوا قبله.

(ع8) الكنوز والمغنيون:

«جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ (كنوز) الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ» (ع8).  لقد جمع سليمان وكدَّس كميات هائلة من الفضة والذهب كما هو مذكور في 1 ملوك 9: 14، 28؛ 10: 14، 22، 27.  وهكذا نقرأ: «فَتَعَاظَمَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَلَى كُلِّ مُلُوكِ الأَرْضِ فِي الْغِنَى وَالْحِكْمَةِ» (1 ملوك 10.23).

وحاول سليمان أيضًا أن يجد التعزية والتسلية فيالمُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتٍ، والَزَوْجَات والَسَرَارِيّ، وَكُلَّ مَا يَنْعَمُ بِهِ الْبَشَرُ«اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ (زَوْجَات وسَرَارِي - a wife and concubines - a harem of beautiful concubines)»  (ع8). 

وكل ما سبق يعني أن سليمان استجاب لكل رغبة جسدية، ونهل منها ما شاء وما استطاع، حتى امتلئ كأسه وفاض.  وهكذا كان لدى سليمان خمر، نساء، وغناء بكثرة (ع3، 8)!

ع9، 10: عظمة سليمان:

تلخص هذه الآيات كل ما سبق، وتؤكد على عظمة سليمان المادية، وانغماسه المطلق في إرضاء كبريائه وزهوه، وفي إشباع رغائب الجسد المُحبّ للراحة والرفاهية.  

وهكذا عندما استعرض سليمان يراجع ما يتمتع به من وسائل الفرح والمُتع العالمية (ع1-3)، وممتلكاته المادية (ع4-8)، يتحدث عن عظمته العجيبة، دون أن تبارحه الحكمة. فيقول: «فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي» (ع9).  وعلى الرغم من أن إدراكه الروحي كان قد ضعف، ولكن بقيت حكمتي معه.

وكانت شهادة سليمان هي: «وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ» (ع10).  لقد كان أكثر ثراء وحكمة من أي شخص آخر عاش على الإطلاق،  ولم يكن له منافسون في هذه الأمور، وبينما كان يقدر إنجازاته بفخر، قال: «لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي» (ع10).

ع11: حزن سليمان:

وبالرغم من كل الأشياء العظيمة الرائعة التي عملها سليمان لنفسه، والتي سبق استعراضها، يبدو أن سليمان ينسحب من نشاطه المتواصل المتمثل في العمل والتعب والبناء والغرس والجمع والتكديس والزيادة والانغماس، ويتراجع إلى الوراء لمراجعة الفائدة الحقيقية من كل ذلك.  وبدلاً من عبارات الفرح والترنم والحمد، فإننا نستمع منه إلى كلمات الحسرة والأنين والإحباط، وهو يقول: «ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع11).  وبالنسبة للشخص ذي التفكير الأرضي، كان استنتاج سليمان مُذهلاً بقدر ما هو صحيح: «فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (ع11).  لقد اكتشف أنه لا يوجد شيء جوهري ، لا شيء ثابت، لا شيء مهم، في كل ما جمعه.  وطبعًا لم تكن المشكلة في العمل والنجاح والإنجاز في حد ذاته، ولكن كانت المشكلة في الهدف من وراء كل هذا العمللقد كانت رحلة الإنجازات ممتعة ومُلذة، ولكن محطة الوصول كانت مؤلمة!   

والأمر لا يتطلب سوى قدر بسيط كم الخيال لتصوّر الملك سليمان في صالة ولائمه الفخيمة (1مل10: 21)، حيث يتناول الأطعمة المختارة (1مل4: 22، 23)، ويشرب أفضل أنواع الخمور، ويُشاهد أفضل الموهوبين في مجال التسلية والترفيه (جا2: 8).  ولكن بعد انتهاء الحفل، وعندما فحص سليمان قلبه، وجد أنه لا يزال غير راضٍ وفارغًا وخاليًافالفرح والمرح كانا باطلين، مثل فقاعات صابون كثيرة، تنفجر بسرعة، ولا تُخلف وراءها شيئًا، وقد كتب هو نفسه قائلاً: «أَيْضًا فِي الضِّحِكِ يَكْتَئِبُ الْقَلْبُ، وَعَاقِبَةُ الْفَرَحِ حُزْنٌ.» (أم14: 13).

إن سعادة غير المؤمن عادة ما تحكمها الأحداث، والظروف، ولكن يمكن للمؤمن أن يترنم: «كَثِيرُونَ يَقُولُونَ: مَنْ يُرِينَا خَيْرًا؟  ارْفَعْ عَلَيْنَا نُورَ وَجْهِكَ يَا رَبُّجَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ» (مز4: 6، 7).

وللحديث بقية ... إن شاء الرب وعشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com