(قض3:
12-30)
إِهُودُ
بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ هو القاضي الثاني والمُخلِّص الثاني لشعب الله، من
عبودية عجلون ملك موآب، بالرغم أنه كان الرجل الأعْسَر (قض3: 12-30).
عدو أشرس:
«وَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُونَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ
الرَّبِّ، فَشَدَّدَ الرَّبُّ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ عَلَى إِسْرَائِيلَ،
لأَنَّهُمْ عَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. فَجَمَعَ إِلَيْهِ بَنِي عَمُّونَ
وَعَمَالِيقَ، وَسَارَ وَضَرَبَ إِسْرَائِيلَ، وَامْتَلَكُوا مَدِينَةَ النَّخْلِ. فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِجْلُونَ مَلِكَ
مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً» (قض3: 12-14).
كان
القضيب الذي استخدمه الرب لتأديب شعبه هذه المرة هو ”مُوآب“، متحدًا معه بنو عمون
والعمالقة، ثالوث الشر. إن العدو هذه
المرة ليس عدوًا بعيدًا، فموآب سليل لوط قريب إبراهيم، فالموآبيون ذوو قرابة مع
الإسرائيليين، لكنه عدو أشرس مرارةً وعنادًا، فماذا يمثل موآب هنا؟
إن
الموآبيين يمثلون شعبًا ومبدأً مرتبطين ظاهريًا بشعب الله، دون روابط حيوية أو
إلهية. اعتراف أجوف كاذب بالانتماء لشعب الله دون علاقة صحيحة وصريحة
بالمسيح. وتدريجيًا تسلل هذا العدو إلى
شعب الله! صدق أحدهم عندما قال: ”إن أوثق
روابط الطبيعة بدلاً من أن تكون معوانًا في أمور الله، تصبح في الغالب عائقًا“. لقد اتحد موآب مع بني عمون والعمالقة، وثلاثتهم
تمثل صورًا متنوعة للطبيعة والجسد.
لقد
غزا مُوآب أريحا - التي تمثل العالم في عطره وفتانته - لتكون عرشه، ولكن لم يسمها
باسمها المعروف والسهل ”أريحا“، بل ”مدينة النخل“. وأشجار النخيل جميلة ومستقيمة «اَلصِّدِّيقُ
كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو» (مز92: 12). أي إن
موآب نرى فيه العالم المسيحي المعترف ظاهريًا بأنه ينادي ويحرض على البر والأخلاق
الأدبية والإصلاح واستقامة السلوك والأمانة، وكلها شعارات جوفاء لا قيمة لها ولا
تأثير.
وبكل
أسف، هذه الاعترافات غزت شعب الله وأوجد لها مقرًا وسلطة. وإن كانت أفسس تمثل الاستكفاء الذاتي والجمود
القلبي (أرام)، فإن برغامس صورة للاعتراف الموآبي والاختلاط بالعالم. فنحن هنا نرى العالم داخلاً في الكنيسة، عاملاً
في إخماد الشهادة وإماتة روحانيتها، فقد حدث تزاوج بين الكنيسة والعالم، تُرى أين
نحن الآن من هذه الحالة؟
«وَكَانَ عِجْلُونُ رَجُلاً سَمِينًا جِدًّا»: فهو متجرد
من الحيوية والنشاط والقوة، فالاعتراف يبلد الروحانية في شعب الله، ”عِجْلُون“
معنى اسمه ”دائري“، يدور في حلقة، فهو يأخذ الأمور على علاتها. لكن من جانب آخر يمثل ”عِجْلُون“ السمين جدًا
النجاح العالمي الذي انحدر إليه الكثيرون من شعب الله. لقد خُدعوا ببريق العالم الزائف وانجذبوا بأموره
العظيمة، فانجرفوا في تياره الجارف لكل روحانية وشهادة إلهية. فليحفظنا الرب من وضع كهذا!
مُحرِّر أعْسَر:
«وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ، فَأَقَامَ لَهُمُ
الرَّبُّ مُخَلِّصًا إِهُودَ بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ، رَجُلاً أَعْسَرَ (يستخدم يده
اليسرى)». إن الآنية التي استخدمها
الرب هذه المرة ضعيفة وعاجزة، رجلاً أعْسَر. لكن وجدت فيه المؤهلات الإلهية للاستخدام
الإلهي، هيأه الرب ليكون إناء نافعًا للسيد، مستعدًا لكل عمل صالح.
”إِهُودُ بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ“ ... ”إهُودُ“
أي الحمد أو الإقرار؛ إقرار لا اعتراف، بماذا؟ إنه ”الْبَنْيَامِينِيّ“، أي ”ابن اليمين“،
والمسيح هو ابن اليمين الحقيقي، الجالس عن يمينه، وهو مُكمِّل مقامنا أمام الله،
ونحن كاملون فيه. ”أعْسَر“، أي أصيب
بالعجز يمينه، فاستند على يمين الله. في
ذاته ضعيف وعاجز، لكنه يفتخر بقوة المسيح. لقد كان بولس بنيامينيًا حرفيًا وروحيًا، نزل من
الفردوس ضعيفًا، وأعْسَر ليكون شهادة على قوة المسيح «فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ
نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ
أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ
الْمَسِيحِ ... لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» (2كو12:
9، 10). ”جِيرَا“ أي التأمل واللهج،
فإدراكنا لما لنا في المسيح من بركات وممتلكات وقوة، يحفظ نفوسنا من كل ادعاء أجوف
وكاذب.
«فَعَمِلَ إِهُودُ لِنَفْسِهِ سَيْفًا، ذَا حَدَّيْنِ طُولُهُ
ذِرَاعٌ، وَتَقَلَّدَهُ تَحْتَ ثِيَابِهِ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى»: السيف يُكلِّمنا
عن كلمة الله التي هي أمضى من كل سيف ذي حدين (عب4: 12). ”عَلَى فَخْذِهِ“ أي في وضع الاستعداد والتوقع.
فكلمة الله يجب أن تُطبَق على كل اعتراف
كاذب، فلا وسيلة أخرى تحفظنا من هذا سوى كلمة الله.
«وَأَمَّا هُوَ فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ الْمَنْحُوتَاتِ الَّتِي
لَدَى الْجِلْجَالِ»: أتى إِهُودُ من الْجِلْجَالِ، نرى في ذلك انعدامًا
للقوة في ذواتنا، الموت للعتيق والحكم على الذات ومتطلباتها.
«وَقَالَ: لِي كَلاَمُ سِرّ إِلَيْكَ (من الله) أَيُّهَا
الْمَلِكُ»: وكان الكلام السر هو السيف؛ كلمة الله التي قضت عليه «فَمَدَّ
إِهُودُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْ فَخْذِهِ الْيُمْنَى
وَضَرَبَهُ فِي بَطْنِهِ. فَدَخَلَ
الْقَائِمُ (مقبض السيف) أَيْضًا وَرَاءَ النَّصْلِ (حديدة السيف)،
وَطَبَقَ الشَّحْمُ وَرَاءَ النَّصْلِ لأَنَّهُ لَمْ يَجْذُبِ السَّيْفَ مِنْ
بَطْنِهِ. وَخَرَجَ مِنَ الْحِتَارِ (فتحة
الشرج)». نحن الآن أمام النجاح
العالمي البدين يهزمه الإيمان الأعْسَر المسكين، فإدراك القديس لكلمة الله مطبقة
في نشاط الضعف البشري يهزم الكتلة الاعترافية الزائفة الجوفاء.
تأثير أعظم!
«وَأَمَّا إِهُودُ فَنَجَا ... إِلَى سِعِيرَةَ. وَكَانَ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنَّهُ ضَرَبَ
بِالْبُوقِ فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ، فَنَزَلَ مَعْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ
الْجَبَلِ وَهُوَ قُدَّامَهُمْ. وَقَالَ
لَهُمُ: «اتْبَعُونِي لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَفَعَ أَعْدَاءَكُمُ الْمُوآبِيِّينَ
لِيَدِكُمْ». فَنَزَلُوا وَرَاءَهُ وَأَخَذُوا مَخَاوِضَ الأُرْدُنِّ إِلَى
مُوآبَ، وَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَعْبُرُ.
فَضَرَبُوا مِنْ مُوآبَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ نَحْوَ عَشَرَةِ آلاَفِ رَجُل،
كُلَّ نَشِيطٍ، وَكُلَّ ذِي بَأْسٍ، وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ. فَذَلَّ الْمُوآبِيُّونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ
تَحْتَ يَدِ إِسْرَائِيلَ. وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ ثَمَانِينَ سَنَةً». ”سِعِيرَةَ“ أي ”أرض مغطاة بالغابات” أو ”عنزة
مشعرة“، استخدم الرب إِهُود في إنهاض شعب
الرب الخامل والضعيف، فتشجعوا ونزلوا عن الجبل، الذي يمثل كل عظمة وارتفاع كاذب
ومعطل، فنزلوا وراءه «اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ» (نش1: 4). ”ضَرَبَ بِالْبُوقِ“: البُوق يُكلِّمنا عن
كلمة الله التي تذيع بشرى النصرة وتنهض الشعب.
”فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ“: أَفْرَايِم معناه ”الثمر المضاعف“، ليس
تحريرًا من الأعداء، بل إذلالاً لهم وإراحة للأرض. «وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ ثَمَانِينَ
سَنَةً»: فقد جنت الأرض ثمار النصرة.
المخلص الأعظم:
إِهُودُ
يرمز إلى مَن هو أعظم منه؛ كان إِهُودُ رجلاً أعْسَر، لكنه خلّص الشعب، والمسيح
وإن كان قد صُلب من ضعف، لكنه حي بقوة الله (2كو13: 4). استخدم إِهُودُ سيفًا ذا حدين، واستخدم الرب
يسوع سيف الروح الذي هو كلمة الله، في الرد على كل تجارب إبليس وأعوانه، بل قريبًا
سيظهر ليقضي على الأشرار «وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ
بِهِ الأُمَمَ ... 21 وَالْبَاقُونَ قُتِلُوا بِسَيْفِ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ
الْخَارِجِ مِنْ فَمِهِ» (رؤ19: 15، 21).
استراحت الأرض أيام إهود 80 سنة، وستستريح الأرض في الحالة الألفية وفي
الحالة الأبدية.