«وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ» (تك1: 3)،
«لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ» (مز33: 9). ونلاحظ هنا أن الله لم يخلق النور، لكن الله
الذي هو نور وأبو الأنوار، أوجد النور لأنه مصدر النور. ويقول الرسول بولس:
«لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي
أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ
الْمَسِيحِ» (2كو4: 6). أي أن الله أنار
قلوبنا بالروح القدس.
«وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ» (تك1:
4). هذا هو المبدأ الإلهي: غير ممكن أبدًا
أن يختلط النور بالظلمة. بمجرد أن يجئ
النور تختفي الظلمة، وحالما يختفي النور تجئ الظلمة «لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً
ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ»، إذًا «اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ
نُور ... وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ
بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا» (أف5: 8، 11)، «لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ
الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ
شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟» (2كو6: 41).
«وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا
لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا» (تك1: 5). يُذكر فى الكتاب الليل والنهار، والمساء
والصباح قبل الشمس التى ظهرت فى اليوم الرابع، وجعلها الله لحكم النهار. فالله أوجد المساء والصباح لأنه أوجد النور. والأرض التى خلقها الله قبل اليوم الأول خلقها
تدور حول محورها، فهى متحركة منذ خلقها الله من قديم. ولما أوجد النور والأرض تدور صار النهار عندما
تواجه الأرض النور، وصار الليل عندما يختفي النور. ولكن الليل لم يكن فيه نور، لأن نور الليل
بواسطة القمر والنجوم ترتب فى اليوم الرابع. مَنْ الذي كتب هذا؟ موسى. لو
أنه كتب من عقله، هل كان ممكنًا أن يكتب هذا الكلام الذي هو فوق العقل؟ هل كان ممكنًا أن يأتى بالنور وبالمساء والصباح
فى اليوم الأول، قبل الشمس التى ظهرت فى اليوم الرابع؟ لا يمكن أن العقل يستسيغ هذا. ولو كتب الإنسان بحسب تفكيره لكان قد أتى بالشمس
فى اليوم الأول. لكن هذا ما عمله الله،
وأوحى به إلى موسى الذي لم يكن يعلم ما يكتب. لقد كتب موسى فى وقت كانت الوثنية فيه تسود
العالم لأنه كتب بعد الطوفان، ونحن نعلم أنه بعد الطوفان جاءت الوثنية، وبعد ذلك
كتب موسى عن الله وعن الخليقة. ما أعجب
إلهنا العظيم! وما أعجب كتابه كتاب الحق!
هذا
هو اليوم الأول، وأيام الخلق ستة كل منها 24 ساعة. وجد الجيولوجيون حفريات قالوا إن عمرها ملايين
السنين، فى حين أن العالم من وقت آدم إلى المسيح 4000 سنة، فقال البعض، لكيلا
يتصادم كلام الكتاب مع كلام العلماء، لابد أن تكون أيام الخلق الستة ليست أيامًا
يتكون كل منها من ٤٢ ساعة، بل هى أحقاب، أي مدد طويلة، ونسميها أيامًا كما نقول
مثلاً عن فترة النعمة «يَوْمُ خَلاَصٍ» (2كو6: 2). لذلك استنتجوا خطأ أن هذه الأيام أحقاب طويلة. لكن الصحيح أن الأحقاب الطويلة سبقت اليوم
الأول، ولكن أيام الخليقة الستة كل منها 24 ساعة. فى اليوم الرابع أظهر الله الشمس
والقمر والنجوم فى الفلك، وأوجد لها علاقة مع الأرض، وجعلها لأوقات وأيام وسنين،
ودورة الأرض حول نفسها أمام الشمس 34 ساعة فصار الليل والنهار. هل يمكن أن نقول إن اليوم الرابع الذي فيه ظهرت
الشمس يوم طويل؟ كلا. لقد ظهرت دورة الأرض 24 ساعة. إذًا الثلاثة الأيام الأخيرة كل منها 24 ساعة،
فهل يمكن أن تكون الأيام الثلاثة الأولى أحقابًا طويلة، والأيام الثلاثة الأخيرة
كل منها 24 ساعة؟ كلا. وأقوى دليل على ذلك نجده فى خروج 20: 9-11 «سِتَّةَ
أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ
فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ
تَصْنَعْ عَمَلاً مَا ... لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ
وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ».
أما
عبارة «يَوْمُ خَلاَصٍ» (2كو6: 2)، السابق الاشارة إليها، فليس المقصود بها
يومًا لكن الرسول بولس يقول: «هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ
يَوْمُ خَلاَصٍ»، أي ”وَقْت خَلاَص“
(2كو6: 2). نشكر الرب لأن الكتاب
المقدس يفوق كل علوم الأرض، ولا يتعارض مع العلم الصحيح إطلاقًا. وشكرًا للرب الذي أعطانا الإيمان الذي به نفهم
الكتاب. وشكرًا له من أجل النور الذي أشرق
فى قلوبنا، ومن أجل الخليقة الجديدة. عندما
خربت الأرض جددها الله، كذلك عندما سقط الإنسان أوجد الله خليقة جديدة. فى النهاية سنسمع القول: «وَقَالَ الْجَالِسُ
عَلَى الْعَرْشِ: هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!» (رؤ21: 5). والمؤمنون بالمسيح الآن هم باكورة الخليقة
الجديدة.
ليس
غرضنا أن نتأمل الآن فى موضوع الخليقة تأملاً عقليًا أو علميًا، فهذا فوق مقدورنا،
ويتطلب مجلدات كثيرة، لكن غرضنا أن نتغذى بكلمة الله؛ «مَكْتُوبٌ:
لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ
مِنْ فَمِ اللهِ» (مت4: 4). ولا نحتاج
أن نبرهن على أنها كلمة الله، لأنها تشهد لنفسها. نشرت فى مجلة المراعي الخضراء، من مدة قريبة،
قصة عن أخت مؤمنة بسيطة كانت جالسة تقرأ فى الكتاب المقدس، ومرّ عليها شخص كافر
فقال لها ماذا تقرأين؟ قالت له: أقرأ فى
كلمة الله. قال لها: مَنْ قال لك أن هذه
كلمة الله؟ أجابت: هو قال لى إنها كلمة الله.
كيف قال لك؟ كيف تبرهنين على أن
هذه كلمة الله؟ فنظرت إلى فوق وقالت له هل
الشمس موجودة؟ قال: نعم. قالت له: كيف تبرهن على أنها موجودة؟ قال: لأني أشعر بها وهي تدفئني وتُنير لى. قالت له: أنت أغنيتني عن الجواب. فهذا هو نفس
دليلي عن كلمة الله. أنت لا تعرفها. أما أنا فأعرفها وهي تدفئني وتُنير أمامي
الطريق. إذا كانت الشمس فى نظرك لا تحتاج إلى دليل، هكذا كلمة الله فى نظري لا
تحتاج إلى دليل لأني تمتعت بها وشبعت بها. هل يقدر إنسان أن يكتب من عقله ما كتبه
موسى فى الأصحاح الأول من سفر التكوين؟ غير
ممكن أبدًا. لو أن إنسانًا هو الذي كتب،
لغيّر الترتيب وجعل اليوم الثانى يأتى أولاً فيكون الـجَلـَد فاصلاً بين مياه تحت
الـجَلـَد ومياه فوق الـجَلـَد. وبعد ذلك
يجئ القول: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ» (تك1: 14)، وذلك بعد أن
عمل الجـَلـَد فى الأول. وكيف يأتى
الإنسان بتفكيره السقيم بعد ذلك بما حدث فى اليوم الرابع، ويجعله فى اليوم الثانى؟! هل كان موسى يفهم ما كتبه عندما كتب عن النور
فى اليوم الأول، بينما كتب عن الشمس فى اليوم الرابع؟ كلا. لكن هذا ترتيب الله الذي ارتضته الحكمة الإلهية
العجيبة. وله دلالات روحية أيضًا لا يتسع
الوقت للتأمل فيها كلها. ثم مَنْ الذي أوجد الأعداد 1، 2، 3؟! الله هو الذي أوجدها حيث نقرأ «وَكَانَ مَسَاءٌ
وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا» (ع5)، وبعد ذلك يومًا ثانيًا وثالثًا، وهكذا. وعرفنا أن اليوم 24 ساعة. والرب يسوع له المجد يقول: «أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ
النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟» (يو١١:٩). وواضح فى الكتاب المقدس أن الأسبوع سبعة أيام
والشهر ثلاثون يومًا والسنة 12 شهرًا. نقرأ
فى رؤيا ١١ أن الشاهدين تنبأ ثلاث سنين ونصف، وبالشهور ٢٤ شهرًا، وبالأيام 1260 يومًا.
فى اليوم الثانى «قَالَ اللهُ: لِيَكُنْ
جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ»
(ع٦). وهذا طبعًا من إحسانات الله، إذ هيأ
الكون لاستعمال الإنسان، فجعل مياهًا فوق
الـجَلـَد مخزونة فى السُحب لكي ينزل المطر من السماء. وجعل مياهًا تحت الجَلـَد جمعها فى أماكن
محدودة، وجعلها بحارًا. وفى اليوم الثالث
قال الله: «لْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ» (ع٩).
أليس هذا دليلاً قويًا على أن اليابسة لم يخلقها الله فى اليوم الثالث لكن ”أظهرها“
لأنها كانت مغمورة بالمياه. و فى هذه
اليابسة التى سمّاها أرضًا، أنبت الله «عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا،
وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى
الأَرْضِ» (ع11). كلمات قليلة لكن كتب
فيها العلماء مجلدات كثيرة فى علم النبات عن أنواع النباتات وكيفية إنباتها
وتكوينها وتلقيحها وتكاثرها ... إلخ.
وفى
اليوم الرابع نظم الله علاقة الشمس والقمر والنجوم بالأرض. النور الأكبر لحكم
النهار؛ ولهذه دلالات روحية أيضًا: الله كالشمس، والشعب القديم كالقمر، يستمد نوره
من الشمس. ويتكون الليل والنهار من دورة
الأرض حول نفسها، أما الفصول الأربعة فنتيجة دوران الأرض حول الشمس. ما عدد النجوم، وحجمها، وبُعدها عن الأرض، وشدة
نورها؟ غير ممكن أن نصل إلى نهاية العلوم
المختصة بها التى لا يزال العلماء إلى اليوم يكتشفون منها الجديد.
«وَقَالَ اللهُ: لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ
لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ
وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ» (تك1: 14).
إننا أمام خليقة الله العظيمة وأسرارها، نشعر أننا مثل الأطفال وننحني
ساجدين للخالق العظيم. فى مزمور 19 يذكر
المرنم النور والليل والنهار، قبل الشمس كما فى الخليقة تمامًا فيقول: «اَلسَّمَاوَاتُ
تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ ((الأنوار) يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا،
وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا... جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَنًا فِيهَا»
(مز19: 1-4).
لقد
عمل الله آيات بالشمس والقمر «وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ
وَسِنِينٍ» (تك1: 14). مثلاً : فى مصر نجد ضمن الضربات أن الله جعل
ظلمة دامسة على كل أرض مصر، لكن فى مساكن شعبه كان نور. أليست هذه آية؟ وفى أيام يشوع جعل الله الشمس لا تميل إلى
الغروب يومًا كاملاً، حتى انتقم الشعب من أعدائه. وفى أيام حزقيا الملك جعل الله الظل يرجع إلى
الوراء بدلاً من أن يسير إلى الأمام عشر درجات بدرجات آحاز. وفى المستقبل سيعمل الرب آيات بالشمس والقمر
والنجوم (انظر سفر يوئيل؛ متى24؛ وسفر الرؤيا). أَوَ لـَمْ تحدث آية عظيمة جدًا عندما كان رب
المجد مُعلَّقًا على الصليب، حيث أظلمت الشمس فى رابعة النهار؛ فى الظهر تمامًا. وقال الفلكيون إنه فى وقت الفصح الذي صُلب فيه
المسيح، لم يكن مُمكنًا أبدًا أن يحدث كسوف للشمس، لكن هذه معجزة صنعها الله عندما
كان الرب يسوع يتعامل مع العدل الإلهي لكي يحجب آلامه - التى لم يكن أحد يستطيع أن
يدرك كنهها - عن البشر.
وفى
اليوم الخامس أوجد الله الأسماك والتنانين العظام فى المياه بكلمته. قال الله لتكن فى المياه الأسماك بأجناسها،
فكانت قبل أن يخلق الحيوانات على الأرض (تك1: 20-23). وفي سفر أيوب يتكلَّم الله عن بهيموث ولوياثان
اللذين فيهما تبيّنت قدرة الله الخالق العظيم (أي40، 41). ثم عمل الله الطيور التى تطير فى الهواء، ولها
دلالة روحية أيضًا؛ فهى تُشير إلى الشيطان الذي يخطف كلمة الله المزروعة على
الطريق.
وفى
اليوم السادس عمل الله البهائم ووحوش الأرض والدبابات. ونلاحظ قوله عن الحيوانات والطيور «ذَوَاتِ
أَنْفُسٍ حَيَّةٍ» (تك1: 24)، وأنها جُبِلَت من الأرض «وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ
مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ»
(تك2: 19). فحياة الحيوانات والطيور؛ أجسامها
ونفوسها، من الأرض. نفس الحيوان والطير فى
دمه، فعندما يُسفك دمه يموت وينتهي. لذلك
يُقال: «الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ»؛ أي تنتهي (مز49: 12).
وبعد
أن نظم الله الخليقة على هذا الوضع، خلق الإنسان. والإنسان يشارك الحيوان فى الجسم المادي
الترابي، ويشاركه فى بعض الغرائز التى فى الحيوان، لكن يمتاز الإنسان بأن النفس
والروح معًا فى الإنسان، ليسا من الأرض، بل من الله. لم يَقُل الله ليكن الإنسان فكان، لكن نجد هنا
مشورة قبل خلق الإنسان: «وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا
كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ
وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ
الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ» (تك1: 26).
فهذه مشورة بين أقانيم اللاهوت قبل تكوين الإنسان.
”صورة
الله“ تشير إلى السلطان، لأن الإنسان ممثل الله على الأرض. وهكذا نقرأ فى ١كورنثوس١1: 17 «فَإِنَّ
الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ
وَمَجْدَهُ»؛ أي أنه صاحب سلطان. أما ”شبه
الله“ فذلك لأن فيه روحًا عاقلة ناطقة مُريدة لها إرادة حرة. وهذا غير موجود فى أية مخلوقات أخرى. والروح خالدة ولذلك الإنسان خالد، نفسه لا تفنى
بفناء الجسد مثل الحيوان. عندما خلق الله
الإنسان نقرأ «وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ»
(تك2: 7). أي قسم هذا فى الإنسان؟ جسده. لكن
لم يُعطه حياة من الأرض، مثل البهائم، لكن «نَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ
حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً».
فالحياة من الله. هذه النفخة
الإلهية فى الإنسان هى النفس والروح معًا. فحياة الإنسان من الله؛ نفسه من الله، وروحه من
الله. فالإنسان ثلاثي من جسد ونفس وروح. الجسد المادي عندما يموت يرجع إلى التراب الذي
أُخذ منه، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها. ولكن الحيوان يخالف ذلك، فإنه يُباد وينتهي. الروح مرجعها إلى الله لأنها منه، وهي خالدة
تبقى إلى الأبد، إما فى عذاب أبدى، أو فى نعيم وحياة أبدية. الإنسان، لأن الله أعطاه عقلاً وتمييزًا وإرادة
حرة، هو مسؤول أمام الله. الحيوانات غير
مسؤولة، لكن الإنسان مسؤول وسيُحاسب، وأمامه دينونة لأن الله أعطاه إمكانيات
الاتصال به وعبادته. نفسه وروحه خالدتان، وجسده
وإن كان من التراب، لكن الله سيُقيمه. هل
القيامة للمؤمنين فقط؟ لا، لكل البشر. ستكون قيامة للمؤمنين تُسمَّى القيامة الأولى،
عند مجيء المسيح للاختطاف، وستكون قيامة للأموات الأثمة تُسمَّى قيامة الدينونة،
فتُقام أجسادهم وتأتى أرواحهم من السجن، ويُدانون أمام العرش العظيم الأبيض. فنفخة الله فى الإنسان هى النفس والروح معًا،
وعندما يموت الإنسان يرجع جسده فقط إلى التراب ويتحلل، لكن النفس والروح يصعدان معًا
إلى الله، إما إلى الفردوس وإما إلى الهاوية (فى السجن).
وإن
كان التمييز بين النفس والروح ليس سهلاً إلا أننا نجد فى عبرانيين 4: 12 القول: «كَلِمَةَ
اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ،
وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ،
وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ». إذًا يوجد مفرق بين النفس والروح، وكلمة
الله تُميّزه. وفى ١تسالونيكي 5: 23 يقول الرسول
بولس: «وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ
رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ
رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ». الجزء
الأعلى فى الإنسان هو الروح، لأن الروح هى التى تعقّل «وَلكِنَّ فِي النَّاسِ
رُوحًا، وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ تُعَقِّلُهُمْ» (أي32: 8)، «لأَنْ مَنْ مِنَ
النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟»
(1كو2: 11). فالمعرفة والعقل والتمييز من
خصائص الروح، أما النفس فهى الحلقة الوسطى بين الروح والجسد، وتختص بالانفعالات
والإحساسات والغضب والقسوة والسلام واللطف ... إلخ. أما الجسد فأداة طيّعة إذا رُبط بالروح يتسامى
ويتصل بالله، والنفس ترتقي وينطبق عليه «إِلَى اسْمِكَ وَإِلَى ذِكْرِكَ شَهْوَةُ
النَّفْسِ» (إش26: 8)، أما إذا رُبط بالنفس وانحطت النفس الإنسانية إلى الغرائز
(الدنيئة) فإنه ينزل إلى مستوى الحيوان. يسئ الناس فهم الجسد فيعذبونه ويظنون أن قهر
الجسد يفيد فى حياة التكريس. لكن الكتاب يُعلِّمنا أن الجسد المادي نعتني به ليكون
نافعًا فى خدمة السَيِّد. كما يعطش الجسد
المادي ويجوع، كذلك تعطش النفس إلى الله «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ
إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ» (مت5: 6)، «كَمَا يَشْتَاقُ
الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا
اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ،
إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ
وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ ؟» (مز42: 1، 2)، «يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ.
إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي
أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ ... كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ
تَشْبَعُ نَفْسِي، وَبِشَفَتَيْ الابْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي» (مز63: 1،
5).
هذا
هو الإنسان كما كونه الله؛ خلق الله الإنسان مستقيمًا، أي فى حالة البرارة، لكنه
تحت الامتحان سقط. لكن الرب أخرج من سقوطه
بركة أعظم من وجود الإنسان بريئًا فى الجنة، ومُتمتعًا بكل ثمر الأرض، إذ جعل
مستقبل الإنسان - بعد أن كان يعيش فى الأرض - سيعيش فى السماء، فى بيت الآب، وله
بركات عُظمى وثمينة من الآن، لم يكن يتمتع بها وذلك على أساس عمل الفداء الذي بدم
ربنا يسوع المسيح، الذي له كل المجد.
ناشد حنا