الأصحاح الأول
(4)
هل هذه الحياة تستحق فعلاً أن نحياها؟!
ذكرنا فيما سبق
أن سليمان - في الأصحاح الأول - يذكر سببين أساسيين لكراهيته لهذه الحياة (جا2:
17):
السبب الأول: الحياة تتسم
بالرتابة المُملة، وتخلو من كل ما هو جديد، ولا يوجد فيها ما يُلبي رغبة الإنسان
لما هو جديد The
Monotony Of Life)) (ع4-11):
(I) لا شيء يتغيَّر (جا1: 4-7): وتقابلنا مع سليمان
العالم (The
Scientist).
(II) لا شيء جديد (جا1: 8-11): وتقابلنا مع سليمان
المؤرخ The
Historian).
أما السبب
الثاني الذي يُقدّمه سليمان لتبرير كراهيته لهذه الحياة، فهو أن الحياة مليئة
بالألغاز والمشاكل المُحيّرة التي يقف أمامها الإنسان عاجزًا، وكم من أشياء رديئة
ومُحزنة يُحاول الإنسان تلافيها أو إصلاحها، لكنه يصطدم بعجزه الكُلي، فيُسلّم
بالواقع، أو قُل يستسلم له (ع12-18)!، وهكذا يُقرّر سليمان أنه:
(III) لا
شيء يُفهَم (ع1: 12-18): وهنا نكاد نسمع أنين الحكيم وهو يهمس في داخله:
”ما حدش فاهم حاجة!“ وهنا نتقابل مع
سليمان الفيلسوف (The
Philosopher).
وفي هذا القسم من الأصحاح الأول (جا1: 12-18)، نُلاحظ تكرار عبارة: «وَجَّهْتُ
قَلْبِي» (ع13، 17)، «أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي» (ع16). وهنا دلالة على سبب فشل بحثه: لقد تشاور مع
نفسه، وليس مع الله. ويا لخطورة أن يستشير
الإنسان أو يُناجي قلبه! ونُلاحظ أيضًا أن
ضمير المتكلّم ”أَنَا“ يتكرر 7 مرات في هذه الأعداد (جا1: 12-18).
وإذا كان الجامعة في الأعداد 1-11 ينظر إلى الحياة نظرة عامة، ليجدها باطلة
وفارغة وخاوية ولا تستحق أن تُحيا، فإنه في الأعداد 12-18 ينظر إلى الحياة نظرة
أقرب ومن منظور شخصي، ليبحث عن إجابات عن جدوى هذه الحياة في الأعمال (ع12-15)، ثم
في الحكمة (ع16-18). وفي كل قسم من هذين
القسمين، يتكلَّم الجامعة عن: مركزه ومكانته، اهتمامه وإدراكه، وخلاصة استنتاجاته.
أولاً:
ما جدوى الأعمال؟! (ع12-15):
(أ) مركزه
ومكانته: «أَنَا الْجَامِعَةُ كُنْتُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ»
(ع12).
يؤكد الجامعة أن استنتاجاته لم تكن استنتاجات شخص من طبقة دُون، ولم يكن
يفتقد للفهم والذكاء، ولم يكن غلامًا مبتدئَا يفتقد للخبرات والاختبارات، ولكنها
كانت استنتاجات رجل يمتلك القدرة والقوة، السلطة والإمكانيات، الغِنى والكرامة؛
لقد كان ملكًا على إسرائيل الموَّحدة «مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي
أُورُشَلِيمَ» (ع12). إنه لا يُريدنا أن
ننسى أنه إذا خاب في بحثه وراء الشبع التام، فسبب ذلك ليس عدم مكانته، لأنه كان
ملكًا، ذا إمكانيات عظيمة، وكان كرسيه في أورشليم التي فاقت أثينا بعظمتها في ذلك
الوقت، حتى دُعيت «فَرَحُ كُلِّ الأَرْضِ ... مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ»
(مز48: 2).
(ب) اهتمامه
وإدراكه: «وَجَّهْتُ قَلْبِي لِلسُّؤَالِ وَالتَّفْتِيشِ بِالْحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ
مَا عُمِلَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ. هُوَ عَنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ لِبَنِي
الْبَشَرِ لِيَعْنُوا فِيهِ» (ع13).
ونلاحظ هنا ثلاثة أمور:
* اجتهاده في البحث والدراسة: «وَجَّهْتُ قَلْبِي لِلسُّؤَالِ
وَالتَّفْتِيشِ بِالْحِكْمَةِ»؛ لم يكن سعيُه سعي الإنسان السطحي، لأنه ”وجَّه
قَلْبه لِلسُّؤَالِ“، بمعنى أنه دخل إلى أعماق الأمور. ووجَّه قَلْبه ”للتَّفْتِيشِ“، أي إنه بحث
الأمور من كل الوجوه بحثًا دقيقًا شاملاً.
ولم يكن سعيه سعي الرجل الجاهل، لأنه وجَّه قَلْبه لِلسُّؤَالِ للتَّفْتِيشِ
”بِالْحِكْمَةِ“، أي بالمهارة أو القدرة على التمييز والحكم على الأشياء حكمًا
صحيحًا.
* مجال البحث والدراسة: «كُلِّ مَا عُمِلَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ» (قارن من
فضلك 1ملوك4: 33).
* اكتئابه بسبب البحث والدراسة: «هُوَ عَنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ
لِبَنِي الْبَشَرِ لِيَعْنُوا فِيهِ». وهكذا وصف سليمان الحياة باعتبارها “عَنَاءٌ
رَدِيءٌ“ (مشقة منهكة – Sore Travail)، لا يجني
الإنسان من ورائه سوى التعب الشديد والعناء «لِيَعْنُوا فِيهِ». ومن المؤكد أن هذا العناء كان بسبب السقوط
ودخول الخطية (تك3: 14-24).
(ج) خلاصة استنتاجاته: «رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ
تَحْتَ الشَّمْسِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ،
وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ» (ع14، 15).
وخلاصة قول سليمان هو أن الماضي لا يُمكن تغييره، ولا قوة لأحد على تصحيح
الأمور (إر12: 23؛ أي14: 4)، والأعوج لا يُمكن تقويمه، والنقص لا يُمكن سده. ولقد وصف الرسول بولس الجنس البشري بأسره، في
جميع الأجيال، باعتباره «جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ » (في2: 15)، ولكن الرب يسوع –
له كل المجد – له القدرة على تقويم ما هو أعوج، وأن يوفر كل ما هو ناقص، وهكذا «تَصِيرُ
الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً، وَالشِّعَابُ طُرُقًا سَهْلَةً» (لو3: 5)، وأيضًا «يَمْلأُ
إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ
يَسُوعَ» (في4: 19)، «لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى الله» (لو1:
37).
كان سليمان ينظر إلى هذه المشاكل من وجهة نظر ”تَحْتَ السَّمَاوَاتِ“
(ع13)، ”تَحْتَ الشَّمْسِ“ (ع14)، لهذا السبب بدت غير قابلة للحل. فالطلب والاهتمام النافعان هما – لا بما تَحْتَ
السَّمَاوَاتِ وتَحْتَ الشَّمْسِ – بل بما في السَّمَاوَاتِ وفَوْقَ الشَّمْسِ.
ثانيًا: ما جدوى الحكمة؟! (ع16-18):
(أ) مركزه
ومكانته: «هَا أَنَا قَدْ عَظُمْتُ وَازْدَدْتُ حِكْمَةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ
كَانَ قَبْلِي عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَقَدْ رَأَى قَلْبِي كَثِيرًا مِنَ
الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ» (ع16).
لم يكن نقص الحكمة هو سبب حيرة سليمان وارتباكه، فقد «أَعْطَى اللهُ
سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْمًا كَثِيرًا جِدًّا، وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ
الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَفَاقَتْ
حِكْمَةُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةَ جَمِيعِ بَنِي الْمَشْرِقِ وَكُلَّ حِكْمَةِ
مِصْرَ. وَكَانَ أَحْكَمَ مِنْ جَمِيعِ
النَّاسِ ... وَكَانَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ حَوَالَيْهِ» (1مل4:
29-31). ولكن بالرغم من كل هذه الحكمة،
فإن الحياة بدون الله، فارغة وباطلة وهباء ولا قيمة لها!
(ب)
اهتمامه وإدراكه: «أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي ... وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِمَعْرِفَةِ
الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ» (ع16، 17).
ومرة أخرى نؤكد على خطورة أن يستشير الإنسان أو يُناجي قلبه. وهل لنا أن نتوقع سوى الجهل إذا ما أصغينا إلى
القلب البشري الذي هو «نَجِيسٌ»؟! وهل لنا
أن نتوقع سوى الإثم، إذا ما ناجينا وتشاورنا مع القلب البشري الذي هو (إر17: 9)؟!
والحقيقة أن القلب البشري لا يؤتمن ولا يُمكن الاعتماد عليه؛ إنه رفيق غير
أمين! ونلاحظ مدى اتساع حدود اهتمامه
وبحثه «مَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ».
(ج) خلاصة استنتاجاته: «عَرَفْتُ أَنَّ هذَا أَيْضًا قَبْضُ الرِّيحِ. لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ
الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا» (ع17، 18).
يبدو وكأن سليمان يوافق على الأمثال العامية القائلة: ”الجهل نعمة“! ،
”الذي تجهله لن يؤذيك“!، ”الحكيم لا يكون
سعيدًا على الإطلاق“! وفي الحقيقة أنه على
قدر ازدياد المعرفة يزداد القلق. وأن
الجهل يُعْتَبر - من زاوية ما - سعادة، فإن ما لا تعرفه لا يسبب مشكلة بالنسبة
إليك. وكلما ازددنا في الحكمة الإنسانية
والمعرفة البشرية، كلما أدركنا عجزنا الشديد، مما يُسبّب لنا الحزن
والاكتئاب. والغم والحزن يتضاعفان على مدي
طريق الحكمة البشرية، ولكن النعمة والسلام يكثران بالنمو في معرفة الله ويسوع
المسيح ربنا (2بط1: 2).
أيها الأحباء: إن أولئك الذين يعيشون حياتهم معتمدين على حكمتهم الإنسانية،
ويبحثون دائمًا على تفسير للأمور، سيشعرون دائمًا بالتعاسة والحزن، لسببين على
الأقل: الأول: إن السماء لا تُقدِّم توضيحات لبعض الأمور التي تحدث، والله ليس
مُلزمًا بتقديم تفسير لها على كل حال (أي33: 12، 13)، والواقع أنه لو فعل ذلك، لما
فهمنا كل شيء! والسبب الثاني: إن المؤمن
بالإيمان يحيا. ولقد رتب الرب أن يحيا
شعبه على أساس ”المواعيد“، وليس على أساس التفسير والشرح والنقاش «طُوبَى
لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا» (يو20: 29).
وهكذا فخلاصة الأصحاح الأول:
إن
سليمان العالِم (The Scientist) يقول لنا:
إن العالم نظام مُغلَق، ولا شيء يتغيَّر (جا1: 4-7).
وسليمان
المؤرخ The Historian)) يقول لنا:
إن العالم كتاب مُغلَق، ولا شيء جديد (جا1: 8-11).
وسليمان
الفيلسوف (The Philosopher) يقول لنا:
إن الحياة مشكلة عويصة، ولا شيء يُفهَم (ع1: 12-18).
ولكن لنتحوَّل إلى الرب
يسوع المسيح، الذي هو «قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ»، «الَّذِي صَارَ لَنَا
حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً» (1كو1: 24، 30)، والذي قال
بلسان الحكمة: «لِي الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ.
أَنَا الْفَهْمُ. لِي الْقُدْرَةُ»
(أم8: 14)، والذي أتى ”لِتَكُونَ لَنَا حَيَاةٌ، وَلِيَكُونَ لَنَا أَفْضَلُ (ملء
الحياة)” (يو10: 10). وهناك بركات جديدة
من الرب نختبرها يوميًا. نعم، ليس
بإمكاننا تفسير كل شيء، ولكن الحياة لا تُبنى على التفاسير، بل على المواعيد
الإلهية، ولدينا الكثير من المواعيد في كلمة الله.
وللحديث بقية مع فيلسوفنا الحكيم سليمان.