عدد رقم 5 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
التحذير من ديانة الجسد وتعليم التقوى  

(أصحاح 4)

بعد أن علَّمنا الترتيب في بيت الله، وسر كل سلوك صحيح للذين يُكوّنون البيت، فإن الرسول في الجزء المُتبقي من الرسالة يُحذرنا ضد كل نشاط جسدي يُدمر السلوك الصحيح، ويُعلّمنا بأن التقوى الحقيقية وحدها هي التي تحرس الأمناء من هذه الشرور المتنوعة.

وفي الأصحاح الرابع، يُحذر الرسول بصفة أكثر خصوصية ضد الارتداد والديانة الجسدية التي تُظهِر نفسها مُتخذة المبدأ الفاسد؛ مبدأ النُسك.  وفي الأصحاح الخامس يُحذرنا الرسول ضد ديانة الجسد العالمية التي تُظهِر نفسها في الإشباع الشهواني وإرضاء الذات.  وفي الأصحاح السادس يُحذرنا ضد شهوة الجسد التي تُظهِر نفسها في محبة المال.

والتحصن ضد هذه الشرور نجده في ”التقوى“.  هذه الكلمة لها أهمية خاصة في هذه الرسالة.  ولقد وردت هذه الكلمة 16 مرة في العهد الجديد، 9 مرات منها في هذه الرسالة (1تي2: 2، 10؛ 3: 16؛ 4: 7، 8؛ 6: 3، 5، 6، 11).  إن التقوى هي الثقة في الله الحي الذي نعرفه، وهو يقود المؤمن لكي يسلك في خوف مُقدَّس لله وسط كل ظروف الحياة.  إنها تعرف الله وتُكرمه، ولهذا فهي عكس النفاق الذي يطلب تمجيد الذات.

في الأصحاح الرابع يُحذرنا الرسول أولاً ضد ارتداد الذين يتحولون عن المسيحية إلى ديانة الجسد (ع1-5)، ثم يستحضر أمامنا حياة التقوى التي تحرس النفس من شرور الجسد (ع6-10)، وفي النهاية، فإن الرسول يُعطي تحريضات شخصية لتيموثاوس تتضمن التعليم والقيادة لكل خدام الرب (ع11-16).

تحذيرات من ديانة الجسد أو النسك

(ع1-5)

كان الرسول قد ختم الجزء السابق من الرسالة بهذه الصورة الجميلة للإيمان، واضعًا الحق العظيم للمسيحية، وهو إعلان الله في المسيح.  والآن الروح يُحذر بكل صراحة أنه في الأزمنة الأخيرة للمسيحية المُعترفة، يرتد قوم عن الإيمان.  وفي النهاية يُحذرنا الرسول بأن البعض بصورة عملية ينكرون الإيمان (5: 8)، والبعض بسبب محبتهم للمال يضلون عن الإيمان (6: 10)، وآخرين زاغوا من جهة الإيمان بسبب تعاليم كاذبة (6: 21).

ع1، 2: «وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ».

يتكلَّم الرسول هنا عن الارتداد عن الإيمان.  ومن الواضح أن الرسول لا يتكلَّم هنا عن الارتداد العظيم الذي سبق أن شرحه في الرسالة الثانية إلى التسالونيكيين، والذي أشار فيه إلى ارتداد المسيحية عامة، بعد اختطاف الكنيسة.  أما في هذا النص، فإن الرسول يقول: «يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ».  ومن الواضح أيضًا أنه يُشير إلى ارتداد أفراد في الأزمنة الأخيرة قبيل مجيء الرب.

وبينما كنيسة الله باقية على الأرض، فإنه يظهر قوم سبق لهم أن اعترفوا بالمسيحية، ولكنهم يفرطون في التخلي عن حقائق الإيمان العُظمى للمسيحية فيما يخص شخص المسيح.

ع3: «مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ».

ومن وراء هذا الارتداد، فهناك التأثير المُباشر لخداع الأرواح الشريرة وضلالها التي تقود إلى تعاليم شياطين بالمباينة مع الحق.  والارتداد ليس ببساطة هو إهمال الحق، ولا رفض الحق.  ولكن صاحبه كان قد اعترف بالإيمان المسيحي قبلاً، ثم تخلّى عن الحق بتعمد، واتخذ عقيدة أخرى باعتبارها أسمى وأعظم من المسيحية.

والشياطين تتكلَّم بأقوال كاذبة، بينما تدَّعي أنها تتمسك بالحق!  ونعرف أن الشيطان ”كذاب“ (يو8: 44)، وقد خدع أبوينا الأولين برياء أقواله الكاذبة.  والحقيقة أن الحق لا قوة له على نفوسهم، وأنهم يُعطون اهتمامًا لتعاليم شياطين، وهذا يُبرهن بوضوح أن ضمائرهم موسومة (أي مكتوية)، حتى أنهم لم يعودوا قادرين أن يُميزوا بين الجيد والرديء.  إن الارتداد إذن لا يشمل التخلي عن الحق فحسب، بل أيضًا تبني الضلال، وهي تعاليم شياطين.

ويأخذ الارتداد مكان الحق، الذي يؤثر بالديانة الجسدية والتي تعترف بمستوى عالٍ من القداسة.  وهي تدعي بأن هناك طهارة فائقة بالامتناع عن الزواج، وكذلك إنكار ذات بدرجة عالية في الامتناع أكل اللحوم وبعض الأطعمة.  والحقيقة أنهم إذ تحولوا عن الإيمان، فإنهم يُنكرون الله كمُخلِّصنا، ويرفضون الزواج وتناول بعض الأطعمة، فإنهم يُنكرون الله كالخالق.  وهذا معناه فقدان كل تقوى حقيقية تخشى الله، ونتيجة ذلك أنها تفتح للانحلال والشهوات.  هذه الأرواح المُضلة تقود إلى كبرياء الجسد، وتضع أمام الناس الوعد بالقداسة الفائقة حتى تقودهم إلى عمق الفساد والانحطاط.

ع4: «لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ».

إن التقوى الحقيقية تفيد من كل رحمة منحها الله داخل دائرتنا.  فإحسانات الزواج والأطعمة، المرفوضة من أولئك الذين تحولوا عن الإيمان، تُقبل بالشكر من أولئك الذين يؤمنون ويعرفون الحق.

ع5: «لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ».

إن العالم وكل طرقه بحسب كلمة الله غير مُقدَّس للمؤمن، أما الإحسانات الطبيعية التي تفيد كل العالم، فهي مُخصَّصة لفائدتنا ونحن نعبر هذا العالم.  وعلى الرغم من أن استخدام هذه الأشياء الطبيعية بالنسبة للمؤمن محروس بكلمة الله والصلاة، فإن كلمة الله تُنظم استخدامها، وبالصلاة فإنه يرفعها، مُعتمدًا على الله.             

                                                                                                                                                                      (يتبع)

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com