قال
الكاتب الشّهير جبران خليل جبران في كتابه: "يسوع ابن الإنسان" ما يلي:
ماذا
أقول عن خطابه؟ لا شكّ أنّ قوّةً خفيّة في شخصيّته كانت تُضفي على كلماته سحرًا
عجيبًا، فتأخذُ بمجامع قلوبِ سامعيه، وبخاصّة لأنّه كان جميلَ الصّورة بهيَّ المحيّا.
وكان الرّجال والنّساء يحدّقون إلى صورته الرّائعة، كما كانوا يصغون إلى مَباحِثه.
ولكنّه كثيرًا ما كان يتكلَّم بقوّة عجيبة، كان لها السّلطانُ الكامل على كلّ من
سمعه. قد سمعت في حداثتي خطباءَ روما وأثينا والإسكندرية، ولكنَّ المسيح النّذيرْ
كان يختلف كلَّ الاختلاف عن جميعهم.
حصر أولئك همَّهم في ترتيب
الكلام بصورة تسحر الآذان، ولكنّك إذ تسمعُ المسيح تشعرُ بأنّ قلبك يفارقك في
الحال، ويسيرُ هائمًا في أصقاعٍ لم يرتدْها أحدٌ بعد. فهو يقصُّ عليك قصّةً أو
يخاطبك بمَثل، ولكن العالم لم يسمع بمثل قصصه وأمثاله في كلّ تاريخه. لأنّه كان
يحوك أمثالَه وقصصَه من خيوط الحياة كما يحوك الزّمانُ نسيجَه من خيوط السّنين
والأجيال. وإليك مثالًا من طريقته في بدْء قصصِه: خرج الزّارع ليزرع زرعَه. أو كان
لرجل غنيّ كرومٌ عديدة. أو عدَّ راع خرافَه عند المساء فوجد خروفًا ناقصًا. ومثلُ
هذه الكلمات تعود بسامعيه إلى ذواتهم البسيطة، وإلى أيّامهم القديمةِ الهادئة. كلُّنا
عند التّحقيق زارع. وجميعُنا نعشق الكرمة. وفي مراعي ذاكرتنا يوجد راعٍ وقطيعٌ
وخروفٌ ضالٌّ، وهناك أيضًا محراثٌ ومَعصرة وبيدر.
أجل،
لقد عرف المسيح ينبوعَ ذاتنا القديمة، وخبرَ الخيوط الّتي حاك القديرُ نسيجَنا
منها. إن خطباءَ اليونانِ والرّومان خاطبوا النّاس عن الحياة في نظر الفكر، ولكنَّ
المسيح تكلَّم عن حنين كائنٍ في أعماق القلب. أولئك رأَوْا الحياةَ بعيونٍ قد تكون
أنقى قليلًا من عينيك وعينيّ، أمّا هو رأى الحياةَ بنورِ الله. وكثيرًا ما أفكر في
أنّه خاطب الجموعَ كما يخاطب الجبلُ السّهلَ الوسيع. وكان في خطابه قوّةٌ لم تصل إليها
أفكارُ أثينا وروما.
عزيزي
القارئ: إن كانت كلمات وتعاليم المسيح قد فرضت هيبتها وسلطاتها وبهاء تميّزها على
عقول الشّعراء والفلاسفة، لكن أكبر تأثير تعمله كلمات المسيح هو إنارة الذّهن
المظلم، وولادة الانسان ولادة ثانية من الله. فكلام المسيح هو روح وحياة. فهل قبلتَ
كلامه وسكنَ في قلبك؟