يهتمّ
الدّارسون والباحثون في معرفة أصول الشعوب والأجناس، بكل اكتشاف جديد من شأنه
إلقاء الضوء على أصل الجنس البشري، وكيف تكونت الشعوب والأجناس. ولكن لا يفوتنا أن
الكتاب المقدس، كتاب الله، وهو الوثيقة الأولى والنهائية الصادقة والثابتة، قد كشف
لنا في سفر التكوين ما يبحث عنه العلماء، وما تنشغل به دوائر البحث العلمي. وهذا
ما يكشفه لنا الأصحاح التاسع من سفر التكوين كما يلي:
نبوة
نُوح عن مستقبل أولاده:
أولاً:
«وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ
كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ
حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ
سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى
الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ.
فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ
(بكل معنى الكلمة عقليًا وروحيًا)، عَلِمَ
مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ». وهو في
كامل وعيه الروحي كنبي ينبئ بمستقبل. وهو أيضًا مالك زمام نفسه، ومتمتع بكامل
سلطانه عليها وعلى غيرها كحاكم يصدر أحكامه «قَالَ: مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ
الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ» (تك9: 20-24). "مَلْعُونٌ
كَنْعَانُ ابن حَام أدبًا لحام“. ولم يُمكن لعن حَام لأنه سبق وبورك (تك9: 1). كما
لم يمكن لعن آدم بسبب سقوطه، فلُعنت أرضه عوضًا عنه، لأنه هو أيضًا سبق وبورك
(تك1: 27، 28؛ 3: 17).
«قَالَ:
مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! (كفرد وكشعب) عَبْدَ
الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ» (تك9: 25). وهكذا
صار، فالأفراد استُعبدوا أرقاء. ولما كانوا ممالك في بلادهم، استعمرها الغرباء
مستولين على السكان والمحاصيل. والذي درس تاريخ كنعان في بلاده التي هي بلاد
كنعان، يعلم كيف تحققت وتتحقق هذه النبوة إلى اليوم، يعلم كيف كان يغزوا بلاد
كنعان الأسيويون، ومنهم إسرائيل والفرس والعرب والأتراك، وكيف كان يغزوها
الأوربيون، ومنهم اليونان والرومان والفرنسيون والإنجليز، وستظل أرض الغزو
والإستعمار للغربيين والشرقيين حتى تكون - على يد الرب - في النهاية لإسرائيل
«وَفِي ذلِكَ الْيَوْمِ لاَ يَكُونُ بَعْدُ كَنْعَانِيٌّ فِي بَيْتِ رَبِّ
الْجُنُودِ» (زك14: 21).
ثانيًا:
«وَقَالَ: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ» (تك9:
26). وهنا بكل جلاء يُعلن الله نفسه إلهًا لسَام، وبعبارة أخرى يعلن نسل سَام
شعبًا له، وهذا ما تم فعلاً. فإبراهيم ونسله الذين اُختيروا ليكونوا بين الشعوب
الوثنية شعبًا للرب، والذين صار الرب وحده هو إلههم، هم من نسل سَام، وقد صار
نسله، وهو الكائن على الكل، الله المبارك. ورُسُل العهد الجديد الذين أرسلهم إلى
العالم أجمع لينشروا فيه الإيمان الصحيح، هم سَاميون أيضًا. ويكفي القول من جهة
نسل سَام أنه هو الذي كتب كل كلمة في الكتاب المقدس بوحي من الله، وأن الله تجسد
منهم. فحقًا: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا
لَهُمْ»؛ أي للساميين (تك9: 26). وهذا ما تم فعلاً كما سبقت الإشارة.
ثالثًا:
«لِيَفْتَحِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ
كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ» (تك9: 27). يتضح مما سبق، ومن
الجدول الذي سنأتي به فيما يلي، أن سَامًا سكن آسيا، وكنعان بن حام سكن أرض
فلسطين، وباقي نسل حام سكن أفريقيا، ويافث سكن أوروبا. وهنا يقضي الله ليافث ساكن
أوروبا وأمريكا باحتلال البلاد الأسيوية، كاحتلال اليونان والرومان لبلاد الفرس
والكلدان والأشوريين، فضلاً عن استعبادهم للكنعانيين. وكاحتلال الإنجليز للهند
وغيرها، وكاحتلال الأمريكان لليابان، واشتداد يدهما مع إسرائيل في كنعان الآن.
وإليك
الآن الجدول الذي أشرنا إليه، والذي يريك كيف تكونت القبائل من الأفراد، وكيف
سُمِيّت مساكنها بأسمائها، وكيف صارت فيها ممالك، وكيف بذلك تَمَت النِّبوات كما
يقول الرسول: «الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ
هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا
وَكُلَّ شَيْءٍ. وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ
يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ
وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ (يقصد الحدود الدَّولية)، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ
لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ
مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ» (أع17:
24-28).
وها
هو الجدول:
نسل يافث الابن الثاني لنوح
(تك9: 20-27؛ 10: 1-5)
كان
يًافث جِد الأمم المثقفة العظيمة، وكان ينمو في القوة والعلوم والفنون والصناعات. ورؤوس
قبائل بني يافث هم:
(1) جُومَر: الجِد
الذي تسلسلت منه فروع سكان أوروبا الأولون في بولاندة وألمانيا وفرنسا وأسبانبا
وبريطانيا وإيرلاندا … إلخ.
1. تُوجَرْمَةُ: استعمر أرمينية.
2. رِيفَاثُ: استعمر بولاندة.
3. أَشْكَنَازُ: استعمر الأناضول (يظن البعض أنه استوطن ألمانيا).
(2) مَاجُوجُ: الجِد
الذي تسلسل منه معظم الشعب الروسي والبولندي، وكل بلاد منغوليا والاسكنديناوة …
إلخ.
(3) مَادَاي: الجِد
الذي استعمر بلاد مادي وفارس والأفغانستان وتركستان والتيبِّت.
(4) يَاوَانُ: الجِد
الذي استعمر بلاد اليونان ومقدونية والجزائر المحيطة بها، وبنو يَاوَان استوطنوا
الجهات الآتية:
1. أَلِيشَةُ: استعمر جهات بلغاريا.
2. تَرْشِيشُ: استعمر جبال طوروس.
3. كِتِّيمُ: استعمر جزيرة قبرص وإيطاليا.
4. دُودَانِيمُ: استعمر منطقة الدودنيل وتركية أوروبا.
(5) تُوبَالُ: الجِد
الذي استعمر حول البحر الأسود (توبولسك).
(6) مَاشِكُ: الجِد
الذي استعمر القوقاز وروسيا الجنوبية (موسكو). ثم امتد إلى بروسيا وهنجاريا
والنمسا وسويسرة وأسبانيا والبرتغال وانجلترا وإيرلندة.
(7) تِيرَاسُ: الجِد الذي استعمر تراقية
ورومانيا ويوغوسلافيا وما حولها.
«مِنْ هؤُلاَءِ تَفَرَّقَتْ جَزَائِرُ الأُمَمِ
بِأَرَاضِيهِمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ كَلِسَانِهِ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ بِأُمَمِهِمْ»
(تك10: 5)
*******
نسل حَام نوح الأصغر
(تك10: 6-20)
كانت المَدَنِّية التي وجدت بعد
الطوفان من عبقرية نسل حام أصغر إخوته، وقد ازدهرت في وادي الفُرات بفعل نمرود،
وفي وادي النيل بفعل مصرايم، ولكنها لم تنبغ إلا في تشييد العمائر الشامخة التي
غالبت الدهر، وكانت قائمة على السخرة والاسترقاق لأجل المباهاة بالعظمة، وإمعانًا
في تأييد سلطان الحكم.
ورؤوس قبائل بني حَام هم:
(1) كُوشُ: صار
فريقين: أحدهما استعمر المنطقة التي حول خليج العجم وبحر قزوين. والفريق الآخر
استعمر منابع النيل الشرقية، حيث الحبشة وأريتريا الآن، وتفصيل استيطانهم كالآتي:
1. سَبَا: استوطن بلاد الحبشة.
2. حَوِيلَةُ: استوطن بلاد اليمن.
3. سَبْتَةُ: استوطن بلاد العرب.
4. رَعْمَةُ: استوطن بلاد عمان.
5. شَبَا: استوطن بلاد البحرين غرب بحر العجم.
6. دَدَانُ: استوطن جنوبّي شبا غرب بحر العجم أيضًا.
7. سَبْتَكَا: استوطن بلاد حضرموت.
8. نِمْرُودُ: ابْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ
وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ.
9. أَشُّورُ: بَنَى نِينَوَى وَرَحُوبُوتَ عَيْرَ وَكَالَحَ
وَرَسَنَ.
(2) مِصْرَايِمُ: استعمر شمال أفريقيا وكل وادي
النيل، وعلى اسمه دُعِيت مصر واستوطن نسله المناطق الآتية:
1. لُودِيم: استوطن بلاد طرابلس الغرب.
2. عَنَامِيم: استوطن الواحات بين سيوه والجغبوب.
3. لَهَابِيم: استوطن بلاد برقة.
4. نَفْتُوحِيم: استوطن جهات الفيوم والواحات المحيطة بها.
5. فَتْرُوسِيم: استوطن بلاد النوبة، وهي ما بعد أسوان إلى حلفا.
6. كَسْلُوحِيم: استوطن بلاد الوجه القِبلي.
7. فِلِشْتِيم: استوطن شبه جزيرة سينا.
8. كَفْتُورِيم: استوطن الوجه البحري والدلتا.
(3) فُوطُ: الجِد الذي استعمر جميع شمال
أفريقيا، طرابلس وتونس والجزائر ومراكش.
(4) كَنْعَانُ: الجِد الذي استعمر جميع الساحل
الشرقي للبحر الأبيض المتوسط من جهة فلسطين، ومنه خرج صِيْدُونَ، وعلى اسمه مدينة
على الساحل. ومن نسله:
|
1. حِثًّا
|
2. الْيَبُوسِيّ
|
3. الأَمُورِيّ
|
4. الْجِرْجَاشِيّ
|
5. الْحِوِّيّ
|
|
6. الْعَرْقِيّ
|
7. السِّينِيّ
|
8. الأَرْوَادِيّ
|
9. الصَّمَارِيّ
|
10. الْحَمَاتِيّ
|
«وَبَعْدَ ذلِكَ تَفَرَّقَتْ
قَبَائِلُ الْكَنْعَانِيِّ».
«هؤُلاَءِ بَنُو حَامٍ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ
كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ وَأُمَمِهِمْ»
(تك10: 20)
*******
نسل سام بن نوح الأكبر
(تط10: 21-31)
(1) عِيلاَمُ: استوطن
جنوبي بلاد العَجَم.
(2) أَشُّورُ: ومنه
الأشوريون كانوا مستعبدين لنمرود كوش وموطنهم في أعالى النهرين.
(3) أَرْفَكْشَادُ: استوطن
بين النهرين وخزيرة العرب على ساحل البحر الأحمر.
(4) لُودُ: استعمر
آسيا الصُغرى حيث تركيا الآن.
(5) أَرَامُ: سكن بين
النهرين، ولذلك يسمى هذا المكان سهل أَرَام، وبنوه:
1. عُوصُ: استوطن عند خليج العَجَم.
2. حُولُ: استوطن عند مخرج نهر الأردن حيثيُدعى باسمه ومنه سوريا
الآن.
3. جَاثَرُ: استوطن في آسيا الصغرى.
4. مَاشُ: استوطن في آسيا الصغرى.
«وَأَرْفَكْشَادُ
وَلَدَ شَالَحَ، وَشَالَحُ وَلَدَ عَابِرَ» (تك10: 24). وعَابِرُ خرج منه
أَبْرَامَ الْعِبْرَانِيَّ (تك14: 13) الذي منه خرج بنو إسرائيل
«الْعِبْرَانِيِّون» (تك40: 15)، ومن ثم يسمى سَام «أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ»
(تك10: 21)، أي جِد العبرانيين.
وبنو
عَابِرَ:
1. فَالَجُ: «لأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الأَرْضُ» (تك10:
25)، ويُظن أن هذا إشارة إلى انفصال القارات عن بعضها بعد نزوح الناس إليها
وانتشارهم فيها. وكان مسكن فَالَج ونسله ما بين النهرين. وفَالَجُ هو جِد إبراهيم.
2. يَقْطَانُ:
«وَيَقْطَانُ وَلَدَ: أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارَحَ
وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ وَعُوبَالَ وَأَبِيمَايِلَ وَشَبَا وَأُوفِيرَ
وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ» (تك10: 26-29)، وقد سكنوا جنوب غربي شبه جزيرة العرب حيث
عدن واليمن الآن.
«هؤُلاَءِ
بَنُو سَامٍ حَسَبَ قَبَائِلِهِمْ كَأَلْسِنَتِهِمْ بِأَرَاضِيهِمْ حَسَبَ
أُمَمِهِمْ»
(تك10: 31)
*******
«هؤُلاَءِ
قَبَائِلُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِأُمَمِهِمْ. وَمِنْ هؤُلاَءِ
تَفَرَّقَتِ الأُمَمُ فِي الأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ»
(تك10: 32)
وإذ أن
سَامًا وإبراهيم وإسرائيل هم الموضوع الأصلي، إذ منهم سيأتي المسيح الذي له في حقه
الشرعي أن يكون معبود العالم الأوحد وحاكمه الأعلى، لذلك تنصرف كلمة النِّبوة عن
هذه الأنسال كلها، وتتحول لتمسك بسَام وحده لأجل خاطر المسيح. من ثم نستبقيه إلى
الآخر، ونواصل الكلام عنه في تكوين 11 حيث ننتهي منه إلى إبراهيم، ويتلخص هذا في
أخبار الأيام الأولى 1: 24 بالقول «سَامُ، أَرْفَكْشَادُ، شَالَحُ، عَابِرُ،
فَالَجُ، رَعُو، سَرُوجُ، نَاحُورُ، تَارَحُ، أَبْرَامُ، وَهُوَ إِبْراهِيمُ»؛
«مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ» (تك9: 26).
فوإن
كانت شهرة حَام جبروت حكوماته، وشهرة يَافث حِكمة علمائه، فشهرة سَام صحة ديانته.
فو إن كنا نرى في حَام قوة البدن، ويَافث رجاحة العقل، فإننا نرى في سَام نقاوة
القلب. هذه هى المميزات الأدبية التي ميزت سكان القارات، وسبق ودلت عليها
النِّبوات، بل وقضت بها المشورات.
حليم أرسناوي