❖ التّجسّد (مت1: 18-23؛ لو1: 26-35):
«عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي
الْجَسَدِ» (1تي3: 16). أمام هذا السّرّ؛ سِرُّ التَّقْوَى في الإيمان «بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ
آتِيًا فِي الْجَسَدِ» (2يو1: 7)، كم يليق بنا أن نلزم غاية الخشوع والوقار،
والكلمة تسرد لنا في حرص بالغ قصّة الحبل بالطّفل الإلهيّ: «اَلرُّوحُ
الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا
الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ» (لو1: 35). لم يكن يوسف
بالحقيقة أباه، ولكنّه كان كذلك شرعًا فقط.
ففي قرية النّاصرة المتواضعة، تلقّت
فتاة عذراء بسيطة، إعلانًا عن الأمر الّذي كان سيتم فيها. هناك تبدّدت مخاوف نجّار
فقير، عندما تأكّد أنّ الطّفل الّذي
سيُولد، والّذي حُبِل به من الرّوح القدس، هو الّذي سيخلّص شعبه من خطاياهم (مت1: 21).
قال الملاك ليوسف «وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ»، كما قال
لمريم «تُسَمِّينَهُ يَسُوعَ» أيّ "الرّبّ
المُخلِّص" (لو1: 31). ويضيف الملاك ليوسف القول: «يَدْعُونَ اسْمَهُ
عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا» (مت1: 21، 23). ولمريم يحدّد
ويخصّص فيقول: «هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى ...
فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ» (لو1:
32، 34).
❖ الميلاد (لو2: 1-7):
كانت البشارة بالميلاد في النّاصرة، لكنّ الأنبياء كانوا
قد تنبّأوا أنّه في بيت لحم سيولد المسيح (مت2: 4-6؛ مي5: 2). فيستخدم الله الإمبراطور الرّوماني نفسه وهو لا يعلم، لكي عن طريق
الأمر بإجراء الاكتتاب (الإحصاء) يصعد يوسف ومريم «مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ
مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي
تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ» (لو2: 4).
بيت لحم ... يا لها من ذكريات غالية تعيدها علينا هذه
القرية! هناك بعد مشقّات السّفر الطّويل، وبعد التّعب في ولادة بنيامين، فاضت روح
راحيل، وقبرها هناك إلى هذا اليوم. وفي حقول بيت لحم التقطت الأرملة المسكينة
راعوث، الّتي جاءت من بلاد موآب لتحتمي تحت جناحَيْ إله إسرائيل. وهناك رعى داود
الفتى المحتقَرُ من إخوته قطعانَ الغنم. وهناك أيضًا، في مسارح تلك القرية الصّغيرة،
سمع رعاة بسطاء البشارة المفرحة بولادة المخلّص.
لم يكن مكان لربّ المجد بالمنزل ليولد فيه، ولذا اضطرّت
مريم أن تُضجِعَه بمذود بقر. وبحرصٍ شديدٍ يصف لنا المكتوب هذا المشهد:
«فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ،
إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ» (لو2: 7).
❖ الرّعاة (لو2: 8 -20):
أذاع الملاك البشارة بمولد المُخلِّص، ليس لسكّان
أورشليم، ولا لوجوه اليهود في بيت لحم؛ بل كان أوّل من تلقّى البشارة أولئك الرّعاة
الّذين كانوا يحرسون حراسات اللّيل، وقال لهم الملاك: «أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ
مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ» (لو2: 11). والمُخلِّص لا شكّ، جاء لكلّ مَن يضع ثقته فيه، ولكن الملاك يقول للرّعاة: «وُلِدَ
لَكُمُ»، ليُبدّد خوفهم، ويُزيح عنهم انزعاجهم. وكلّ منّا يستطيع أن يقول: من أجلي
جاء إلى الأرض.
ثمّ يقول الملاك: «وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ:
تَجِدُونَ طِفْلًا مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ» (لو2: 12)! يا لها من علامة غريبة لتمييز المسيح الرّبّ من بين جميع أطفال بيت لحم، بإضجاعه في مذود! لقد تعرّف
الشّعب على شاول، أوّل ملوك إسرائيل، بأنّه «كَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ الشَّعْبِ
مِنْ كَتِفِهِ فَمَا فَوْقُ» (1صم10: 23)، أمّا العلامة المُميِّزة ليسوع المسيح
فهي منتهى الفقر. والرّسول بولس يقول: «إِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا
يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ
تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ» (2كو8: 9). وفي (أمثال 13: 7) نقرأ: «يُوجَدُ مَنْ يَتَغَانَى وَلاَ شَيْءَ
عِنْدَهُ»، وكم من أناس يظهرون على غير حقيقتهم، فيفتخرون بالغنى المادّيّ
والمعنويّ الّذي لا يمتلكونه. ولكن الكلمة تضيف: «وَمَنْ يَتَفَاقَرُ وَعِنْدَهُ
غِنًى جَزِيلٌ». إنّ البخيل يتظاهر بالفقر ليخفي غناه؛ ولكن ليس الكلام عنه هنا،
بل عن آخر؛ افتقر بالرّغم من أنّ لديه غنًى كثير. هكذا كان في بيت لحم.
ذهب الرّعاةُ مُسرعين إلى بيت لحم، وهناك وجدوا مريم
ويوسف والطّفل مضجعًا في المذود. فلما رأُوه، أخبروا بالكلام الّذي قيل لهم عن الصّبيّ.
ثمّ رجعوا وهم يمجّدون الله ويسبّحونه على كلّ ما سمعوا ورأوا. فلا مريم ولا يوسف،
بل الصّبيّ وحده، هو الّذي استرعى التفاتهم، واستوقف أبصارهم، واستحوذ على قلوبهم.
❖ الختان والتّطهير (لو2: 21-28):
«مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ
النَّامُوسِ» (غل4: 4). كان ينبغي
أن يُعمل للطّفل يسوع كلّ ما هو مرسوم في النّاموس. من أجل ذلك خُتن في اليوم الثّامن،
علامة افتراز شعب الله على الأرض عن باقي الشّعوب. ثمّ عند تمام أربعين يومًا من
ولادته صعد به أبواه إلى أورشليم لغرض مزدَوَج، أوّلًا لكي يقدّموه للربِّ،
وثانيًا لكي يقدّموا ذبيحة كما هو مرسوم في سفر اللّاويين 12.
وهل كانت هناك حاجة إلى ذبيحة "لافتداء" الطّفل
الصّغير؟ كلّا البتّة. أمّا زوج اليمام الّذي قُدِّم حسب (لاويين 12: 8) فقد كان
من أجل الأمّ وليس من أجل الطّفل. كانت هي في حاجة إلى التّطهير بذبيحة، أمّا هو -
له المجد - فكان الكامل منذ ولادته.
كان الواجب على مريم أن تقدّم خروفًا وليس يمامة،
ولعلمها بمَن هو الطّفل المجيد الّذي ولَدَتْهُ. وهي كانت بلا شكّ ترغب في ذلك
بحرارة، لكن يوسف ومريم كانا فقيرَين جدًّا! والشّريعة أعدَّت مقدَّمًا علاجًا
للمعوزّين «وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهَا كِفَايَةً لِشَاةٍ تَأْخُذُ يَمَامَتَيْنِ
أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، الْوَاحِدَ مُحْرَقَةً، وَالآخَرَ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ،
فَيُكَفِّرُ عَنْهَا الْكَاهِنُ فَتَطْهُرُ».
كانت مريم تعرف، وكذلك يوسف، أنّ الطّفل الّذي قدَّماه
للرّبّ في ذلك اليوم هو ابن العليّ، ابن داود، ابن الله. وكان لهما أن يتوقّعا -
على الأقل من البعض أمثال الكهنة والشّيوخ والحكّام - أن يتعرّفوا على الطّفل؛ ولكن الجميع بدا منهم عدم اعتبار إليه بالمرّة.
لكنّ الله أراد في ذلك اليوم أن يتبرهن مجد ابنه، سرًّا؛ ولكن بوضوح. ففي
ذلك اليوم قام سمعان الشّيخ، الّذي كان قد أُوحي إليه أنّه لا يرى الموت قبل أن
يرى مسيح الربّ، وبدافع من الرّوح القدس جاء إلى الهيكل في الوقت الّذي دخل فيه
يوسف ومريم بالصّبيّ يسوع ليصنعا له حسب عادة النّاموس. وهنا تقدّم سمعان - ويا له
من مشهد مؤثّر - وأخذ هذا الشّيخُ الصّبيَّ على ذراعيه، وبارك الله قائلًا:
«عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ». لقد سبق أن قيل للرّعاة: «وُلِدَ لَكُمُ
الْيَوْمَ ... مُخَلِّصٌ». وحَنَّة النّبيّة: «تَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ
الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً (أي خلاصًا) فِي أُورُشَلِيمَ».
«وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ
فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ».
ولعلّه كان يبدو أمرًا طبيعيًّا لو أنّ سمعان بارك أيضًا الطّفل المحمول على
ذراعيه، لكنّ بركة هذا الشّيخ استقرّت على الأبوَين فقط، ذلك لأنّه «بِدُونِ كُلِّ
مُشَاجَرَةٍ: الأَصْغَرُ يُبَارَكُ مِنَ الأَكْبَرِ (الأعظم)» (عب7: 7). فلم يكن
ممكنًا، ولا حتّى لشيخ كسمعان، أن يُبارك المسيح الرّبَّ، لأنّ سمعان نفسه كان في
حاجة لأن يتبارَك منه. أَوَلَمْ يجد هذه البركة، إذ قال: «الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ
يَا سَيِّدُ ... بِسَلاَمٍ»؟
في تلك السّاعة جاءت حَنَّة الّتي «وَقَفَتْ تُسَبِّحُ
الرَّبَّ، وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ» (لو2: 38). فبالرّغم من تقدُّمِها في الأيّام،
وظروفها الأليمة، لم تكن تشكو، بل «تَكَلَّمَتْ
عَنْهُ». إنّ الربّ الّذي كانت تُسبِّحه، هو إله
السّماء؛ والّذي كانت تتكلَّم عنه هو نفس الشّخص الّذي كانت تسبّحه. وكم
لمع مجد ابن الله في هذا المشهد بصورة رائعة!
❖ المجوس (مت2: 1-12):
وآخر من تُكلِّمُنا عنهم الكلمة في بيت لحم، هم هؤلاء
الضّيوف القادمون من المشرق. ولا يوجد في الكلمة ما يؤيّد أنّهم كانوا ملوكًا، أو
ما يؤيّد أنّهم كانوا ثلاثة. كان قد مضى بعض الوقت منذ ولادة المسيح، وكانت مريم
تقيم معه في بيت (ع11). كان هذا بعد نحو سنتين من ميلاده، لأنّ هيرودس - لمّا تحقّق
من زمان النّجم الّذي ظهر - قرّر أن يقتل جميع الصّبيان من ابن سنتيَن فما دون.
جاء هؤلاء المجوس من أرض بعيدة
بكنوزهم، وأتَوا إلى البيت ورأوا الصّبيّ مع مريم أمّه، فخرُّوا وسجدوا له. ولم
يكن ممكنًا أن يكون السّجود للأم بل للطّفل وحده، وله وحده أيضًا قدّموا الهدايا
الّتي جهّزوها. وهنا نرى فيهم مثالًا جميلًا للسّجود المُشبِع لقلب الرّبّ، إذ
نأتي وقلوبنا قد تهيّأت لتقديم السُّبحَ له، فلا نظهر أمامه فارغين. والذّهب - كما
في خيمة الاجتماع - يشير إلى شخصه الكريم كالآتي من السّماء من عند الآب. واللُّبان
يشير إلى رائحته الزّكيّة الّتي فاحت لله من حياته الكاملة ومن موته وطاعته
وإخلاصه. والمُرُّ يذكّرنا بآلامه.
❖ الهروب إلى مصر:
وهل جيء بالطّفل إلى مصر لإنقاذ حياته؟ كلّا، فإنّ
الأناجيل الأربعة تُرينا جميعها أنّه لم يكن لأجل هذه الغاية قد هرب به أبواه إلى
مصر، لأنّ أحدًا لم يستطع أن يلقي عليه اليد قبل أن تأتي ساعته، ولم يكن في مقدور
أحد أن يقتله ما لم يسلِّم هو نفسه بنفسه. كان هكذا، من بين مواقف أخرى لاتّضاعه،
مُطيعًا حتّى في الهروب إلى مصر، كما لو كان لإنقاذ حياته من غضب الملك.. لقد كان
يُخفي عظمته تحت صورة محتقرة.
ومن جهة أخرى فواضح أنّ
عين الله كانت ساهرة على الطّفل. ولكن لأجل تتميم المكتوب: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ
ابْني»، جاء به الله إلى مصر.
أمّا أطفال بيت لحم، قتلى غيرة هيرودس وضحايا غضبه،
كانوا من بين من قال عنهم المسيح بعد ذلك: «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ
لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ ... هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ
أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ»
(مت18: 11-14). مأساة مؤلمة شهدَتْها الأرض
نتيجة لخطيّة وبُغضة العدوّ؛ أمّا في السّماء فإنّ جمعًا لا يحصى من الأطفال سيرنّمون
ترانيم الحمد الجزيل