عدد رقم 2 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
جولة في سفر الجامعة (4)  

الأصحاح الأوّل

(1)

هل هذه الحياة تستحقّ فعلًا أن نحياها؟!

سبق أن ذكرنا أنّه يمكن تقسيم السّفر إلى قسمَين متساويَين، كلّ منهما ستّة أصحاحات.  بالإضافة إلى مقدّمة للسّفر وخاتمة، كالآتي:

(1)    مقدّمة للسّفر: تتضمّن نظرة سريعة إلى الموضوع (أصحاح 1: 1-11)

(2)    القسم الأوّل: أدلّة على بُطْل كلّ ما تحت الشّمس (أصحاح 1: 12 إلى 6: 12)

(3)    القسم الثّاني: نصائح في التّعايش مع هذا البُطْل (أصحاح 7: 1 إلى 12: 8)

(4)    الخاتمة: خُلاصة الموضوع (أصحاح 12: 9-14)

في الجزء الأوّل يُحاول سليمان أن يُجيب على السّؤال الهامّ: هل هذه الحياة تستحقّ فعلًا أن نحياها؟!  هل يوجد من وراء هذه الحياة فائدة أو منفعة؟!  وهل يُمكن للعالم - بدون الله - أن يُشبِع القلب ويملأ فراغ النّفس؟

وجدير بسليمان أن يُعالج هذا الموضوع؛ فقد هيّأت له العناية الإلهيّة أن يبلغ من عظمة المُلك والجاه، ما لم يبلغه ملك سواه، إذ تجمّعت له الثّروة والعَظَمة والشّباب والقوّة، منذ ارتقائه عرش المملكة، وتميَّز بقدرات ومواهب فذّة، وأُعطيَ الفرصة أن يختبر كلّ مسرّات الحياة ومباهجها (1مل4: 29-34؛ 10: 14-29).  وكانت له حكمة مُعطاة له من الله، وبها تمكّن من تحليل كلّ الأنشطة والإنجازات في الحياة، لكنّه حلَّلها بمنظار بشريّ «تَحْتَ الشَّمْسِ».  لم يكن عنده إعلان إلهيّ يُمكّنه من رؤية الأمور بالمنظار الإلهيّ، أو معرفة فكر الله تجاه كلّ ما في الحياة، وبالتّالي لم يعرف العلاج الإلهيّ للمشاكل الّتي يواجهها، ولم يجد إجابات على الأسئلة الّتي تُحيّره.  وإذ فشل في مساعيه، تبدو الفلسفة البشريّة عاجزة عن أن تُعلّل أبسط مشكلات الحياة.  وهكذا فاجئَنَا بالتّصريح: «فَكَرِهْتُ الْحَيَاةَ ... فَكَرِهْتُ كُلَّ تَعَبِي الَّذِي تَعِبْتُ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ» (جا2: 17، 18).  

والخُلاصة: لقد كَرِهَ سُليمان الحياة (جا2: 17)!

ولقد وضع لنا سُليمان مفتاح السِّفر مباشرة أمام الباب الأماميّ للسّفر:

«بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ. بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ الْكُلُّ بَاطِلٌ.  مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ؟» (جا1: 2، 3).

ثمّ وضع لنا نفس المفتاح عند الباب الخلفيّ للسِّفر:

«بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: الْكُلُّ بَاطِلٌ» (جا12: 8).

وفي الأصحاح الأوّل يذكر سُليمان سببَين أساسيّين لكراهيّته لهذه الحياة:

السّبب الأوّل: الحياة تتّسم بالرّتابة المُملّة، وتخلو من كلّ ما هو جديد، ولا يوجد فيها ما يُلبّي رغبة الإنسان لما هو جديد The Monotony Of Life)) (ع4-11):

لقد قال الربّ بعد الطّوفان: «مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ» (تك8: 22).  ولكن تعاقُب وترتيب ودوران الأمور المُتعلّقة بهذا العالم، كانت عبئًا على سليمان، لأنّه إذا كانت الحياة جزءًا من دورة لا نملك عليها سلطانًا أو تحكّمًا أو تنظيمًا، وإذا كنّا نحيا في حلقات ودوائر مُفرَّغة، فهل هذه الحياة تستحقّ أن تُحيا؟!  إذا كانت دورة الحياة تعود موسم بعد موسم، وجيل بعد جيل، فلماذا لا نستطيع أن نفهمها أو نفسّرها؟!

لقد تأمّل سليمان في هذه الأسئلة، إذ نظر إلى دورة الحياة الّتي «تَحْتَ الشَّمْسِ»، وخَلُصَ إلى ثلاثة استنتاجات كئيبة وباردة ومليئة بالغمّ (تُغُمّْ):

(1)   لا شيء يتغيَّر (جا1: 4-7). 

(2)   لا شيء جديد (جا1: 8-11). 

(3)   لا شيء يُفهَم (جا1: 13-18).  

(1)        لا شيء يتغيَّر (1: 4-7): وهنا نتقابل مع سليمان العالم (The Scientist):

(‌أ)      الأرض (ع4)

(‌ب)  الشّمس (ع5)

(‌ج)   الرّيح (ع6)

(‌د)     دوران المياه: الأنهار والبحار (ع7)

 

(2)        لا شيء جديد (1: 8-11): وهنا نتقابل مع سليمان المؤرّخ The Historian)).

ثانيًا: الحياة مليئة بالألغاز والمشاكل المُحيّرة الّتي يقف أمامها الإنسان عاجزًا، وكم من أشياء رديئة ومُحزِنة يُحاول الإنسان تلافيها أو إصلاحها، لكنّه يصطدم بعجزه الكُلّيّ، فيُسلّم بالواقع، أو قُل يستسلم له (ع12-18):

(3)        لا شيء يُفهَم (ع1: 13-18): وهنا نتقابل مع سليمان الفيلسوف (The Philosopher):

(‌أ)      ما جدوى الأعمال؟! (ع12-15):

الخُلاصة: «اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ» (ع15)

(‌ب)  ما جدوى الحكمة؟! (ع16-18):

الخّلاصة: «لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا» (ع18).

وسنبدأ من العدد القادم بحث هذه الآراء مع فيلسوفنا الحكيم سُليمان ...

إن شاء الرّبّ وعشنا.

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com