عدد رقم 2 لسنة 2022
أعداد سابقة سنة:   عدد رقم:
 
    أرسل المقالة لصديق   أضف المقالة للمفضلة Share
لمحات من الماضي  

 

خلفيّة العهد الجديد

السِّرَاج

«لاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ»

(مت5: 15)

كان السِّرَاج قديمًا أكثر وسائل الإنارة استعمالًا، وكان في البداية صحنًا فَخّاريًا يُطوى جانبه وهو رطب على شكل فوّهة صغيرة، وبعد أن يجفّ كان يُشوى في تنّور ليُصبح صلبًا. بعدها يوضع في الصّحن زيتَ الزّيتون أو غيره من الزّيوت النّباتيّة أو الدّهون الحيوانيّة. من ثمّ كانوا يلفّون خيوطًا من الكتّان (أو بعض القطن) ليكوّنوا فتيلة تُغمس في الزّيت من أسفل بينما يُشعل طرفها العلويّ الّذي يصل إلى حافّة الصّحن. لقد تطوّر السِّرَاج تدريجيًّا حتّى صار جسمًا مغلقًا عدا فتحتَين من فوق، الأولى لسكب الزّيت والأخرى لإدخال الفتيلة.

أنواع السُّرُج: للحدّ من تسرّب الزّيت إلى الخارج صارت السُّرُج تُزَجَّجُ بالألوان كالأسود والأخضر وغيرهما. كان لدى الأغنياء سُرج مُتعدّدة الرّؤوس تضاء جميعها. وكما قلنا كانت السُّرُج مصنوعة أساسًا من الخزف، لكن بعدها صُنعت السُّرج من البرونز (خليط من النّحاس والقصدير)، وكثيرًا ما كانت تُحفر أو تُرسم عليها أشكالًا نباتيّة أو نماذج هندسيّة وأحيانًا كلمات أو رموزًا دينيّة.

استخدامات السُّرُج: بعد غروب الشّمس كان لا بُدّ من إضاءة في الخارج والدّاخل، ففي اللّيل كانوا يخرجون بالمصابيح (السُّرُج) خصوصًا إذا كان الخروج طويلًا كاحتفالات الأعراس (مت25: 1؛ لو12: 35). ونقرأ أيضًا عن المنارة في خيمة الاجتماع والهيكل والّتي تحوي سبعة سُرُج، ويوضع فيها زيت الزّيتون المرضوض النّقيّ.

مواضع السُّرُج: داخل البيوت كانت السُّرُج توضع على حافة الشّبابيك أو فوق الباب، أو عاليًا على المنارة الّتي كانت تُصنع عادةً من جذع شجرة، وهكذا يُضاء البيت، وكذلك طريق الدّاخلين إليه.

لاحظ أنّ السِّرَاج لا يُضيء بدون زيت (رمز للرّوح القدس)، وبالحقيقة فإنّ من يسكن فيه الرّوح القدس - أي المؤمن- هو وحده القادر أن يقول للرّبّ: «لأَنَّكَ أَنْتَ تُضِيءُ سِرَاجِي» (مز18: 28)، وبالتّالي يسمع ويُطيع التّشجيع الإلهيّ: «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» (مت5: 16).

يُشير السِّرَاج المُضيء إلى عدّة نواحٍ في حياة المؤمن:

(1)    النّشاط: كوصف المرأة الفاضلة إذ أنّ «سِرَاجُهَا لاَ يَنْطَفِئُ فِي اللَّيْلِ» (أم31: 18).

(2)    البركة والاستمراريّة: كما قيل عن داود: «أَعْطَاهُ الرَّبُّ إِلهُهُ سِرَاجًا فِي أُورُشَلِيمَ، إِذْ أَقَامَ ابْنَهُ بَعْدَهُ وَثَبَّتَ أُورُشَلِيمَ» (1مل15: 4).

(3)    الشّهادة: فقد قيل عن شهادة المعمدان «كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ» (يو5: 35).

(4)    إناء يحمل نور الرّبِّ: «نَفْسُ الإِنْسَانِ سِرَاجُ الرَّبِّ» (أم20: 27)، فإن قَبِل الشّخصُ نور الرّبّ، فهو ينير كيانه الأدبيّ «فَإِنْ كَانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّرًا لَيْسَ فِيهِ جُزْءٌ مُظْلِمٌ، يَكُونُ نَيِّرًا كُلُّهُ، كَمَا حِينَمَا يُضِيءُ لَكَ السِّرَاجُ بِلَمَعَانِهِ» (لو11: 36).

لكن كلمة الله تُشير أيضًا إلى أربعة مواضع (أو أوضاع) لا ينبغي أن يوضع بها السِّرَاج:

(1)    تحت المكيال: «لاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ» (مت5: 15). لا يُوضع السِّرَاج تحت المكيال (وعاء لوزن الحبوب)، إلاّ إذا أردنا إطفاؤه، بقلب الوعاء فوقه حتّى لا تنتشر رائحة الدّخان. إنّ السِّرَاج متى أُضيء، فالمكان المناسب له هو على المنارة المرتفعة حتّى يُنير لكلّ أهل البيت.

(2) تحت السّرير: «هَلْ يُؤْتَى بِسِرَاجٍ لِيُوضَعَ ... تَحْتَ السَّرِيرِ؟ أَلَيْسَ لِيُوضَعَ عَلَى الْمَنَارَةِ؟» (مر4: 21). هذا مكان آخر ليس مناسبًا للسِّرَاج، فالسّرير يشير إلى التّراخي والنّوم، فهل نحن صاحين روحيًّا وفكريًّا (تي2: 2؛ 1بط1: 13).

(3)    مُغطّى بإناء: «وَلَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجًا وَيُغَطِّيهِ بِإِنَاءٍ ... بَلْ يَضَعُهُ عَلَى مَنَارَةٍ، لِيَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ» (لو8: 16). يدلّ الإناء على العمل والمشغوليّة، وبالحقيقة لا تلمع الشّهادة أحيانًا بسبب كثرة الانهماك في أُمور العمل وهموم الحياة.

(4)    في خفية: «لَيْسَ أَحَدٌ يُوقِدُ سِرَاجًا وَيَضَعُهُ فِي خِفْيَةٍ ... بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ، لِكَيْ يَنْظُرَ الدَّاخِلُونَ النُّورَ» (لو11: 33). ما المنفعة أن نضع السِّرَاج في مكان خفيّ لا يراه أحد؟! اسمح لي أن أسألك بكلمات أُخرى: هل أنت مؤمن خائف أو ربّما خجول؟ مِمَّن ولماذا؟!

اسمع المثل الآراميّ القديم: "شْرَاجَا بْطِهْرَا مَايْ أَهْنِّيهْ؟" أي: ماذا ينفع السّراج وقت الظّهر؟ واضح أنّ النّور يُفتقد بالذّات في حلكة الظّلام. هل هي صدفة أنّنا نعيش وسط ظلمة هذا الدّهر وقد دعانا الرّبُّ أنوارًا في هذا العالم؟! فإن كنّا قد أخذنا النّور من الله، فهل يضيء سراجنا وهل تلمع شهادتنا؟

من تشبيهات الكلمة النّبويّة «سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ»، وليتنا نثق بها كسراجٍ لرجلنا يُنير سبيلنا ويُضيء زوايا حياتنا لنعيش حياة نقيّة تُمجّد الله على الدّوام (2بط1: 19؛ مز119: 105).

© جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة - كنائس الأخوة بجمهورية مصر العربية
للإقتراحات والآراء بخصوص موقعنا على الأنترنت راسلنا على webmaster@rshabab.com