في حديثنا السّابق رأينا كيف
قدَّم الصّيّاد فِخَاخًا كثيرة، ورأينا كيف استطاع السَّيِّد - مستنِدًا على كلمة
الله - أن يكسر الفخّ الأوّل وهو الاحتياج، مُعلنًا أنّ الحياة بالخبز الرّوحيّ أي
كلمة الله، وليس بالخبز المادّيّ فقط.
واليوم وقبل أن نقف عند الفخّ
الثّاني، أحاول الإجابة عن سؤال: ماذا قصَدَ الرّوح بتجربة المسيح هكذا؟ فلوقا
يُسجّل: «أَمَّا يَسُوعُ ... كَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ
أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ» (لو1:4: 1، 2). وللإجابة أقول:
(1)
إذا كان مشهد المعموديّة قد
أظهر حقيقة لاهوته، فهو ابن الله - أيّ المُعَادِل له تمامًا، فإنّ التّجربة في
البرّيّة أظهرت قدسيّة ناسوته؛ فالسّماء أعلنت شهادة السّرور به قبل التّجربة،
وجاءت التّجربة لتُجسّم لنا كمال خضوعه لله.
(2)
رغم التّأكيد على هويّته في
المعموديّة باعتباره ابن الله، فهذا لم يَعْفِهِ من مشابهتنا في الامتثال للتّجارب
حال كونه إنسانًا، وذلك لكي يشعر بنا الآن وقتما نمرّ في تجربة ما، بل ويكون
رحيمًا بنا، ويُرسل - بعمل الرّوح القدس - معونة لأرواحنا.
(3)
كان - تبارك اسمه - كمثل
المُدرّس المُجتهد الّذي يُقرّر حلّ المسألة قبل تلاميذه، لا لاختباره، بل ليضع
أمامنا نموذجًا للحلّ، نقتدي به في حربنا، وأيضًا ليكشف لنا مكايد العدو وفخاخه.
والآن دعونا نقف بأكثر تأمّل
أمام الفخّ الثّاني، وهو كما أسميناه "أنصاف الآيات":
«ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ
إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ،
وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ،
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ
يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. قَالَ لَهُ يَسُوعُ:
مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ» (مت4: 5-7).
*
لا عجب - إنّ مكان هذه التّجربة
ليست البرّيّة، بل أقدس بناء وهو الهيكل، وفي أقدس مدينة أي أورشليم، وهذا ليعلّمنا
أنّه لا توجد منطقة مهما سَمَت مكانتها في أفكارنا، تصعّب على المُجرِّب، فهناك في
قصّة أيّوب نراه ماثلًا في محضر الله (أي1: 6)، بل وواضعًا كرسيّه في كنيسة برغامس
(رؤ2: 13)!
*
اختار الشّيطان بعناية مكان
المحادثة؛ "جَنَاحِ الْهَيْكَلِ"، وهو الرّكن الأعلى من الهيكل، حيث
يرتفع لأكثر من 90 مترًا عن قاع وادي قدرون. وهذا يكشف ذكاء ومكر الشّيطان،
فهو يضبط الظّروف الخارجيّة لتخدم تجربته، وهذا عين ما يفعله معنا.
*
واضح أنّ الشّيطان قد تعلّم
حيلةً جديدة من التّجربة السّابقة، فهناك مستندًا على المكتوب انتصر الرّبّ يسوع،
فجاء هو بأجزاء من المكتوب لتكون كالطّعم في الصّنّارة.
انظر النّصّ الّذي اقتبس منه الشّيطان:
«لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ
رِجْلَكَ»
(مز91: 11، 12)
ولكنّه
بمكر قد حذَفَ: «لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرْقِك». فالوعد أن يحفظنا في
الطّريق، وليس حينما نلقي بأنفسنا من أعلى!
عزيزي
احذر هذا النّوع من التّجارب، الّذي فيه يأتي المُجرِّبُ متخفّيًا في ثوب النّصوص
المُقدّسة، ولكن في غير موضعها، ليجعل ثقتك في الرّبّ ومواعيده تقلّ، بل وأكثر من
ذلك تقع في محبّته.
*
لقد أتى من الباب الخلفيّ
بحيلة ومكرٍ، ليصل إلى أهداف محدّدة، منها:
(1)
كان يخطّط أن يوقِعَ المسيحّ
في فخ مُنهيّ عنه، وهو تجربة الرّبّ، الأمر الّذي وقع فيه بني إسرائيل قديمًا
حينما جرّبوا الله في رفيديم (خر17). فقد دُعي ذلك المَوضع مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ أي
(تجربة، تمرّد؛ خصام، صراع)، وقد حذّر الربّ الجيلَ الجديد من خطأ آبائهم: «لا
تُجَرِّبُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ كَمَا جَرَّبْتُمُوهُ فِي مَسَّةَ» (تث6: 16). وهو
عين ما أجاب به الرّبُّ على محاولة الشّيطان، ولكن في صيغة المفرد «مَكْتُوبٌ
أَيْضًا: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ» (مت4: 7).
وهنا تأكيد آخر على استمرار المُعلّم في استخدام
المكتوب الّذي يجعل الشّيطان يهرب منّا (بط5: 9).
عزيزي، أرجوك في الرّبّ، ألّا تضع اللهَ مَوضع
الامتحان، فهذا هو غرض الفخّ. فلا تعطي إبليس فرصة ليجعلك تقع في الله مثل بني
إسرائيل (مز78: 19). بل وأكثر من ذلك، أنظر رد فعل الله تجاه ذلك الجيل: «حَيْثُ
جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ ... لِذَلِكَ مَقَتُّ ذَلِكَ الْجِيلَ» (عب3: 9، 10). نعم مَقَتَهُ،
أي تجنّبه، بل ولم يدخلوا الأرض لعدم إيمانهم.
(2)
أن ينشغل المسيح في إثبات
لاهوته بمعجزة، وهنا يكون قد استخدم قوّة لاهوته لحساب احتياج ناسوته، وهكذا يكون
قد كسر قانون إخلائه في التّجسّد، ولم يعد مثلنا تمامًا في كلّ شيء ماعدا الخطيّة.
وهل لذلك مدلول عن الشّيطان؟
نعم، فلقد وضع الكتابُ المسيحّ
باعتباره النّموذج، لكي نقتدي به في كلّ شيء في حياتنا، فكما سلك ذاك نسلك أيضًا
(1يو2: 6)، فلو كان نجاح المسيح في التّجربة مبنيّ على قدرة لاهوته، لم يعد مثالًا
نقتدي به، وذلك لأنّه ليس إنسان فقط مثلنا، بل وربّما كان الشّيطان نفسه يخبرنا أنّنا
لسنا مثل المسيح لننتصر، ومعها يضيع غرض الله، وهو مشابهة المسيح. ولكن شكرًا للسَّيِّد
والمُعلّم الّذي انتصر مُستخدِمًا فقط كلمة الله.
(3)
أن يقع المسيح في فخّ
الاستقلال عن الله في تسديد حاجته، فاقدًا خضوعه الكامل له، فهو من قال بروح النّبوّة
عن الله إلهه/ «عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ
إِلَهِي» (مز22: 10).
عزيزي، إنّ الخطيّة في جوهرها -
كمبدأ - هي الاستقلال عن الله كمرجعيّة، وهذا ما سقط فيه آدم الأوّل في الجنّة،
مُصدّقين قول الشّيطان: «َتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»
(تك3: 5).
ولكن هيهات أن يسقط فيه آدم
الأخير؛ يسوع ربّنا، حتّى وإن كان في برّيّة، وحوله وحوش (مر1: 13).
وإلى أن نلتقي في عددنا القادم
أمام الفخّ الثّالث وهو الحقوق، أشجّعك أن تثق في الله وفي محبّته، مُستنِدًا على
مواعيده، رافضًا تجربته، وخاضعًا لمشيئته، حينها سترنّم مع المُختبِر:
«انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا»
(مز7:124)