الخريطة الزمنية لانتشار الإنجيل
الخريطة الزمنية
والجغرافية لانتشار أسفار الكتاب المقدس
في القرون الميلادية
الأولى؟
(1) القرون الثلاثة الأولى:
انتشرت نسخ مخطوطات العهد الجديد في القرون الثلاثة الأولى على أيدي تلاميذ
المسيح ورسله، سواء الاثني عشر، أو السبعين، أو بولس الرسول، أو الأكثر من خمس مئة
أخ الذين ظهر لهم السيد المسيح بعد قيامته من الأموات (١كو١٥: 5، ٦). وكذلك
تلاميذهم ومن جاء بعدهم، مثل تيموثاوس وأكليمندس الروماني تلميذا بولس الرسول،
وأغناطيوس الإنطاكي تلميذ بطرس الرسول، وبوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول. وقد سلم
هؤلاء بدورهم النسخ لتلاميذهم، مثل أكليمندس الإسكندري مدير مدرسة الإسكندرية،
وإيريناوس أسقف ليون وخليفة بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول. وتم نسخ عشرات النسخ
بأيديهم أو تحت إشرافهم.
فقد كان كل تلاميذ المسيح ورسله، أصلاً، يهودًا، بل وكان بعضهم، مثل
نيقوديموس ثم بولس الرسول، من الفريسيين (أع٢٣: ٦). وكان معظم المؤمنين في السنوات
الأولى للمسيحية، أيضًا، من أصل يهودي، وكان الكثيرون منهم من الكهنة والكتبة
والفريسيين. حيث كانت الكرازة والبشارة
تبدأ غالبًا من المجمع اليهودي. وكانوا معتادين على حفظ كلمة الله، سواء شفهيًا أو
مكتوبة، كما كانوا معتادين على دقة نسخ مخطوطات الأسفار المقدسة.
ولكن كان للمسيحية شكلٌ آخر غير اليهودية، لأن اليهودية كانت قاصرة على بني
إسرائيل، في حين أن المسيحية كانت موجهة للعالم كله، لكل البشرية في كل المسكونة.
ومع انتشار المسيحية في بلاد كثيرة من العالم، كانت هناك حاجة مُلِحَّة وشديدة
للحصول على كم كبير من نسخ الأسفار المقدسة، سواء الأناجيل الأربعة أو بقية أسفار
العهد الجديد والعهد القديم، وذلك للقراءة في الكنائس والاجتماعات العامة أو
للدراسات الخاصة. كما كانت هناك سرعة كبيرة، إلى حدٍّ ما، في انتقال نسخ من هذه
الأسفار من بلد إلى آخر.
وعلى سبيل المثال، فقد وُجدت نسخة من إنجيل يوحنا في مقبرة في صحراء الفيوم
ترجع إلى حوالي سنة ١١٧م. وإن كان بعض العلماء يرجحون أنها ترجع إلى ما قبل سنة
١٠٠م. في حين أن هذا الإنجيل كُتب فيما
حوالي ٩٥م في أفسس في آسيا الصغرى. وبذلك يكون قد انتشر في بلاد كثيرة بعد كتابته
في مدة تتراوح ما بين ١٠ سنوات إلى ٣٠ سنة، رغم بعد المسافات وبدائية
المواصلات.
وكان يقوم بنقل هذه المخطوطات ونسخها، في القرن الثاني، كَتَبة (نُسَّاخ)
متعلمين ومدربين ولهم خبـرة في ذلك. ونظرًا للاحتياج الشديد إلى الكثير من النسخ،
سواء للكنائس أو الأفراد، فقد كانت هناك حجرات للنسخ تسمى ”سكريبتوريم (Scriptorium)“، والتي وُجد
أقدمها في الإسكندرية حوالي سنة ٢٠٠م. وكان يقوم أحد الأفراد بإملاء مجموعة من الكتبة
لنسخ مجموعة من النسخ في وقت واحد، وذلك إلى جانب المخطوطات التي كان ينسخها بعض
الأفراد لأنفسهم. وهؤلاء كانوا متفاوتين في كفاءتهم، وثقافتهم، وتعليمهم،
وبيئتهم.
وهكذا انتشرت آلاف النسخ والمخطوطات في قرى ومدن جميع البلاد المحيطة
بالبحر المتوسط والمجاورة للخليج العربي (الفارسي) وما بين النهرين (العراق
وسوريا) خلال القرن الأول وبداية القرن الثاني للمسيحية، وزادت كثافتها في النصف
الثاني من القرن الثاني ثم في القرن الثالث.
ونظرًا لأن المسيحية كانت مُضطهدة في هذه العصور، فقد انتقلت وانتشرت معظم
مخطوطات أسفار العهد الجديد في مخطوطات جزئية تضم إنجيلاً واحدًا، أو الأناجيل
الأربعة معًا، أو رسائل بولس الرسول، أو سفر الرؤيا... إلخ. وقد استُخدِم ورق
البردي بكثرة في كتابتها.
وقد بَقِيَ لنا من هذه الفترة معظم البرديات الـ٩٦ التي وُجدت لأجزاء من
العهد الجديد، والتي ترجع إلى هذه القرون الثلاثة الأولى للميلاد.
(2) القرنين الرابع والخامس:
في هذين القرنين، أصبحت المسيحية هي الديانة الرسمية للإمبراطورية
الرومانية. ومن ثم، نُسخت عشرات، بل ومئات المخطوطات، سواء لأجزاء من الكتاب
المقدس، أو للعهد الجديد كاملاً، أو لجميع أسفار العهدين القديم والجديد معًا. وقد نُسخت هذه المخطوطات بصفة قانونية ورسمية من
مخطوطات أقدم ترجع إلى القرنين الأول والثاني للميلاد، وذلك للاستخدام في الكنائس
أو للدراسات الخاصة.
على سبيل المثال، أمر الإمبراطور قسطنطين بنسخ ٥٠ مخطوطة كاملة وأُرسلت
للكنائس. كما نشطت ترجمة الكتاب المقدس
بعهديه إلى العديد من اللغات. وقد اتخذت هذه
الترجمات الصفة الرسمية، مثل ترجمة جيروم، المعروفة بـالعامية" أو ”الفولجاتا“،
التي تمت بناءً على تكليف من البابا.
وقد كُتبت معظم هذه المخطوطات على الرقوق والجلد، وتبقى لنا من هذه
المخطوطات:
- المخطوطة الإسكندرية،
- المخطوطة السينائية،
- المخطوطة الفاتيكانية،
والتي تعود أصولها إلى مصر.
(3) منذ القرن السادس وما بعده:
نشط الكثيرون في جمع مخطوطات الكتاب المقدس ونسخ العشرات من المخطوطات
الجديدة. وبعد القرن العاشر، استُخدم الخط الصغير المتصل في الكتابة، مما سهّل
عملية الكتابة وساهم في انتشار المخطوطات بكثافة عالية.