الأصحاح السادس
(3)
الْبُؤْسُ فِي وَسَطِ الْغِنَى!
ذكرنا سابقًا
أن سفر الجامعة - في الأصحاح الخامس - يُناقش أربعة من مَآسِي الحياة؛ وقد تحدثنا
عن:
(1) المأساة
الأولى: غِنًى مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِمْتَاعِ بِهِ: ثَرَوَاتٌ
بِلَا اسْتِمْتَاعٍ (ع1، 2).
(2)
المأساة الثانية: غِنًى بِلَا رِضًى أَوْ قَنَاعَةٍ: تَعَبٌ بِلَا اكْتِفَاءٍ (ع3-8).
وفي هذا العدد
نتأمل:
(3)
المأساة الثالثة: غِنًى مَقْرُونٌ بِالأَوْهَامِ وَالأَحْلَامِ، وَتَرَقُّبُ
جَدِيدٍ لَا يَأْتِي: غِنًى يَنْتَظِرُ أَحْلَامًا لَا تَتَحَقَّقُ (ع9):
«رُؤْيَةُ الْعُيُونِ
خَيْرٌ مِنْ شَهْوَةِ النَّفْسِ. هذَا
أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع9)؛ هذه كلمات سليمان، وهي ترجمة حكيمة
لمَثَل شعبي قديم: ”عُصْفُورٌ فِي اليَدِ أَفْضَلُ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى الشَّجَرَ“،
أو ”الطَّيْرُ فِي اليَدِ أَفْضَلُ مِنِ اثْنَيْنِ فِي الأَدْغَالِ“ أو ”غَبِيٌّ
ذَاكَ الَّذِي يُفْلِتُ عُصْفُورًا مِنْ يَدِهِ، مِنْ أَجْلِ عُصْفُورٍ عَلَى
الشَّجَرَةِ“. ومختصر الحكمة هو أن تمتلك
القليل وتتمتع به حقًا، أفضل من أن تَحْلُمَ بالكثيرً دون أن تَنَالَهُ. فالأحلام قد تنقلب كوابيس إذا لم نتمسك
بالواقع،
وفي أَيَّامٍ خَلَتْ، حين كان
الشَّباب يظنّ أن وظيفةً أخرى، أو بَلَدًا آخر، سيُحقق لهم أفضل ممّا عندهم، كان كِبارُ
السِّنِّ يُردِّدون كثيرًا عبارات مثل: ”الحُقُولُ البَعِيدَةُ أَكْثَرُ خُضْرَةً“،
أو "العُشْبُ أَخْضَرُ دَائِمًا فِي الجَانِبِ الآخَرِ مِنَ السِّياجِ“. وهو ما يُعبّرُ عنه سليمان عندما قال: ”إِنَّ
مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ خَيْرٌ مِمَّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ“؛ «رُؤْيَةُ
الْعُيُونِ خَيْرٌ مِنْ شَهْوَةِ النَّفْسِ. هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ»
(ع9). ومع ذلك، ما زال هناك في داخل
الإنسان ما يجعله يعتقد أن الحياة ستكون أفضل بكثير لو هاجَرَ إلى مكان غريب، أو
انتقل إلى مسكن في حيٍّ أرقى، أو أعاد تأهيل نفسه لمهنة أخرى، أو إذا أمكنه الحصول
على ثروة كبيرة. وإن مثل أحلام اليقظة هذه
تُولِّد الطمع وعدم الرضا والتذمر والأنين والشكوى، وهي في حقيقتها «بَاطِلٌ
وَقَبْضُ الرِّيحِ» (ع9).
وهذا الانهماك والاستغراق
بالأفكار في عالم الخيال والأوهام والتصورات، لا يقتصر على الجاهل فقط، بل يشمل
الحكيم أيضًا. فالجاهل يحسد الغَنِيَّ ، ويحلم أن يكون مثله
يومًا ما، بطريقة ما. والحكيم، أو الغني، قد
يغرق هو الآخر في أحلام الزيادة وتوسع المكاسب، ولكن الحقيقة الثابتة أن النَّفسَ
القانعةَ أكثر الناس سعادةً.
وكأن سليمان يقول لنا:
”استمتع الآن ببركات الله وعطاياه وهباته، واشكره على كل نعمة. لَا تُؤَجِّلِ الفَرَحَ إلى حين تحقيق أحلامك،
بل ابدأ الفرح والاستمتاع بما هو مُتاح لك الآن“.
وليس معنى هذا أن الطموح مَذْمُومٌ
أو أن الأحلام الكبيرة خطأ: بل يجب أن يكون الدافع هو مَجْدَ اللهِ لا مَجْدَ
الذَّاتِ، وَخِدْمَةَ الآخَرِينَ لا تَعْظِيمَ النَّفْسِ. أما مَن يظن أن الاكتفاء سيأتي تلقائيًا مع
الإنجاز المادي فهو مُخْطِئٌ؛ فَالرِّضَا الحقيقي يأتي عندما نصنع مشيئة الله من
القلب (أف6: 6). وقد قال الرب: «طَعَامِي
أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يو4: 34).
إن المؤمنحقيقي يرفض العيش
في أوهام وخيالات، بل يُوَاجِهُ واقع الحياة والموت والأبدية، بإيمان راسخ،
مُتكلاً على الله، لا على «غَيْرِ يَقِينِيَّةِ الْغِنَى (الْغِنَى غَيْرِ
الثَّابِتِ)» (1تي٦: ١٧). وهو ما أوصى به
الرسول بولس قائلاً: «كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: لاَ
أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ» (عب 13: 5).
كما أضاف: «أَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ
عَظِيمَةٌ ... فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا» (1تي6:
6-8).
إن
السعادة الحقيقية ليست النتيجة التلقائية للرفاهية المادية، بل هي الثمرة
المُباركة لحياة التقوى. فإذا كَرَّسْتَ
حياتك لِبَحْثٍ أَعْمَى عن السعادة، فستجد نفسك في فَرَاغٍ وَيَأْسٍ. أما إذا جعلت مشيئة الله هدفك، فستجد السعادة
أيضًا تسير معك في الطريق.
وللحديث
بقية ... إن شاء الرب وعشنا.