اثنا عشر خطابًا أُلقيَت في مؤتمراتٍ للمؤمنين الشبّان
(2)
تزيين التعليم
«وَالْعَبِيدَ (عِظِهم) أَنْ يَخْضَعُوا لِسَادَتِهِمْ، وَيُرْضُوهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ مُنَاقِضِينَ، غَيْرَ
مُخْتَلِسِينَ،
بَلْ مُقَدِّمِينَ كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ يُزَيِّنُوا تَعْلِيمَ مُخَلِّصِنَا اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ
قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ
الرَّجَاءَ
الْمُبَارَكَ
وَظُهُورَ
مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي
بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ» (تي2: 9-14).
إن تعليم الله مُخلِّصِنا
هو الإنجيل. إنه يُخبرنا أن الله صالحٌ ويعمل
الصلاح. وما أسعدنا أننا سمعنا ذلك! فبدونه كنا سنعيش بدون الله، وبدون المسيح، وبلا
رجاءٍ في العالم؛ فماذا كانت تكون حياتُنا؟ وماذا كنا سنكون؟
ظِلاً سائِرًا ... ممثِّلًا بائسًا
يَختالُ ويَتضجَّر ساعةً على المسرح
ثم لا يُسمَعُ له صوتٌ بعد ذلك … قصةً
يَقصُّها أحمق، ملأى ضجيجًا وغضبًا
ولا تعني شيئًا.
هذا هو شأنُ حياةٍ تُعاش بلا معرفة الله. ولكن إذا انتهت مثلُ هذه الحياة، فماذا بعد؟ «ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ»
(عب9: 27)، إذ لا بد أن تُعطي حسابًا لله
عن كل شيء. أمّا الإنجيل فقد أدخل إلى
حياتنا نورًا وجوهرًا؛ صار لدينا ما نعيش لأجله الآن، كما سنرى، وصار لنا رجاءٌ
مجيدٌ للمستقبل. فلنحمدِ الله ونفرح لأننا سمعنا بشارة الإنجيل.
والآن نحن مدعوّون أن نُزيِّن الإنجيل. تزيينُ الإنجيل! كيف نفعل ذلك؟ أليس الإنجيل كاملاً في جماله؟ نعم؛ هكذا رأيناه عندما بدَّد نوره الظلمةَ
التي كنا نتلمّس فيها طريقنا، ونحن أصبحنا نورًا في الرب (أف8: 5). وإن كان الإنجيل كاملاً، فماذا نستطيع أن نضيف
إليه لنُزيِّنه؟ حقًّا لا نستطيع أن نزيد عليه شيئًا؛ لعلّنا نحاول:
«أن نُضيف ماء الذهب للذهب المُصفّى، أو نُلوِّن السَّوْسَن،
أو نُلقي عِطرًا على البنفسج،
أو نُمهِّد الجليد، أو نُضيف لونًا آخر
إلى قوسِ قُزَح، أو بنورِ شمعةٍ
نفتّش عن عينِ السماء الجميلة لِنُزيِّنها!
لكن يمكننا أن نُظهِر - في حياةٍ جدَّدها الإنجيل -
الجمالَ الكامنَ فيه بالفعل. العالم لا
يرى فيه جمالاً، ولا عجب؛ فحين كان مَن هو موضوعُ الإنجيل هنا، كان مُحتقَرًا ومرفوضًا
من الناس؛ لم تكن له عندهم صورةٌ ولا بهاء، وحين رأوه لم يروا فيه جمالاً يشتهونه. ولكنه ثَمِينٌ في نَظَرِكُمْ، أنتم المؤمنين بِهِ
«فَلَكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تُؤْمِنُونَ الْكَرَامَةُ (هو كَريمٌ)» (1بط5: 7)، وهو
”الأَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ“ (مز45: 2)، وهو «مُعْلَمٌ بَيْنَ
رَبْوَةٍ ... وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ» (نش5: 16). وما كانه الرب يسوع، فالإنجيلُ هو.
تأمل في بصلة زهرة ”السوسن“؛ تُركت حزمةٌ منها مرةً
في المطبخ، فظنّتها الطاهية بصلاً وقالت: ”لا طعمَ لها ولا رائحة، لذا رميتها بعيدًا!“ لكن ازرع ذلك الجذرَ اليابسَ - الذي لا طعم له
ولا رائحة - في إناء، واعتنِ به العنايةَ المناسبة؛ فإذا به يُخرِج ساقًا
بديعةً من الأزهار، ويملأ البيتَ كلَّه عِطرًا. غير أن كل الجمال الذي أظهرته العناية كان
كامنًا في البصلة قبل أن ينكشف. وهكذا الأمر
مع الإنجيل: نحن الذين آمنا به يجب أن نُعيِّش بركته أمام أعين الناس الذين لا
يرون له طعمًا، ولا يشمّون له رائحة، فنُزيِّن تعليمَ الله مُخلِّصِنا في كل شيء.
يا لها من مسؤوليةٍ! ويا له من امتيازٍ في
متناولنا جميعًا! ففي هذا العالم الذي
تفوح منه روائحُ النجاسة الكريهة ونتانةُ الخطية، نستطيع أن نُنتِج وننشر جمالَ
نعمة الله وحلاوتها؛ نستطيع أن نكون مُقتدين بالله، سائرين نصنع الخير.
وهذه التحريضات وُجِّهت أساسًا إلى العبيد؛ أولئك
الذين كانوا يُباعون ويُشترَون في الأسواق العامة. ووُضِعت أمامهم أربعُ طرقٍ لفعل الخير: أن
يكونوا خاضعين لسادتهم، وودعاءَ في سلوكهم نحوهم، غير مُجاوِبين إلا بالطاعة، وأمناءَ
غير مُختَلِسين من أموال سادتهم: الطاعة، الاتضاع، الأمانة، الإخلاص. هذه صفاتٌ عملية، وما أحسنها وما أقبلها في
نظر الله مُخلِّصِنا، وما أشدَّ مُباينتها مع روح العالم وطرقه كما نعرفها!
أيها الشبانُ والشابات الذين اعترفوا باسم الرب،
انتبهوا لئلا تتأخروا في هذه الأمور؛ فواجبُكم جميعًا أن تُظهِروا ما تقدر أن
تصنعه نعمةُ الله في حياةٍ مثل حياتكم. لستم
بحاجةٍ أن تذهبوا إلى حقول الإرسالية لأجل هذا؛ افعلوه في البيت حيث تسكنون، وفي
المكان حيث تعملون.
افتحوا كتابُكم المقدَّس، واقرأوا الأصحاح الثاني
من رسالة تيطس، ولاحظوا أن الآية ١١ تبدأ بـ «لأَنَّهُ»، ثم تذكر السبب
الوحيد القادر أن يُحدِث هذا الأثر المنشود، وهذا ما ينبغي أن نتأمله الآن: «لأَنَّهُ
قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ»؛ نعمةُ
الله هي عمل محبته نحو أولئك الذين كانوا يستحقون غضبه، وهي التي تُبقينا في ربنا
يسوع المسيح. وسنفهمها أكثر إذا رأيناها
فيه، ولن نجدها على الإطلاق بالانفصال عنه.
لأن النعمةَ والحق بيسوع المسيح صَارًا، وقد تجسَّد وسكن بيننا مَمْلُوءًا
نِعْمَةً وَحَقًّا. ونعمةُ الله التي هي الخلاص
لم تُرسَل إلينا، بل أُتِيَ بها إلينا. لم يحملها ملاكٌ رسول، بل جاء بها ابنُ الله
الحبيب.
كثيرون ينظرون إلى هذه البركات كما ينظرون إلى
هديةٍ وصلت إليهم بالبريد: إنهم يعرفونها، وقد حصلوا عليها، وهم ممتنون للحصول
عليها، ويولون: ”أليست هي رمزًا لمحبة صديق بعيد؟“ ولكنه ليس حاضرًا معنا الآن؛
وكم كان الأمر سيختلف لو أنه جاء بها بنفسه! واتساقًا مع هذا الخطأ نفسه، يَعتبر هؤلاء
الخلاصَ ”شيئًا“. وهذا - يقينًا - فهمٌ
معكوس؛ لأنه ينبغي أن يُفهَم على أنه ”شخصٌ“: فإن كان لك هو - المُخلِّص - فَلَكَ
الخلاص. لقد فهم موسى ذلك حين أنشد: «الرَّبُّ
قُوَّتِي وَنَشِيدِي، وَقَدْ صَارَ خَلاَصِي» (خر15: 2).
أليس هذا ما قصده الرب حين قال للعشّار في الشجرة: «يَا
زَكَّا، أَسْرِعْ وَانْزِلْ، لأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَمْكُثَ الْيَوْمَ فِي
بَيْتِكَ»؟ وحين عبر عتبةَ ذلك الرجلِ السعيد قال: «الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ
لِهذَا الْبَيْتِ». لماذا؟ لأن الرب نفسه جاء إلى البيت؛ الرب يسوعُ هو
الخلاص. وحين يأتي بالخلاص إلينا، يأتي
ليَسكن معنا. كأنما يقول: أنا أحبك، وقد
طلبتك طويلاً، ولن أفارقك أبدًا: «لا أُهمِلُك ولا أتركك». إن لنا البركة، ولنا
مُعطي البركة أيضًا.
والآن قد منحتنا نعمةُ الله الرغبةَ أن نُزيِّن
التعليم؛ وفي خلاصه تكمن القدرةُ على ذلك، لأن الخلاص عملٌ عظيمٌ شامل. وما نحتاجه الآن هو إرشادٌ إلى كيف نعمل
هذا.
وكما تشرق الشمس صباحًا للجميع، هكذا ظهر الرب يسوع
لجميع الناس. يا للأسف أن قليلين
يُقدِّرون النعمة التي جاء بها! لكننا
نفرح لأن قلوبنا فُتِحت لنُرحِّب به. ليتنا نُحسِن معاملةَ مَن جاء إلينا، ونُظهِر له
كل أمانةٍ صالحة. لقد باركنا وخلّصنا؛ نحن
له. لكن ذلك هو بدايةُ طرق النعمة معنا. فالنعمة تُخلِّصنا، وتُعلِّمنا أيضًا وتُدرِّبنا
في طريق البر، كما نقرأ: «مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ
وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ
وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ».
نحن الآن في مدرسة النعمة. هل تُعيد إليك كلمة ”مدرسة“ ذكرياتِ واجباتٍ
شاقة ومعلّمين قساة؟ تلك أمورٌ تخص
المدرسة القديمة التي اسمها ”الناموس“. أما
”مدرسة النعمة“ فمختلفة؛ لأن المُخلِّص هو المُعلّم فيها. وهو الذي قال: «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ
وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا
رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي
هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ». وإذا كان
هو مُعلّمنا، فكم تكون الدروس جذّابة! وهو
يُعلِّم ليس بكلماته فقط، بل بطرقه أيضًا. إنه مثالُنا وهادينا، ونحن مدعوون أن نقتدي به. دخلنا مدرسته يوم خلّصنا؛ وسنبقى فيها إلى نهاية
أيامنا على الأرض؛ وحينئذ - وليس قبل ذلك - نتخرّج. ليتنا نتخرّج جميعًا بمراتب شرف لفرحه.
هذا التعليم ليس نظريًا بل عمليًا. نعم، يجب أن نعرف التعليم إن كنا سنُزيِّنه،
لكننا في مدرسة النعمة نتعلّم أن نسلك أكثر مما نتكلّم. ينبغي أن نتعلّم كيف نتصرف
في ثلاث دوائر من الحياة: في الدائرة الداخلية الشخصية نعيش بِالتَّعَقُّلِ؛ وفي
علاقتنا بالآخرين نعيش بالْبِرِّ؛ وفي علاقتنا بالله نعيش بالتَّقْوَى. ولقد عاش
الرب يسوع هذا كله كاملًا حين كان هنا، ووضع لنا مثالاً لكي نسير في خطواته؛
هل تعرفون الترنيمة
الجميلة التي تقول بعض أبياتها:
«يا رب، حين نرجع بخُطانا في الطريق
الذي سرتَ فيه على الأرض
مُظهرًا للإنسان محبتكَ ونعمتكَ العجيبتين،
وأمانتَكَ لله
أمينًا وسطَ عدم الأمانة
وفي الظلمةِ وحدَك نورًا
ورفعت عاليًا الاعتراف باسمِ أبيكَ
وسُرِرتَ بمشيئتِه
وحين نجلس عند قدميه
ونتأمله، نُعجَب ونَسجد ونرنّم:
نندهش من تواضع فكرك،
ونشتاق أن نكون مثلك،
ونجد كل راحتنا وسرورنا
في أن نتعلّم منك يا رب.
وما أسعدنا أن نُدير
ظهورنا لحياتنا السابقة؛ «نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ»،
فيصير كل شيءٍ حقيقيًا ورائعًا. وبهذين الأمرين نُصحّح حياتنا في هذا العالم. إن هذين الأمرين يعنيان أننا كنا قبلاً نقول:
”نحن لا نريد أن يكون الله لنا، بل نحن نرضي بأنفسنا“. ولكن الآن فقد صار الله جذّابًا لنا بالإنجيل، حتى
إننا لا نستطيع أن نعيش بدونه. وقد كشف لنا نوره كم كان طريقُنا مُفسدًا ومؤذيًا،
فاخترنا طريقَه بدلًا من طريقنا.
والنعمة جعلتنا مُتوقِّعين
ومُترقِّبين؛ فمحبةُ الله المنسكبة في قلوبنا بالروح القدس أعطتنا رجاءً لا به نُخزَى:
فنحن ”مُنْتَظِرونَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ
وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”. فالرجاء
المبارك هو مجيء ربنا يسوع المسيح ثانيةً ليُتمِّم كلمته: «آتِي أَيْضًا
وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا»
(يو14: 3). وهناك مَن يُعلِّمون أن الذين
سيُؤخَذون عند إتمام هذا الوعد هم فقط الأمناء الساهرون، ويُصرّون على ما يسمونه ”اختطافًا
جزئيًا“ يكون مكافأةً للأمانة والجهاد. لو
كان هذا صحيحًا - وشكرًا للرب لأنه ليس كذلك - لما بقي هذا الرجاء ”رجاءً مباركًا“؛
لأنه مَن مِنّا يضع يده على قلبه ويقول: ”أنا من الأمناء“؟ ولو كان لدينا أي قدر من الإحساس الحقيقي بضعفنا
حالتنا الأدبية، لاعترفنا بأننا ”عبيدٌ بطّالون“. ولكن هذا الرجاء لا يعتمد على ما نحن، بل على من
هو الله، فما أُعطيَّ لنا إنما هو بنعمة الله؛ إنما كل شيء بالنعمة «أَمَّا
الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ
عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ» (رو4: 4). إنه رجاءٌ مبارك، ليس بسبب أننا نتحصَّل عليه بإتمام
المسؤولية، بل لأنه وُضع أمامنا بالنعمة السيِّادية.
أما ”الظهور المجيد“
فسيعقب الرجاء المبارك؛ بل بالحقيقة هو جزءٌ منه. ومجدُ مُخلِّصنا سيملأ العالم في ذلك اليوم. إنه لم يملأ العالم بعد، فالآن يوجد الليل الذي
فيه ربنا غائبٌ عن العالم، والذي فيه ينبغي أن نضيء كأنوار، ونكون فيه شهودًا
لبركة الإنجيل. ولكن الصبح آتٍ، حين تشرق
شمسُ البر بالشفاء في أجنحتها. ولن يفرح العالم حينما يظهر الرب؛ «حِينَئِذٍ
تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ» (مت24: 30).
ولكننا سنفرح في ذلك اليوم. وما
الذي سبَّب هذا الفارق؟ تُخبرنا الآية
التالية: «الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا» (تي2: 14). وهكذا كانت محبته. ولأنه أحبنا وبذل نفسه
لأجلنا، لن نخاف حين يأتي في مجده؛ ولأننا نُحبه فإننا سنفرح أن نراه قد ارتفع مُمجَّدًا
بعدما أُهين من قبل.
«الَّذِي
بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (تي2: 14)؛ كنا
عبيدًا، لكنه حرَّرنا وأعتقنا. وثمنُ
فدائنا كان دمَه. بذل نفسه ليُنقذنا من
عبودية الخطية، ويقودنا في سُبُل البر. وبذل نفسه أيضًا «لِكَيْ ... يُطَهِّرَ
لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا» (ت2: 14). لقد أرادنا بالتمام له وحده - كنزه الخاص
- ولهذا فصلنا عن كل شر، وعن كل منافس،
وعن كل نير.
كم هو مبارك أن نكون
قادرين أن نُرنّم له:
يا رب يسوع، لك أنا، وإلى الأبد
مستندًا على محبتك الأزلية الثابتة
نعم، أنا لك إلى الأبد
يا رب يسوع، لك أنا.
ولكن هناك ما هو أكثر من
ذلك: ينبغي أن نكون «شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَال حَسَنَةٍ»
(تي2: 14)؛ فنحن نتعلّم في الخفاء، ولكن علينا أن نُظهِر تقدّمنا أمام أعين
الآخرين. فالمسيحي ليس مدعوًّا أن يكون راهبًا يهدر أيامه خلف جدران الدير، ولكن
يجب أن يسعى مثل ”يسوع الناصري“ «الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي
جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ» (أع10:
38)، هكذا نحن مدعوون أن نتبع خطواته، وأن ”نُزيِّن تعليمَ الله مُخلِّصِنا بأَعْمَال
صَالِحَةٍ“. وفي هذا لا ينبغي أن نكون
متكاسلين. إن قوتنا الروحية وتقدّمنا لا يُقاسان بكمّ معرفتنا الذهنية لتعاليم
الرسائل، بل بطريقة تنفيذنا للتحريضات العملية فيها.
ومن واجبي أن أؤكد أن لكم
أن “التعليم“ يتم في الخفاء. ازرعوا شركةً
سرّية مع الرب؛ اجلسوا عند قدميه طويلاً، حيث لا تَراكُم عينٌ إلا عينه، «فَأَبُوكَ
الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. » (مت6: 4)؛ ستكتسبون حكمةً وقوةً في الخفاء،
وتتعلّمون هناك أيّ موارد لكم حين يأتي الامتحان. ودعوني أصوّر لكم الأمر:
عندما نُسافر بالقطار
السريع من سيدني إلى ملبورن في أستراليا، نرى مساحات واسعة من أراض زراعية تمتد
فيها أعداد وفيرة من أشجار الخوخ تمتد على سفوح تلال الوادي الخصب الذي كنا نعبره
مُسرعين؛ منظرٌ بديع: أشجار مكسوّة بأزهار وردية وبيضاء، من أعلى الأغصان إلى أسفلها،
وهي واقفة كعروسٍ جميلة تتلقى ابتسامات الشمس وقُبلاتها؛ سماءٌ صافية، والشمس
كعريسٍ متلألئ. لقد زيّنت تلك الأشجار الوادي كله، وكانت تُنبئ بوعود عن ثمار من
الفاكهة اللذيذة لكل الجموع التي في مدن هذا الوادي، طوال الشهور المقبلة. كانت
الطبيعة العطوفة حقًا - تحت إشراف الله - تُعِدّ مخازنَها من العزاء والانتعاش لمقابلة
اليومٍ الذي يأتي فيه الصيف، ويختبر فيه القيظ والغبار والجفاف، صبرَ الناس
وقوتَهم.
وأثناء تأملي الصامت في
ذلك الوادي البهيج، قلت في قلبي: ”أخبريني - يا أشجار الخوخ - عن سِرّ جمالكنَّ
ونفعكنَّ: لماذا تستطعن اليوم أن تعرضن محاسِنَكنَّ أمام الشمس، وأن تَعِدْنَ
بأيدٍ وأذرُعٍ مُحمَّلة بالثمر لأشهُر الصيف الحارَّة القادمة؟“ فجاءني الجواب واضحًا: ”ما كان ممكنًا أن يكون لنا
اليوم جمالاً، ولا كان لنا غدًا ثِمارًا، إلا بقوّة وعملٍ لا تراهُما عين الإنسان؛
فجذورُنا تمتد إلى أسفل، وبعيدًا عن كل تدخُّل، نمتصُّ من التربة باستمرار ما
يُنشِّط ويُغذّي حياتنا الداخلية؛ وهكذا نَصير نافعات في العالم. إن حياتنا الداخلية - والتي تتلقَّى العون
والإمداد في الخفاء - تظهر في مَوسِمِها المُعَيَّنِ كما ترى. لو فشلت حياتنا السِّرّية أو انقطعت بتدخُّلٍ من
الخارج، لَذَوَيْنا ومِتْنا“.
وبينما كان قطارُنا
يُواصِلُ اندفاعَه، تأمَّلتُ أشجارَ الخوخ وكيف تنمو، ثم أخرجتُ كتابي المقدَّس
وقرأتُ: «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ
وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ
الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً» (مت٦: ٦)
هل ينوحُ أحدٌ مِنّا على
قلّةِ الإثمار؟ هل نشعر أننا لا نُزيِّن
التعليم، وأننا لسنا غيورين في الأعمالِ الصالحة كما ينبغي؟ نستطيع أن نتيقَّن أن السبب كلَّه هو إهمال
الحياةِ السِّرِّيَّة مع ربِّنا؛ فنحن في الواقع لسنا مُتعلمين منه في الخفاء؛
وكلُّ واحدٍ منّا يعلم أن الأمر كذلك.
وقد أكَّد لي هذا المَثَلُ
الخاصُّ بأشجارِ الخوخ دَرْسَهُ من جانبٍ آخر. فقد فكَّرتُ ثانيةً في وقتِ الاختبار من السنة
في البلادِ الجنوبيّة، حين تَتَّقِدُ الشمسُ في السماء بقوَّتِها الصَّيفيّة،
فتُحرِقُ وتُيبِّسُ تقريبًا كلَّ النباتات ضعيفة النمو. ومع ذلك فإن الشمسَ نفسَها هي التي تعمل على
إنضاج ثمار تلك الأشجار، مُضفيَةً عليه حلاوةً ونضارةً لم يكن ليحوزَهما بدونِها وهكذا أيضًا كل اختبارٍ وتجرِبةٍ في الحياة؛ كلها
لها أثرُها المُحَقَّقُ علينا. فإما أن تُحرِقَنا وتُذْوِيَنا - كالزرعِ على
الأرضِ الصخريّة الذي يهلِكُ حين تَطلُعُ الشمس - وإما أن تُنضِجَ حياتَنا
المسيحيّة وثمرَها. وأيُّ الأثرين
يتحقَّقُ فينا يتحدَّدُ بحياتنا السِّرِّيَّة مع ربنا.
إن كنا نُكثِر المُكوثَ
معه، مُرسِلين جذورَنا إلى أسفل في معرفته، ومُستَمدّين انتعاشَنا وقوَّتَنا من
الينابيعِ الخفيّةِ التي فيه، فلا حاجة أن نخشَى التجرِبة؛ بل نستطيع أن نفتخرَ في
الضيق، لأنه لن يفعل إلا أن يخدِم مشيئةَ الله ويعملَ لخيرِنا، ويُمكِّنَنا من أن
نمدَّ أيدينا بثمرٍ أَحلَى إلى المُتعَبين والمُتألِّمين.
فانطلِقوا إذن لتحِبّوا
أعداءَكم، وبارِكوا لاعِنيكم، وأحسِنوا إلى مُبغِضيكم، وصَلّوا لأجل الذين يُسيئون
إليكم ويطردونكم؛ لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السماوات، وهذا هو طابِعُكم
المُميِّز، لأنه يُشرِقُ شمسَه على الأشرارِ والصالحين، ويُنزِلُ المطرَ على
الأبرارِ والظالمين. وكم هو الرب مبارك
وصالح!
ج. ت. موسون!