نحن لا ندّعي مُطلَقًا أنّ حقيقة التّجسّد هي من القضايا
السّهلة؛ فكيف يتجسّد الله؟ وكيف يكون المسيح هو الله وإنسان في آن؟
ولنتذكّر دائمًا أنّنا نتكلَّم عن الله الّذي خلَقَنا،
وليس عن الإله الّذي تصوّرناه نحن بعقولنا المحدودة، ولنضع في أذهاننا أنّ الله
يعلن لنا الحقّ عن نفسه، وليس المجال مُعطىً لنا لنقترح كيف يكون الله، أو ما لا
ينبغي أن يكونه.
ومع ذلك دعونا نسأل أنفسنا: "أَليس ما قالَه
المسيح، وما فعلَه وما أظهرَه من صفات، يُظهر ويبرهن حقيقة لاهوته وناسوته معًا. لو
كان المسيح قد شهد عن لاهوته، بدون ما يدعم ويبرهن هذا الإعلان، لما صدّقه وآمن به
أحد".
لكن ما رأيناه من تفاعل أولئك الّذين أعلن لهم المسيح
حقيقة ذاته، من خلال أعماله، يُثبت أنّه بالحقيقة ذات ما أعلن، أنظر بطرس وهو
اليهوديّ الغيور، وقد أخذ بصيد السّمك الكثير:
«فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذَلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ
قَائِلًا: اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ» (لوقا5: 8).
ونَثَنَائِيل
الباحث الشّكوكيّ، سأل الرّبّ يسوع: «مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟ أَجَابَ يَسُوعُ:
قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ رَأَيْتُكَ. فَقَالَ
نَثَنَائِيلُ: يَا مُعَلِّمُ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» (يوحنا
1: 29).
والتّلاميذ
أجمعين بعد أن فاجأَهُم المسيح آتيًا إليهم ماشيًا على البحر الهائج: «جَاءُوا
وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ!» (متى 14: 33).
وشاول
الطّرسوسيّ وهو من غلاة اليهود وقد ذهب في تعصّبه إلى مداه، حينما ظهر له المسيح
من السّماء، معلنًا أنّه يسوع، كان أوّل ما نطق به شاول، بعدما أدرك أنّ يسوع الّذي
صُلِبَ ومات، قام وصعد إلى السّماء، وها هو يتكلّم من هناك، فكان أنّ شاول:
«سَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ
أَفْعَلَ؟» (أعمال 9: 6)، معترفًا بربوبيّته.
وفي
حديثه مع اليهود قال المسيح: «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ
أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. فَقَالَ يَسُوعُ: أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً
أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟ أَجَابَهُ
الْيَهُودُ: لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ
فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهًا» (يوحنا 10: 30-33).
لم
ينكروا أعماله، لقد فهموا أنّه يعلن لاهوته، ولكن فهموا بطريقة عكسيّة مثلما يفهم
الكثيرون، فبدلًا من أن يفهموا أنّه هو الله الّذي أخلى نفسه ظاهرًا في الجسد، ظنّوا
أنّه إنسان يرفع نفسه مُدّعيًا الألوهيّة.
لكن
دعونا نسأل أنفسنا: لو أنّ الله رأى وقرّر أن يأتي إلى العالم متجسِّدًا ومتأنِّسًا،
هل هو يستطيع؟ أم لا يستطيع، وهو كلّيّ القدرة؟
أيقدر
كائن من كان أن يردّه أو يمنعه أو يثنيه، وهو الّذي يعمل كلّ شيء حسب رأي مشيئته.
ثمّ
أنّه العالي والسّامي - وغنيّ عن البيان - أنّ العالي يستطيع أن يتنازل إن هو
أراد، أمّا الوضيع فلا يقدر أن يتعالى.
فمن
ناحية القدرة والإمكانيّة ليس هناك في تجسّده ما يتعارض مع العقل والمنطق السّليم،
ولاسيّما وقد خبِرناه نازلًا على الجبل ليتكلَّم مع أشراف بني إسرائيل، ومتكلَّما
مع موسى من العلّيقة.
فليس
شيئًا في المنطق يمنع أن يتأنّس الله ويأخذ طبيعة البشر، لاسيّما أنّه هو الّذي
خلقهم أصلًا على صورته كشبهِهِ، في الخصائص الأساسيّة للطّبيعة البشريّة (العقل،
والإبداع، والشّخصيّة الأخلاقيّة، والعلاقتيّة)، وهذه كلّها لا تتعارض مع طبيعته
الإلهيّة.
ولا
وجه للتّناقض في أن يكون المسيح شخصًا واحدًا له طبيعتان؛ ناسوت ولاهوت في ذات
الوقت، ويظهر الصّفات الإنسانيّة كونه إنسانًا، والصّفات الإلهيّة كونه الله،
ويعمل الأعمال الإنسانيّة كونه إنسانًا ويعمل الأعمال الإلهيّة كونه الله، وينطق
بالأقوال الإنسانيّة كونه إنسانًا، وينطق بالأقوال الإلهيّة كونه الله.
بحث
العلماء كثيرًا في طبيعة الضّوء، ماذا يكون؟ واكتشفوا أنّه ذو طبيعة موجيّة يسلك
تمامًا بحسب قوانين الموجات. وأكتشف
العلم أنّ الضّوء أيضًا له طبيعة مادّيّة، ويتكوّن من جُسَيْمات تسمّى فُوتُونات،
ويسلك تمامًا حسب قوانين المادّة، فهو مادّة وطاقة معًا. فهل نستطيع أن نقول إنّ
طبيعته الموجيّة تناقض طبيعته المادّيّة؟ أو أن ندّعي أنّ المنطق يحتّم أن يكون إمّا
موجات أو جُسَيْمَات؟ وماذا لو اعترضنا بأنّ هناك مفارقة بين كونه موجات أو جُسَيْمات،
فهل يغيّر الضّوء طبيعته؟
اعتراضات
على التّجسّد:
o
«اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ» (يوحنا 1: 18)، بينما
يقول الرّسول يوحنا عن المسيح: «الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا» (1 يوحنا 1:
1)؛ فكيف يكون هو الله؟
§
نعم الله في لاهوته لا يستطيع أحد أن يراه، وهذا من
دواعي تجسّده؛ فلطالما كانت أشواق قدّيسيه أن يروه: قال له موسى: «أَرِنِي
مَجْدَكَ»، فأجابه الرّبّ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ
لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ» (خر33: 18-20). فالله روح لا يُرى، ثمّ أنّه غير المحدود
وحواسنا لا تقدر أن تدرك غير المحدود، ولكنّ الله يريدنا أن نراه لذا حجب مجد اللّاهوت
في حجاب النّاسوت في تجسّده، لكي نراه ونعرفه في المسيح. لذلك أجاب المسيح تلميذه
فيليبس قائلًا: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» (يوحنا
14: 9).
o
«اَللَّهُ رُوحٌ» (يوحنا 4: 24)، بينما قال المسيح لتلاميذه:
«اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَانْظُرُوا
فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي» (لوقا 24:
39)، فكيف يكون المسيح هو الله؟
§
نعم الله روح في جوهره، وفي التّجسّد فقد اتّحد لاهوته -
الّذي هو روح - بإنسانيّته الكاملة.
o
حاشا لله أن يُحدّ، فكيف تعتقدون أنّ الله غير المحدود
يُحدّ في أي جسد محدود؟
§
أنّ الله بملء لاهوته كان حالًّا في
المسيح بدون أن يكون محدودًا في جسده، فهو لم يفتر أثناء تجسّده على الأرض على أن
يكون حاضرًا في كلّ مكان أيضًا.
o
كان المسيح يقول عن نفسه: أنّه إنسان «وَلَكِنَّكُمُ
الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ
بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ» (يوحنا 8: 40). وقال عن نفسه أيضًا إنه
ابن الإنسان: فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ
السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ
رَأْسَهُ» (لوقا 9: 58)؛ فكيف يكون هو الله؟
§
لكون
المسيح شخصًا واحدًا له طبيعتان: ناسوت ولاهوت فهو الله، وهو إنسان في ذات الوقت. فلا
لاهوته ينفي ناسوته، ولا ناسوته ينفي لاهوته، بل كلّ من الطّبيعتَين في شخص المسيح
كاملة تامة. وهو يجمع في شخصه كلا الطّبيعتين بلا انفصال، وبلا امتزاج، وهذا هو
معنى التّجسّد.
o
إن صحّ
التّجسّد يكون الله قد تغيّر، والله منزّه عن التّغيّر!
§
لقد تجسّد الله ولم تتغيّر طبيعته،
لأنّ الطّبيعتَين في شخص المسيح متّحدتان بلا انفصال، وأيضًا بلا امتزاج. فلم
تمتزج الطّبيعتان معًا لينتج كائن من طبيعة جديدة ثالثة نتيجة هذا الامتزاج لا هو
الله ولا هو إنسان، حاشا! بل بقي اللّاهوت لاهوت لم ينقص، وظلّ النّاسوت ناسوت لم
يزد، لذلك تجسّد الله ولكنّه لم يتغيّر.